• لماذا يحقق القرآن نتائج أفضل مما حققته كتب الأولين؟!
  • ما هي أهمية أداء الواجبات عندما يتحقق الرقي المادي؟
  • ما طرق تجنب آثار الدمار الحضاري؟
  • كيف يكون الإنسان عجولا؟
  • ما هي آيات الليل والنهار، وما معنى أن الله محى آية الليل؟

إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (الإسراء: 10)

التفسير:
يقول الله تعالى إن هذا القرآن يهدي إلى غاية هي أسمى كثيرًا من الغايات التي كان ينشدها الأولون، لذا لا بد أن يحقق نتائج أفضل مما حققته كتب الأولين. وستكون جوائز العاملين بالقرآن روحانية ومادية أيضًا، فاعملوا بهذا الكتاب أيها اليهود واظفَروا بهذه الجوائز.
هذا، وتمثّل هذه الآية تحذيرًا للمسلمين بأن الجوائز التي تنتظركم هي أفضل مما ناله مَن قبلكم، فكُونوا أكثر منهم حذرًا، لكيلا تصاب أجيالكم في وقت من الأوقات بالزهو والغرور جراء هذه النعم، فتفسد وتستحقّ عذاب الله تعالى.

وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (الإسراء:11)

التفسير:
هذه الآية توضح المعنى الذي قد لمّحت إليه الآية السابقة، حيث يعلن الله تعالى أنه ما من أمة تتغافل عن مصيرها إلا وتقع في العذاب في آخر المطاف.
علمًا أن “الآخرة” تعني ما يأتي فيما بعد، ولكن بما أن هذه الكلمة قد تكررت في القرآن الكريم كثيرًا بمعنى يوم الآخرة أيضًا فقد ترسَّخَ في أذهان الناس أنها لا تعني إلا يوم القيامة. وهذا خطأٌ، لأن “الآخرة” لا تعني في الأصل إلا الشيء الآتي فيما بعد، فلذا يجب أن نفسرها بما يتلاءم مع السياق. وأرى أنها تعني هنا «مصير الأمم»، فهو المعنى الأكثر انطباقًا هنا بالنظر إلى السياق؛ والمراد من هذه الآية أن الأمة التي تنسى أن لكل شمس أُفولاً، وتتغافل عن مصيرها، لا بد أن تتقاعس عن أداء مسؤولياتها، وبالتالي تستحق عذاب الله تعالى. فعلى كل أمة أن تضع مصيرها في الحسبان دومًا، وتُصلح مسارها عند تسرُّب أي فساد إليه، لكي توهب الحياة من جديد، وتنجو من عذاب الله تعالى.
والواو الداخلة على هذه الآية هي للعطف، وتؤكد ما ذهبتُ إليه من أن «الآخرة» لا تعني هنا القيامة، بل تعني «مصير الأمم»، لأن العطف يبين أن الخطاب هنا مازال موجّهًا إلى المسلمين، والظاهر أن المسلمين يؤمنون بالآخرة وليسوا بمنكرين لها.

والمراد من هذه الآية أن الأمة التي تنسى أن لكل شمس أُفولاً، وتتغافل عن مصيرها، لا بد أن تتقاعس عن أداء مسؤولياتها، وبالتالي تستحق عذاب الله تعالى.

وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (الإسراء: 12)

شرح الكلمات:
يدعو: دعاه دعاءً ودعوى: رغِب إليه. دعا زيدًا: استعانه. دعا فلانًا: ناداه وصاح به. دعاه إلى الأمر: ساقه إليه. دعا فلانا دعوةً ومدعاةً: طلَبه ليأكل عنده (الأقرب). وكل شيء إذا احتاج إلى شيء فقد دعا به. يقال لمن أَخلقَتْ ثيابُه: دَعَتْ ثيابُك أي احتجتَ أن تلبَس غيره. دعا بالكتاب: استحضره (التاج).
عَجولاً: العَجولُ المسرِعُ؛ الكثيُر العَجَلةِ (الأقرب).

