حَاجَتُنَا إِلَى الطَّعَامِ، وَفَلْسَفَةُ الغِذَاءِ وَالصِّيَامِ

سامح مصطفى

كاتب وشاعر
  • خلق الإنسان مختارا ما يأكله وكيف يأكله.
  • وضحت الشريعة الكاملة ما يليق أكله وما لا يليق.
  • تُؤثر نوعية الغذاء في شخصية المتغذي.

وجبة خفيفة على سبيل التمهيد للفكرة
تعد قضية الغذاء من أهم القضايا المتشعبة والمؤثرة في جل جوانب الحياة المخلوقة والمبثوثة في أرجاء الكون، ما علمنا منها وما لم نعلم. فبسبب الغذاء فنت أمم وقامت أمم، وبحثا عن الغذاء وفرارا من جحيم المجاعات توالت هجرات، ونشبت حروب وأبرمت اتفاقيات، فمن منا لم يسمع بحروب التوابل التي دارت رحاها في مشرق العالم بين القوى الأوروبية؟! كالحرب التي نشبت بين بريطانيا وهولندا، وكان مبدؤها ثمار «جوزة الطيب». وقبل هذا وذاك، تخبرنا النقوش البدائية للبشر الأوائل على جدران الكهوف أن الغذاء كان الرسام البارع الذي رسم أنماط الحياة على هذا الكوكب، وحدد حِرَفًا ووظائف امتهنتها البشرية حتى قبل أن ترتقي إلى مستوى الإنسانية. منذ أن كانت البداية بحرفة الجمع والالتقاط، فحرفة الصيد، ثم الرعي، إلى أن وصل بالإنسان الحال إلى احتراف الزراعة لإنتاج غذائه.

…. الإنسان لم يخلق مجرد آكل، وإنما أيضا خُلِق مختارا ما يأكله وكيف يأكله. وكلما ازدادت عملية الاختيار تلك وضوحا كلما ارتقت الإنسانية بوجه عام على سلم التحضر السلوكي، وقد بلغ هذا التحضر أوجه بمبعث الإنسان الكامل، وتنزل الشريعة الكاملة التي وضحت ما يليق أكله وما لا يليق، ومتى وكيف أيضا يمكن أكل ما يليق.

لقد كان الغذاء عاملا أساسيا في تحويل البشر من مجرد كائنات باحثة عن الغذاء جمعًا للثمار واصطيادًا للحيوانات البرية، إلى أناسٍ منتجين للغذاء رعيًا واستيلادا للحيوانات المستأنسة وأخيرا بالزراعة لإنتاج غذاء يبقي على حياة الإنسان وما يربيه من حيوانات.
كل ما سبق معروف الآن بداهة، ولكن إذا ما نظرنا في عمق المسألة وجدنا أن النقطة الفاصلة التي عندها ارتقى البشر، من مجرد كائنات همجية لا تختلف كثيرا عن وحوش البراري إلا في استواء القامة، إلى درجة الإنسانية، تلك النقطة كانت مرتبطة بالغذاء ارتباطا وثيقا، فخلال الفترة الزمنية التي ربما تقدر بآلاف إن لم نقل ملايين السنين والتي احترف فيها البشر حرفة جمع والتقاط الثمار البرية ثم حرفة صيد الحيوانات البرية، لم يكن الكائن البشري يتعدى كونه كائنا همجيا باحثا عن غذائه تحدوه غريزة حب البقاء، غير أن الحال أخذت في التغير حين بدأ ذلك الكائن ينتج غذاءه (بشكل ما) بعد التخلي عن الحياة البرية شيئا فشيئا باستئناس الحيوانات ثم الزراعة والارتباط بالأرض. من هنا أخذت ملامح الإنسانية في الظهور والوضوح، بما يرافقها من ظهور وسائل التعايش بين الأفراد ضمن مجتمع منظم، كاللغة ثم القوانين المنظمة وغير ذلك.. المهم أن البداية كانت بالغذاء.
والإنسان دون باقي المخلوقات هو المخلوق الوحيد الذي يصنع غذاءه بشكل عقلي لا غريزي. وقد أصبحت الفرضية القائلة بأن الطهي أوصلنا إلى الإنسان الحالي أكثر قبولا في الأوساط العلمية هذه الأيام.

