جريمة كربلاء وفداء يستوجب الثناء

جريمة كربلاء وفداء يستوجب الثناء

محمد طاهر نديم

  • ماذا لو اطلع الحسين علينا؟!
  • كيف يقوي المرء إيمانه وكيف يضيعه؟!

__

لا شك أن مطلع العام الجديد يُعَدُّ في مختلف الثقافات والتقاليد مناسبة ابتهاج وسعادة، إلا أن بداية كل سنة هجرية جديدة تذكّر المسلمين في جميع أنحاء العالم بواحدة من أفدح المآسي في تاريخ الإسلام، وأشنع الجرائم هو ما وقع في القرن الأول للإسلام في كربلاء – العراق، مطلع شهر الله المحرم من عام 61 هـ، حيث قُتل بلا رحمة وبطريقة مؤلمة جدًّا سبط النبي الكريم وآخرون من أهل بيته الأطهار y على يد جيش يزيد.

لا تقاس بشاعة الجريمة بالنظر إلى أسلوب وشكل القتلة فقط بل بمخالفة التحذير الصادر والقانون المعلن عنه تخويفًا من ارتكابها أيضا في يوم مشهود، هو يوم عرفة من حجة وداع النبي ، حين أصدر بيانه التحذيري الصارم والفائض بحرقة أبٍ يوشك على مفارقة أولاده، فيبادر بوصيتهم التي تعد الوصية الأشهر في التاريخ الإسلامي والتي جاء فيها: «….. فإنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَ. فَأَعَادَهَا مِرَارًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ. قَالَ ابْنُ عَبَّـــــاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُــــمَا: فَوَالَّذِي نَفْسِــــي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ فَلْيُبْلِغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ لَا تَرْجِعــُوا بَعْدِي كُفَّــارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَــابَ بَعْضٍ». (1)

ماذا لو اطلع الحسين علينا؟!

مما لا شك فيه أنه قد أُريق من الدماء الزكية على مذابح كربلاء، وقُتل المعصومون والأبرياء أبشع قتلة، ومما لا شك فيه أن المصاب جلل والفاجع أليم، ومما لا شك فيه أيضا أن قتل الحسين مصيبة عظيمة وفاجعة أليمة؛ غير أن الله تعالى قد أرشدنا وعلّمنا كيف ينبغي أن نتصرف عند حلول المصيبة ووقوع الفاجعة لقوله تعالى:

وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (2)

وقال رسول الله : مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا. (3)

ولا شك أنه حق علينا أن نحزن ونألم لمثل هذه الواقعة الأليمة، وتدمى قلوبنا قبل أن تذرف أعيننا، ولكن أرشدنا النبي الخاتم كيف ينبغي أن نحزن ونعبر عن الآلام والأحزان حيث قال عن فراق فلذة كبده إبراهيم: «إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ.» (4)

«لم يُرد الإمام الحسين أن يبايع على يد فاسق فاجر، كي لا يفقد الدين مصداقيته»

ولكن البون شاسع الآن بين ما يدعونا إليه الله تعالى ورسوله وبين ما نراه من واقع مُزرٍ. لقد تحولت ذكرى تضحية سيدنا الإمام الحسين إلى مأتم وموسم للنياحة ولَطْمِ الوجوه والصدور واستخدام السيوف والسلاسل وغيرها من الأمور التي لا تتماشى مع قول الله تعالى وقول رسوله الأكرم ، وإن إحياء هذه الذكرى بهذا الطريق إنما تذكي في النفوس النزعة إلى الأخذ بالثأر، ليتحول دم سيدنا الإمام الحسين إلى وقود منسكب باستمرار ليغذي نار فتنة لا تخمد. هل ضحّى الإمام الحسين ليتم إحياء ذكرى استشهاده بهذا الطريق؟ كلا بل ينبغي أن يكون سلوكنا وفق معايير صرحت بها الشريعة وحدود شرحتها السنة النبوية. وينبغي أن نتذكر قوله أيضا: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ». (5)

كيف يقوي المرء إيمانه وكيف يضيعه؟!