التفسير:
إن هذه الآية تؤكد المعنى الذي بيّنتُه آنفًا، إذ لا تتحدث عن القيامة، بل تذكر ما ذكرتُ، وكذلك الآيات التالية أيضًا تتحدث عن الموضوع نفسه.
وقبل أن أتناول هذه الآية بالشرح والتفصيل، أود أن أرسّخ معناها جيدًا. فليكن معلومًا أن هناك فرقًا كبيرًا بين (دعاه) و(دعا به)، لأن (دعاه) يعني: رغِب إليه، أو ناداه، أو استعان به، وأما (دعا به) فيعني: طلب منه أن يحضر إليه. وعليه فتعني هذه الآية أن الإنسان ينادي – في الظاهر – الخيرَ ليأتي إليه، مع أنه ينادي الشرَّ في واقع الأمر، أو يكون المعنى: أنه ينادي الشرَّ بالإلحاح الذي يجب أن ينادي به الخيرَ. وحسب المعنى الأول تبين هذه الآية أن الأمم زمنَ رقيها تنسى أنها قد أُعطيت هذا الازدهار لكي ترسخ الدينَ والأمانة في العالم، وتعمل على ما يحقق الأمن والرخاء للإنسانية جمعاء، لتَرِثَ أفضالَ الله تعالى؛ ولكنها تعمل النقيض وتنشغل في جمع النعم المادية، غاضّةً الطرف عن أداء حقوق الآخرين. وتظن – وهي تجمع أسباب الرخاء المادي هذه – أنها تجمع أسباب الخير لأجيالها، مع أنها في الواقع تجمع أسباب دمارها، غافلةً عن أداء المسؤولية الملقاة على عاتقها، والنتيجة أن مثل هذه الأمة تهلك في آخر المطاف.
إذن فالساعة التي يحقق فيها شعبٌ ما الغلبةَ والرقي هي ساعةٌ جدُّ خطيرة، إذ يغيب بَعدَها الخيرُ الحقيقي عن أنظار الناس، فيحسبون الشر خيرًا ويتبعونه، فيَضلّون عن سواء السبيل.
وأما قوله تعالى:
وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولا
فإشارة إلى أن الخير الذي يناله المؤمن إنما يظفَر به بعد الموت، لأن المؤمن إنما يوهب الانتصاراتِ الماديةَ لتتاح له الفرصة للفوز بالخير الأخروي، ولكن بعض الناس يتعجلون، فيحسبون الرقي المادي هو الخير الحقيقي، فينهمكون في تحقيقه، فيصبحون كالباحث عن حتفه بظلفه.
فالآية تحذر أنه إذا ما أحرز قوم من الأقوام رقيًّا ماديًّا، ونالوا الحكم أو الثروة مثلاً، فعليهم أن يأتوا بأعمال تساعد على بقاء تلك النعمة المادية فيهم، ويدّخروا بها الخير الأخروي لهم، بدلا من أن يفعلوا ما يؤدي إلى زوال تلك النعمة عنهم، فتنفلت من أيديهم فرصة كسب نعم الآخرة أيضًا.
وستعني هذه الآية نظرًا إلى المعنى الثاني: أن الإنسان مخلوق عجيب! يطلب الخيرَ ويتمناه بلسانه، ولكنه يطلب الشر بعمله. وكأنه بسبب غبائه يطالب بأمرين نقيضين: الخير بلسانه، والشر بعمله! مع أنه لا يمكن أن يحرز الفلاحَ الحقيقي ما لم يكن قلبه وعمله في انسجام تام، بمعنى أنه إذا كان يتمنى الخير بقلبه فليطلب الخير بعمله أيضًا.
ويمكن أن تفسَّر الآية بطريق آخر، وذلك باعتبار ضمير الغائب في “دعاءَه” راجعًا إلى الإنسان، وباعتبار الله تعالى فاعلا لفعل الدعاء.. أي أن الإنسان يدعو الشر بنفس الحماس الذي يدعوه به اللهُ إلى الخير. وكأنه تعالى يقول: أيها الإنسان تعال إلى الخير، ولكنه يقول: أيها الشر تعال أنت إلي. وبمعنى آخر: إن الله تعالى يهيئ للناس أسباب الخير، ولكن بعضهم يدعون بأعمالهم الشر لأنفسهم، ويهيئون لهم أسباب الدمار.
لقد نبّه بكلمة “عَجولاً” إلى أن الإنسان لا يُعمل الفكر ولا يتأنى في العمل، ولو فعل ذلك لأدرك خطأه. لقد قال النبي ما معناه أن الغاضب لو توقف قليلاً لهدأت ثورة غضبه، ولوجد فسحة للتفكر (مسند أحمد مجلد 5 ص 152). والحق أن العجلة سبب السيئات كلها. ولو أن الإنسان تأنّى قليلاً قبل ارتكاب سيئة من السيئات، وفكّر في نفسه مليًّا: هل إتيانها سيضرّه أم ينفعه، لتَجنَّبَ ارتكابها .

