• الجحود منهاج الكافرين.
  • قدرة الله في البر والبحر.
  • نبأ فتح مكة.
  • أفضلية الإنسان كجنس على باقي الكائنات.
  • بركة اليد اليمنى.

وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (68)

التفسير:

يقول الله تعالى: إن الإنسان كثير الجحود إذ ينسى دائمًا حالتَه السابقة. حين تحل به مصيبةٌ يقول: لو نجوت منها فلن أعمل إلا صالحًا، ولكنه عند زوال المصيبة ينسى كل ما قال ووعد. لقد نبه الله المسلمين هنا ألا يسلكوا مسلك الكفار إبان الازدهار، بل عليهم أن يذكروا الله تعالى زمنَ رقيهم على الدوام، كي ينصرهم عند المصائب.

أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (69)

شرح الكلمات:

حاصبًا: حصَبه يحصِبه: رماه بالحَصْباء. والحاصب: ريحٌ تحمل الترابَ والحصباء؛ وقيل: هو ما تناثَرَ مِن دِقاق الثلج والبَرَدِ؛ السحاب لأنه يرمي بالثلج والبرد (الأقرب).

التفسير:

يقول الله تعالى: أيها الناس، تتجاسرون علينا حين تكونون على اليابسة! أتظنون أننا غير قادرين على أن نرسل عليكم العذاب وأنتم في البر؟ أليس الله قادرًا على أن يدفنكم في الأرض، أو يرسل عليكم مطرًا من الحجارة؟ فما هي الفائدة التي تجنونها بالتفريق بين البر والبحر فيما يتعلق بسلوككم؟ وعندي أن هذه الآية تحمل النبأ عن غزوة بدر. ففي هذه الغزوة رمى النبي حفنة من الحصى إلى الكفار، وتزامنَ ذلك هبوب ريح شديدة، فبدأت الحصى تقع في وجوه الكفار. وكانت الريح تهبّ تجاهَ الكفار ففقدت سهامُهم التي يطلقونها إلى المسلمين السرعةَ والقوةَ، بينما ازدادت سهام المسلمين سرعةً وقوةً بسبب الريح. (دلائل النبوة للبيهقي، باب إذا التقى الجمعانِ)

كان العرب كلهم، مسلمين ويهودًا ونصارى، يخافون البحر خوفًا شديدًا، لذلك ساق الله هنا مثال البحر لينبه به غيرَ المسلمين أنهم حين يخرجون إلى البحر يصابون بالهلع الشديد نتيجة طوفان بسيط، ظانين أنه عذاب مدمر قد أحاط بهم جراء سيئاتهم، ولكنهم حين يكونون في البر يتجاسرون علينا. فليعلموا أنّا نستطيع أن ندمّرهم في البر أيضًا.كما أن هذه الآية تحثّ المسلمين على الأسفار البحرية، حيث نصحهم الله تعالى: ما دام البر والبحر كلاهما محفوفًا بالأخطار فلا يدفعنّكم الغباء لتقبَعوا في البر فقط ولا تخرجوا إلى البحار.

وعندي أن هذه الآية تحمل النبأ عن غزوة بدر. ففي هذه الغزوة رمى النبي حفنة من الحصى إلى الكفار، وتزامنَ ذلك هبوب ريح شديدة، فبدأت الحصى تقع في وجوه الكفار. وكانت الريح تهبّ تجاهَ الكفار ففقدت سهامُهم التي يطلقونها إلى المسلمين السرعةَ والقوةَ، بينما ازدادت سهام المسلمين سرعةً وقوةً بسبب الريح.

أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (70)

شرح الكلمات:

قاصفًا: اسمُ فاعلٍ مِن قصَف الشيءَ يقصِف قَصْفًا فقصَف هو: كسَره فانكسر، لازمٌ متعدٍّ. قصَف الرعدُ: اشتدَّ صوتُه. رعدٌ قاصفٌ أي صَيِّتٌ. ريحٌ قاصِفٌ أي شديدة تكسِر ما مرّتْ به من الشجر وغيره (الأقرب).تبيعًا: التبيع: الناصرُ؛ التابعُ (الأقرب).