للإيمان والكفر تأثيرات غير ملموسة، ولكنها تأثيرات خفية تتسلل إلى أعماق الروح دون أن يُشعر بها، وكما أن الشيطان يدخل إلى النفس متسللا فمن رحمة الله تعالى بنا أن وهب الملائكة كذلك ملكة التأثير الروحي الخفي، فوصانا عز وجل أن نكون في صحبة الصادقين الأخيار، استجلابا للخير والإيمان، لأن «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» (6)  ، لهذا السر الروحاني أمرنا المولى عز وجل: وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (7)، فالإنسان إذن أمام مفترق طرق، إما أن يختار مصاحبة أولياء الله أو أعداء الله، الأمر هكذا ما فيه من متوسط، ولا نستطيع معه حيادًا. وقد نص سيدنا المسيح الموعود على أن: «من عادى أولياء الرحمن فقد نبذ الإيمان بالمجان»(8) ، فالقضية إذا محسومة بين سيدنا الحسين ومن ارتكبوا الجريمة في حقه، بدءا من إصدار الأوامر الآثمة بالجريمة، مرورا بحياكة الدسيسة والمؤامرة، ثم انتهاء إلى ذنب التنفيذ. وصرح سيدنا المسيح الموعود والإمام المهدي في كتاباته أن يزيدَ كان دودة أرض نجسة، أعماه حب الدنيا. في حين أن الحسين  كان صادقًا ونموذجًا طاهرًا للمسلمين في المستقبل. وكتب أنه من الخطأ الفادح التشكيك في حضرة الحسين ، ومن فعل ذلك فقد خسر إيمانه. لم يكن الإمام الحسين يسعى للحصول على القوة والحكم، بل كان يريد أن يضع حدًّا لما كان بالتدريج يصبح حُكمًا مَلَكيًّا يأمر الناس بالولاء باسم الخلافة. يقول المسيح الموعود : «لم يُرد الإمام الحسين أن يبايع على يد فاسق فاجر، كي لا يفقد الدين مصداقيته» (9)

وقال موضّحًا المكانة العظيمة للحسين ومثنيا عليه كما يلي:

«أما الحسين – – فكان طاهرا ومطهَّرًا، وهو، بلا ريب، من الأصفياء الذين يزكِّيهم الله تعالى بيده ويملأهم بحبه، وهو من سادة الجنة بلا شك. وإن مثقال ذرة من البغضاء تجاهه يؤدي إلى سلب الإيمان. إن تقوى هذا الإمام وحبه لله وصبره واستقامته وزهده وعبادته أسوة حسنة لنا. لقد هلك القلب الذي يعاديه، وقد فاز القلب الذي يُظهر حبه عمليًّا ويعكس في نفسه نقوش إيمانه وأخلاقه وشجاعته وتقواه واستقامته وحبه لله تعالى باتباعه الكامل كما تعكس المرآة النقية صورة شخص وسيم. إن هؤلاء الناس مخفيون عن أعين الناس. مَن يستطيع أن يقدِّرهم إلا الذي هو منهم؟ إن عين الدنيا لا تعرفهم لأنهم بعيدون عنها جدا. فهذا كان السبب وراء استشهاد الحسين لأن أهل الدنيا لم يُدركوا مكانته. أيَّ طاهرٍ أحبَّه أهل الدنيا من قَبل حتى يحبّوا الحسين ؟

باختصار، إن الإساءة إلى الحسين شقاوة وإلحاد من الدرجة القصوى. والذي يسيء إلى الحسين أو أيٍّ من الأئمة المطهَّرين أو يتفوه بحقهم بكلمة استخفاف إنما يضيع إيمانه لأن الله تعالى يعادي مَن عادى أصفياءه وأحباءه.»(10)