فإن نوعية الغذاء وطريقته يُعَدَّانِ محددين رئيسيين لشخصية المتغذِّي وطِباعه وأخلاقه، ولحضرة المسيح الموعود كلام مسهب في هذه القضية….

أولى الحاجات الأربع
الغذاء كان وسيظل أول الأشياء التي يتسبب نقصها في قض مضجع الإنسانية في هذا العالم، وبما أن الله عز وجل هو الأعلم بالفطرة الإنسانية وما يقلقها وما يطمئنها، فقد جاءت الطمأنة الإلهية لنوع الإنسان في الحقبة المبكرة مشيرة إلى توفر الحد الأدنى اللازم للبقاء والعيش الكريم، بما يشبع الحاجات الأربع الأساسية اللازمة لوجود الحياة في أية بيئة من البيئات، وتلك الحاجات الأربع هي: (الحاجة إلى: 1. الغذاء 2. الماء 3. الملبس 4. المسكن) فيقول تعالى مخاطبا الإنسان الأول:

إنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (1)

كذلك كان الغذاء في ترتيب الأولويات هو الحاجة الأولى بالإشباع حتى من الحاجة إلى الأمن، حيث إن نقص الغذاء وما يترتب عليه من حالة الجوع في أي مجتمع يؤدي إلى فقدان حالة الأمن وانتشار الخوف، ولهذا يشير الامتنان الرباني إلى نعمة الإطعام من الجوع أولا، ثم المؤامنة من الخوف، فيقول تعالى:

فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ( 2)

فلماذا إذًا كل هذه الأهمية لموضوع الغذاء؟! يبدو أن الأمر يتعدى مجرد كون الغذاء سببا في بقاء النفس والنوع، بل إن للغذاء فلسفة من العمق والسمو بحيث إن الجنة نفسها ما كانت لتكتسب ملامحها المميزة لولا توافر عنصر الغذاء فيها بادئ ذي بدء، ونشير هنا إلى آيتي (طه: 119-120)، وهذا ما نحاول سبره في هذا المقال.

أيها المخلوق، ماذا تأكل؟!
غير خاف الآن عن العامة ناهيك عن خواص المثقفين مدى تأثير نوعية الغذاء وطريقته في طبيعة المخلوق المتغذي، حتى إننا نسمع كثيرا في هذه الأيام عبارات ذات معنى ومغزى عميق مثل «قل لي ماذا تأكل، أقل لك من أنت». وإن أنماط الحياة على كوكبنا محدودة بأنماط الغذاء، وقد هدى الخلاق العليم كل نمط حيوي إلى نمط غذائه الذي يضمن بقاءه واستمراريته.
وقد بلغ موضوع نوعية الغذاء وطريقة التغذية مبلغا عظيما، وكان من الأهمية بحيث كان من الموضوعات المطروحة على مائدة التحليل والتحريم، كما لو أن الإنسان لم يخلق مجرد آكل، وإنما أيضا خُلِق مختارا ما يأكله وكيف يأكله. وكلما ازدادت عملية الاختيار تلك وضوحا ارتقت الإنسانية بوجه عام على سلم التحضر السلوكي، وقد بلغ هذا التحضر أوجه بمبعث الإنسان الكامل، وتنزل الشريعة الكاملة التي وضحت ما يليق أكله وما لا يليق، ومتى وكيف أيضا يمكن أكل ما يليق. لقد بلغ الأمر من الأهمية بحيث نزلت سورة مباركة تحمل اسم «المائدة»، المطلع عليها يلمح إشارات عدة لموضوع الغذاء في مناسبات مختلفة.
باختصار، فإن نوعية الغذاء وطريقته يُعدَّان محددين رئيسيين لشخصية المتغذِّي وطِباعه وأخلاقه. ولحضرة المسيح الموعود كلام مسهب في هذه القضية، نعرض إلى شيء من مقتبساته يقول: « تثبت لنا التجارب أن الأغذية المتنوعة تؤثّر أيضا في الوظائف الفكرية والقوى النفسية دون شك. انظروا مثلا إلى الذين لا يأكلون اللحوم أبدا.. كيف تضمحل فيهم قوة الشجاعة شيئا فشيئا حتى إنهم يصبحون جبناء للغاية، وهكذا يفقدون قوة محمودة هي إحدى مواهب الرحمن! ونجد على ذلك شاهدا آخر من السُنة الإلهية الجارية في الحيوانات التي تقتات على الأعشاب، إذ لا يوجد من بينها حيوان واحد له مِثلُ شجاعة الحيوان الذي يتغذى باللحوم. وهذا هو المشاهَد أيضا في الطيور. فلا شك إذًا أن الأغذية تؤثر في الأخلاق تأثيرا عظيما» (3)، وهذا الأمر بات من المسلم به علميا وطبيا في هذا العصر، وإن لم تتخذ الإنسانية بعد منهجا قويما في تحديد ما يليق أكله وما لا يليق، ولكنها لا محالة ستدرك شيئا فشيئا ذلك المنهج حين تتخذ الطريق الوسط، والمُبين في قوله تعالى:

وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا (4) .

صفة الصمدية.. تَنَزُّهُ الخالق واحتياج المخلوق
لقد مثلت الحاجة إلى الغذاء أحد الفوارق المميزة بين الخالق والمخلوق، والتي باستطاعة الإنسان المتفكر اكتشافها بكل سهولة، فما إن تطرأ على المرء حالة الجوع حتى يدرك مدى عجزه واحتياجه إلى الطعام، وكلما ازدادت وطأة الجوع يضطر المرء إلى تقبل أحقر أنواع الأطعمة وأبخسها قيمة إبقاءً على رمق حياته. الحق أن وراء هذا المشهد حكمة بالغة مفادها أن الحاجة إلى الغذاء تثبت ضعف المحتاج، وبالتالي فأنى يمكن له أن يُدْعى إلها؟! ولهذا السبب نفسه نجد في القرآن المجيد دليلا عظيما على بساطته، ينفي ألوهية كل من دُعِيَ إلها من دون الله الحق سبحانه وتعالى، في تفنيد واضح لمزاعم ألوهية المسيح بن مريم وأمه (عليهما السلام)، ذلك الدليل هو: أنى للمسيح الناصري أو أمه أن يكونا إلهين مع حاجتهما الدائمة إلى الطعام؟! تلك الحاجة التي ربما اضطرتهما في بعض الأحيان إلى تناول طعام زهيد القيمة. أفلا يدرك كل متفكر عجز من يلجأ لبقائه إلى ما هو أدنى منه قيمة؟! وهذه حال جميع المخلوقات على إطلاقها بلا استثناء..
لقد ورد فعل الأكل في القرآن المجيد 5 مرات في معرض التمييز بين مقامي الألوهية والعبودية، منها ثلاث مرات بيان إلهي واضح، ومرتان حكاية عن بعض الخلق. فحين يميز تعالى بين الألوهية والعبودية يقول عز وجل:

مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (5)[ (6) 

ويقول تعالى أيضا:

وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (7).

وحكاية عن الخلق يقول تعالى:

1. وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (8).
2. وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (9).

فعملية الغذاء بشيء من التجريد تعبير عميق عن احتياج كائن معقد التركيب إلى كائن أبسط منه أو أقل تعقيدا بشكل يظهر عجز الكائن المعقد التركيب إلى درجة أن يحتاج إلى ما هو أدنى منه لأجل بقائه.
ومن جانب آخر، وإذا ما أجلنا النظر في صفات البارئ تعالى، نجد ضمن صفاته الحسنى المشهورة صفة «الصمد»، ولا يخفى على أحد من المسلمين ارتباط تلك الصفة بالأحدية

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (10)

الهرم الغذائي، ومنه يتضح أن بقاء الكائنات الأعلى، ومنها الإنسان، والذي يتحدد مكانه في أعلى الهرم، منوط بوجود كائنات أدنى مكانها قرب قاعدة الهرم.