التفسير:

أرى أن قوله تعالى أن يُعيدكم فيه تارةً أخرى كان يتضمن نبأً عن فتح مكة، إذ هرب كثير من المشركين على متون السفن إلى اليمن أو الحبشة؛ فجاءهم الطوفان في البحر، فغرق معظمهم. وكان عكرمة بن أبي جهل من بين هؤلاء الهاربين، ولكنه لم يجد أي سفينة فتخلَّفَ. فجاءت زوجتُه النبيَّ تستأمنه له، فأمّن عكرمةَ. فلحقتْ به بالساحل وجاءتْ به. (السيرة النبوية لابن هشام: أمان الرسول لصفوان بن أمية)

وأشار بقوله تعالى وحمَلناهم في البر والبحر إلى أنه قد خلق البر والبحر كليهما لرقي الإنسان، فإذا أراد شعب ما العزةَ فعليه بالاستفادة من كليهما على حد سواء.

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (71)

التفسير:

يقول الله تعالى: إنه قد أعزّ الناس كافةً، وليس شعبًا بعينه دون غيره؛ فلا يحق للأمم أن تتفاخر بعضُها على بعض. واعلم أن هذا النصح موجَّه إلى اليهود وقريش خاصةً، الذين كانوا يرون أنهم أفضل من غيرهم. لقد نبّههم الله تعالى أنه قد أكرم كل الأقوام، ولكن بعضها لا ينتفعون من هذا التكريم، فيسدّون في وجههم الأبواب التي فتحها الله لهم.

وأشار بقوله تعالى وحمَلناهم في البر والبحر إلى أنه قد خلق البر والبحر كليهما لرقي الإنسان، فإذا أراد شعب ما العزةَ فعليه بالاستفادة من كليهما على حد سواء.

يقول البعض أن القرآن من اختلاق محمد (ستيارث بركاش باب 14 في تحقيق الإسلام ص 671). ولكن كيف يمكن أن تخرُج الأمور المذكورة هنا من لسان أُمِّيٍّ عربي لم يركب السفينة قط.من المؤسف أن المسلمين نسُوا هذا النصح الإلهي بعد بضعة قرون، فذهبت ريحهم. ولو أنهم اهتمّوا بأساطيلهم البحرية لم يصب الإسلامَ هذا الضعفُ والاضمحلال.هذا، وقد استنتج البعض من قوله تعالى وفضَّلْناهم على كثيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً أن الإنسان أفضل من بعض المخلوقات، وليس كلِّها (تفسير البغوي).

لكن هذا الاستنتاج غير سليم، لأن الله تعالى يتحدث هنا عن بني آدم ككل. وأي شك في أن ليس كل فرد من النوع الإنساني بأفضل من كل مخلوق آخر؛ إذ يوجد بين الناس من هو أسوأ حتى من البهائم؛ ومنهم من هو متوسط، وهو أفضل من البهائم؛ ومنهم من فيه الخير الكثير وهو أفضل من الملائكة العاديين؛ ومنهم من يبلغ درجةً أسمى من ذلك أيضًا، وهو أفضل من الملائكة الكبار أيضًا. وبالاختصار ليس كل فرد من البشر أفضل من كل المخلوقات الأخرى، بل إن بعضهم أفضل من جميع المخلوقات الأخرى، أما الإنسان كنوع أفضل من معظم هذه المخلوقات، لأن الشمس والقمر والنجوم والحيوانات كالفرس والثور والجمل والغنم وغيرها كلها تعمل لخير الجميع ومسخَّرات لكل البشر، سواء الكافر منهم والمؤمن. إذًا فالإنسان كجنس أفضل من أكثر الكائنات، وأما كفرد كامل فإنه أفضل منها جميعًا.

يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (72)

شرح الكلمات:

فتيلاً: الفتيل: المفتولُ؛ حبلٌ دقيق مِن خَزَمٍ أو لِيفٍ؛ السَّحاةُ التي في شِقِّ النواة؛ ما فَتَلْتَه بين أصابعك من الوسَخ (الأقرب).

التفسير:

قال المفسرون أن قوله تعالى بإمامهم يعني بكتابهم (البغوي). ولكنا نقول: ما دام الأئمة قد خلوا في كل الأمم، فيجب أن نفسر كلمة الإمام بمفهومها المعروف المتداول عمومًا، أي أن كل أمة سوف تُدعى باسم نبيها، ويقال: فلتتقدم الآن أمةُ النبي الفلاني. ذلك أن كل نبي سوف يشهد أنه قد بلّغهم رسالة الله تعالى. وهذا ما ينص عليه القرآن الكريم، ويؤكده الحديث الشريف أيضًا. (النساء :42، ومسند أحمد ج 3 ص 32 رواية أبي سعيد الخدري)أما قوله تعالى فمن أُوتيَ كتابَه بيمينه فالمراد من الكتاب هنا سِجلُّ الأعمال، كما تؤكد ذلك آية أخرى: يا ليتني لم أُوتَ كتابيَه * ولم أَدْرِ ما حسابيَه (الحاقَّة: 26و 27).

واعلم أن الإسلام قد اعتبر اليد اليمنى علامة البركة، واليد اليسرى علامة العقاب. وفي البِنية الإنسانية أيضًا يفوق الجانب الأيمن على الجانب الأيسر لأن أعضاء الجانب الأيمن أقدر على العمل عمومًا. فإيتاء سجل الأعمال في يمين أحد يعني أن حسابه يكون يسيرًا مباركًا.ونجد الجنس البشري يُجمِع على كثرة استعمال اليمين. فحكم استعمال اليمين في شـرعنا ليس أمـرًا متكلَّفًا، بل إن الناس من كل شعب وملة، مثقفين وغيرهم على حد سواء، ما زالوا يستخدمون اليد اليمنى في أعمالهم على العموم. بل كل الناس – سواء الآسيويون منهم أو الأوروبيون أو الأفارقة والأمريكان، والمتحضرون منهم وغير المتحضرين، المتدينون أو العلمانيون- كلهم يعملون باليمنى، اللهم إلا من كان مريضًا أو تحت تأثير غير طبيعي. ونعرف بالتجربة نفسها أن العين اليمنى في الغالب تكون أقوى من اليسرى. يقول البعض أن الإنسان يفضّل استعمال اليمين بسبب العادة. ولكن السؤال هنا: كيف رسخت هذه العادة في الإنسان؟ ما الذي دفعه إلى ذلك في أول الأمر؟ لا شك أنه بطبعه بدأ استعمال اليمين في أول الأمر، فترسخت هذه العادة في نسله. إذن فلم لا نقول: كما أن الإنسان الأول فكّر في استعمال اليمين في أعماله مدفوعًا بطبعه، كذلك حصل بأجياله.

ومما يجدر ذكره أيضًا أن الشرع قد خصَّ اليدَ اليمنى لأداء الأعمال الطيبة، واليسرى لإزالة النجس والخبث وغير ذلك. وعليه فقد يكون المراد من إيتاء البعض كتابَه في اليمنى بأنه كان يعمل الصالحات، وأما من أوتي كتابه بيده الشمال فكان يعمل الخبيثات.