إحياء ذكرى الأطهار كما ينبغي أن يكون

إن ذكرى الأطهار تتسم بالطهارة كذلك، وقد كان حضرة الإمام الحسين إنسانًا تقيًّا ونبيلاً ويجب علينا جميعًا أن نحذو حذوه، لا سيما عند استحضار سيرته. قال سيدنا المسيح الموعود : «إن حب الأنبياء والصالحين يبقى مجرد أمنية ما لم تتبع صفاتهم» (11) نعم، فأفضل طريقة لإحياء ذكرى شهر المحرم هي بذل المرء ما بوسعه ليصبح كالإمام الحسين وأن يتبنى كل صفاته. ولهذا السبب فإن السعي المستمر مطلوب ويدوم مدى حياة الإنسان. لقد شرح حضرة مرزا مسرور أحمد أيده  الله بنصره العزيز الخليفة الخامس للمسيح الموعود في خطبة الجمعة التي ألقاها في العاشر من كانون الأول عام 2012 الأنشطة التي يجب على المسلم ممارستها خلال هذه الأيام. وذكر أنه ينبغي على المرء أن يقرأ الصلوات الإبراهيمية (دعاء التحيات والصلاة على النبي وذريته المادية والروحية) لأن هذه هي أفضل طريقة للتعبير عن مشاعر المرء حول حادثة كربلاء وللتخفيف من حدة القهر. فالصلوات الإبراهيمية هي أيضًا وسيلة لراحة ذرية النبي الكريم المادية والروحية. إنها أفضل طريقة لإظهار حب المرء لآل بيت النبي الكريم . وفقنا الله للابتهال والصلاة والسلام على النبي قدر المستطاع، وأن تكون هذه الصلوات أيضًا مصدر البركات لنا.

وقال حضرته أيده الله بنصره العزيز أيضا: «إن كان هناك درسٌ نتعلمه من شهر المحرم فهو أن نصلي ونسلم دائمًا على النبي الكريم وآله. ولإتمام واجبنا تجاه الأهداف العظيمة التي وضعها إمام الزمان، علينا أن نصلي على النبي وأن نشغل أنفسنا بالدعاء وأن نحاول بكل ما نستطيع إحداث تغيير حقيقي في أنفسنا. وبنفس الوقت ينبغي أن نثبت أمام العدو الذي يحمل صفات يزيد». (12)

شهادة الحسين، وبيعة المسيح الموعود

لقد زادت جريمة قتل الحسين سيد الشهداء في نهاية المطاف فجوة الانقسام الشيعي-السني اتساعا، فالحمد لله الذي بعث في هذه الحقبة المباركة بعد طول انقسام من يجمع أطراف الثوب المتمزق، ذلك المبعوث الذي بالانضمام إلى جماعته تزول الضغينة تلقائيا بين الإخوة المتناحرين، فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (13) .. هذا الأمر في ذاته يجعل من واجب كل مسلم مبايعته وفقًا لتعليمات النبي الكريم ، وبالتالي إنهاء كل الانقسامات والاتحاد تحت لواء إمام العصر. فنرجو من الله تعالى أن يمكّننا دائمًا من التعبير السديد عن حبنا لذرية النبي الكريم ومن الصلاة والسلام عليه.

الهوامش

  1. (صحيح البخاري، كتاب الحج)
  2. (البقرة 156-158)
  3. 3.. (مسلم، كتاب الجنائز).
  4. (صحيح البخاري، كتاب الجنائز).
  5. (صحيح البخاري،كتاب الجنائز)
  6. (سنن الترمذي، كتاب الزهد عن رسول الله)
  7. (التوبة: 120) 8. (حمامة البشرى)
  8. (الملفوظات، المجلد 4، 580)
  9. (مجموعة الإعلانات، المجلد2، ص653- 654)
  10. (الملفوظات، المجلد 4، 533)
  11. (خطبة الجمعة، حضرة مرزا مسرور أحمد أيده الله بنصره العزيز، 10 ديسمبر 2010)
  12. (فصلت 35)
Share via
تابعونا على الفايس بوك