لقد ربط سبحانه جل في علاه صفة أحديته بصفة صمديته، وهذا أمر يثير فينا شوقا لاكتشاف دقائق المعرفة هاهنا. على مستوى التعاملات البشرية، وفي أجواء الحروب بما فيها من غلبة وانهزام، نسمع تعبيرات من قبيل: «صمدت مدينة كذا أمام الحصار»، يفهم الكثيرون من تعبير كهذا أن المدينة المذكورة إنما صمدت لأنها استغنت بما فيها من أقوات وموارد عن أي مدد خارجي لبقائها، ولله المثل الأعلى، إنه عز وجل الصمد، بمعنى أنه تعالى مستغن كل الاستغناء عن كل ما عداه للبقاء، بل إن كل ما عداه محتاج بإلحاح إلى ذلك الصمد المنزه عن الحاجــــة إلى الأكل والشــــرب.

الدلالة الصوتية، والقاسم المشترك بين الصمدية والصوم
إذا ما واصلنا التعمق في تأمل صفة «الصمد» كونها أحد أسماء الله الحسنى، ولفظة «الصوم» من حيث إنها تَشَبُّه بـ «الصمد» سبحانه وتعالى، ربما يلفت نظرنا ذلك الجناس الكائن بين لفظتي «صمد» و»صوم»، فكلتا المادتين تشتمل على الحرفين ذاتهما (الصاد) و(الميم) واللذين حرفين أصليين في المادة اللغوية فإنما يفيدان السَّد والامتلاء بصورة ما.. نعلم أن الصوم في أبرز معانيه هو سد جميع منافذ الشهوات لدى الصائم، ولا يكون صومٌ أو صيامٌ بحق دون تحقق هذا المعنى، وما لم يتحقـــــق هذا المعنى، لا يكـــــون ثمة قيـــــمة للامتناع عن الطــــعام والشـــراب، قال رَسُولُ اللَّهِ :
«رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ» (11)

إنه عز وجل الصمد، بمعنى أنه تعالى مستغن كل الاستغناء عن كل ما عداه للبقاء، بل إن كل ما عداه محتاج بإلحاح إلى ذلك الصمد المنزه عن الحاجــــة إلى الأكل والشــــرب.

وبتطبيق نفس المعيار على مادة «ص م د»، نرى أن اجتماع صوتي «ص» و «م» ينتج عنه نفس الدلالة المفهومة من اجتماعهما في مادة «ص و م»، بالإضافة إلى وجود صوت «د» الذي يحمل دلالة جديدة، وهي الدلالة على الدفع الشديد المتوقف، بحيث يشعر المتأمل في صوت «الدال» أنه أمام شيء مصمت (غير أجوف)، فعجبا! أليست هذه الدلالة هي نفسها المفهومة من اجتماع الصاد مع الميم في ألفاظ مثل: أصم وصماء؟! نقول: صخرة صماء، أي مصمتة لا فروج فيها.
لقد أصبحت دلالة الصوم والصيام الآن أكثر اتضاحا، فحبذا لو تم توظيف تلك الدلالة في سبيل التشبه أكثر بالله تعالى على نحو ظلي، فسبحانه وتعالى أن يكون له شبيه على وجه الحقيقة، ولكن المشابهة الظلية هي جوهر العبادة، وهذا بالضبط ما يُفهَم من الحديث النبوي القائل: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ» (12)، والمفهوم بالطبع أن آدم مخلوق على صورة الله تعالى الظلية، فهو متخلق بصفاته تعالى على نحو ظلي.

1. (طه: 119-120)
2. (قريش: 4-5)
3. حضرة مرزا غلام أحمد ، فلسفة تعاليم الاسلام، الترجمة العربية، ص9، الطبعة الثالثة 2011م
4. (الأعراف:32)
5. (المائدة: 76)
6. (الأنبياء: 9)
7. (الفرقان: 21)
8. (المؤمنون: 34)
9. (الفرقان: 8)
10. (الإِخلَاص: 2-5)
11. (سنن ابن ماجه، كتاب الصيام)
12. (صحيح البخاري، كتاب الاستئذان)