وقد أرجع بعض الأطباء استعمال اليمين إلى وجود القلب في الجانب الأيسر من الجسم، وبالتالي فإن تدفق الدم إلى الجانب الأيسر من المخ يكون أكثرَ نسبيًا، الأمر الذي يجعل الجانبَ الأيسر من المخ أقوى. وبما أن الجانب الأيمن من المخ يشغّل أعصابَ الناحية اليسرى من الجسم، بينما يشغّل الجانبُ الأيسر من المخ – وهو الجانب الأقوى كما رأينا – أعصابَ الناحية اليمنى من الجسم، لذلك تتقوى أعصاب الناحية اليمنى من الجسم أكثر، مما يدفع الإنسان يميل إلى استخدام الأعضاء اليمنى. (Foundation of Anatomy and Physiology p. 323)

ولكن لا يهمّنا هذا التفسير الطبـي، صوابًا كان أو خطأً، وإنما المهم أن كل الدنيا تفضّل اليمين على اليسار، وأن استعمال اليمنى أكثرَ هو الأمر الطبيعي.وهناك أمر غريب آخر جدير بالتدبر في هذا الصدد. إن الإحصائيات تدلّنا أن نسبة العاملين باليسرى بين أصحاء العقل تبلغ ما بين أربعة إلى ثمانية بالمائة فحسب، ولكن هذه النسبة ترتفع كثيرا بين المجانين (الموسوعة البريطانية كلمة (Handedness. وهذا بحد ذاته برهانٌ آخر على أن قانون الطبيعة هو الذي قد فضّل اليد اليمنى على اليسرى.

لقد ثبت مما سبق بيانه أن اليد اليمنى أنسب للعمل، وبها تعمل الأغلبيةُ في العالم. إذًا فاليد اليمنى يمكن أن تُعتبر رمزًا للقوة العملية. وحيثما ذكر القرآن أن الصالحين سيُعطَون سجل أعمالهم في يمينهم فهو الإشارة إلى أنهم كانوا العاملين المجتهدين المضحّين. وحيثما ذكر أن البعض سيؤتَون سجل أعمالهم في يسارهم فالمراد منه أنهم كانوا العاطلين الكسالى المتهربين من التضحية. ذلك أن اليد اليسرى أقلُّ عملاً بكثير من اليمنى.

ومما يجدر ذكره أيضًا أن الشرع قد خصَّ اليدَ اليمنى لأداء الأعمال الطيبة، واليسرى لإزالة النجس والخبث وغير ذلك. وعليه فقد يكون المراد من إيتاء البعض كتابَه في اليمنى بأنه كان يعمل الصالحات، وأما من أوتي كتابه بيده الشمال فكان يعمل الخبيثات.وأيضًا فإن اليمين إيماءة إلى أمر آخر. قال الله تعالى في موضع آخر من القرآن الكريم لأَخَذْنا منه باليمين (الحاقة: 46)، وقد فسره المفسرون: أننا سوف نبطش به بالقوة والقدرة (القرطبي)؛ وعليه فقد يعني قوله تعالى فمَن أُوتيَ كتابَه بيَمينِه أن هذا أمسك بالخير بكل قوة ولذلك نجَا. وأما غيره فكأنه يقال له: حيث إنك لم تسع كما ينبغي للاستمساك بالخير والتقوى، واستخدمت يدك اليسرى التي هي ضعيفة، فكان مصيرك الدمار.

ثم إن اليُمن يعني البركة أيضًا (الأقرب)، كما ورد في الحديث: «كلتا يَدَي ربي يمينٌ» أي في كلتيهما بركة، ولا شمالَ له سبحانه وتعالى؛ وعليه ففي إيتاء كتابهم في يمينهم إشارة إلى كون مصيرهم مباركًا.

وأما قوله تعالى فأولئك يقرَؤون كتابَهم فإشارة إلى فرحتهم، لأن الذي ينال جائزة يقرأ خبرها فورًا من فرط الشوق والسرور، ولكن الذي ينال عقابًا فلا يقدر على قراءة قرار العقاب، بل يفر من قراءته قدر الإمكان.

وأما قوله تعالى ولا يُظلَمون فتيلاً .. فاعلم أن الفتيل هو الحبل الدقيق، وكذلك الغطاء الذي يكون في شِقّ نواة التمر، ويُستعار للشيء القليل؛ فالمعنى: أنهم لن يُظلَموا مثقالَ ذرة.