فالآية تحذر أنه إذا ما أحرز قوم من الأقوام رقيًّا ماديًّا، ونالوا الحكم أو الثروة مثلاً، فعليهم أن يأتوا بأعمال تساعد على بقاء تلك النعمة المادية فيهم، ويدّخروا بها الخير الأخروي لهم، بدلا من أن يفعلوا ما يؤدي إلى زوال تلك النعمة عنهم، فتنفلت من أيديهم فرصة كسب نعم الآخرة أيضًا.

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (الإسراء: 13)

شرح الكلمات:
مبصرةً: أبصَرَه: رآه؛ أخبره بما وقعتْ عينُه عليه؛ جعَله بصيرًا. وأبصرَ الطريقُ: استبان ووضَح (الأقرب).
محونا: محا الشيءَ: أزاله وأذهبَ أثرَه (الأقرب). المحو: السوادُ في القمر (التاج).
فضلاً: الفضل: ضدُّ النقص؛ البقيةُ؛ الزيادةُ؛ الإحسانُ. والفضل في الخير يُستعمل لمطلق النفع (الأقرب).
عدد: العدد: اسمٌ مِن عَدَّ بمعنى الإحصاء؛ المعدودُ، وجمعُه أعداد (الأقرب).

التفسير:
الفاء في قوله تعالى فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ تفسيرية وليست للترتيب، إذ ليس المعنى أننا جعلنا الليل والنهار ثم محونا الليل منهما، وإنما المراد أننا خلقنا الليل والنهار كما لو أن الليل آية مَمحوّة، والنهار آية مضيئة.. أي أن الله تعالى جعل للناس في الليل منافع خفية، وفي النهار فوائد جلية، وكلاهما نافع لهم، حيث يستعينون بهما في معرفة الأيام والتواريخ وعلم الحساب. وفائدة معرفة التواريخ والأيام بواسطة القمر والشمس واضحة بيّنة لا تحتاج إلى توضيح، وأما علم الحساب فأيضا حصل نتيجة حفظ الناس الأيامَ خلال فترات طويلة متعاقبة، وكذلك نتيجة كون تحديد موعد السنة مرتبطًا بالقمر والشمس. والحق أن إعداد التقويم الصحيح مستحيل بدون معرفة سرعة حركة الشمس. وإن معرفة دوران القمر والشمس أيضًا ذاتُ علاقة بالحساب، لأن الإنسان أثناء تفكيره لمعرفة حركتهما يحتاج إلى حسابات دقيقة جدًّا حتى إنه لم يتمكن إلى اليوم من تكميل حساب دوران الشمس، ومن أجل ذلك ظل يرتكب في تحديد السنة الشمسية أخطاءً ولا يزال يصححها مع تطور علم الحساب.
لقد نبه الله تعالى بهذا أن الآيات الإلهية نوعان: آيات تساعد الإنسان على التقدم والرقي، وآيات تدفعه إلى الزوال والدمار. فاطلبوا من الله آيات التقدم والازدهار، ولا تطلبوا الآيات التي تمحو أثركم.

والحق أن العجلة سبب السيئات كلها. ولو أن الإنسان تأنّى قليلاً قبل ارتكاب سيئة من السيئات، وفكّر في نفسه مليًّا: هل إتيانها سيضرّه أم ينفعه، لتَجنَّبَ ارتكابها.

كما أوصانا الله تعالى أن تستغل، لبلوغ الكمالات الروحانية، حالتَي الرقي والزوال كلتيهما، مثلما جعل الله تعالى كُلاً من الليلِ الذي هو آية الظلام والنهارِ الذي هو آية النور سببًا لرقينا المادي؛ فلا ننسى الله وقتَ الشدائد، ولا نُعرض عنه زمنَ الانتصارات.