المجرم.. المنقطع الصلة مع الله تعالى و الناس
  • الإستتهزاء بالرسل والأنبياء
  • يولد قسوة القلب ويحرم المرء من الإيمان
__
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأوَّلِين (11)

شرح الكلمات:

شِيعِ: جمعُ شِيعة. شيعة الرجل: أتباعُه وأنصاره(الأقرب). وقال الفرّاء في شِيَعِ الأولين : هو مِن إضافة الشيء إلى صفته (البحر المحيط).

التفسـير:

لقد سمّى الله تعالى هنا كل جماعة من الناس شيعًا، وفي هذا دحضٌ للذين يقولون إننا أحرار، ولا ننتمي إلى أية طائفة. الحق أنهم ليسوا في الواقع أحرارًا، كما أنهم لا يعتبرون أنفسهم أحرارًا، وإنما يقولون هذا كيدًا ومكرًا حتى يستمروا في الطعن في الآخرين دون أن يعترض عليهم أحد. فالله تعالى يعلن هنا أن هذا ادعاء باطل كليةً. لا أحد يكون حرًّا، بل لا بد لكل إنسان من أن يتبع أحدًا من الناس أو ينتمي إلى طائفة من الطوائف، سواء على صعيد الدين أو التقاليد أو الفلسفة. ذلك أن الإنسان يواجه الكثير من الأمور بحيث يستحيل عليه أن يتحرى عن كل واحد منها، ولذلك لا بد أن يقتنع إلى حد ما بأفكار الآخرين الذين يحسن الظن بهم. يقول علماء النفس إن التقليد هو أبرز سمة في النفس البشرية، وهذا ما يؤكده الله بقوله ولقد أرسلنا مِن قَبلك في شِيَعِ الأولين .. أي لقد بعثنا الرسل من قبلك في شتى المجموعات البشرية التي كانت متحدة بسبب من الأسباب.

ولو أنهم قاسوا دعواه بهذا الطريق لعرفوا صدقه أو كذبه على الفور. ولكن المؤسف أن هذا هو ما يُعرضون عنه دومًا، مما يدل على أنهم لا يبحثون عن الحق، وإنما يريدون خلط الأمور هروبًا من قبول الحق.

أما علاقة هذه الآية بما قبلها فهي أن الله تعالى قد أوضح هنا أنه بعث الرسل في الذين خلوا من قبل، وأنه حافظ على تعاليمهم أيضًا، كذلك سوف يقوم بحماية تعليم هذا الرسول. مع العلم أن هذه الحماية تكون نصًّا وروحًا، وتتم في عصر الأنبياء المشرّعين – بالإضافة إلى أسباب أخرى – حيث يمنح الله تعالى أتباعَهم الحكمَ في عهدهم، فيبيّنون المفهوم الحقيقي لشرائعهم بتطبيقهم إياها بأنفسهم. أما الأنبياء غير المشرّعين فيهب الله لأتباعهم أيضًا الغلبة لكي ترى الدنيا الثمارَ العملية لتعاليمهم، ولكن ليس من الضروري أن ينالوا الحُكم على الفور.

الغريب أن معارضي الأنبياء يرفضون دائمًا العمل بهذا الطريق السهل الذي لا بد أن يساعدهم على معرفة الحق بشكل يقيني، وهو أن يقيسوا دعوى المدعي على منهاج النبوة، أي على أحوال الأنبياء السابقين. ولو أنهم قاسوا دعواه بهذا الطريق لعرفوا صدقه أو كذبه على الفور. ولكن المؤسف أن هذا هو ما يُعرضون عنه دومًا، مما يدل على أنهم لا يبحثون عن الحق، وإنما يريدون خلط الأمور هروبًا من قبول الحق.

وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (12)

التفسـير:

الاستهزاء هو الضحك على أحد بغيةَ التحقير.

ولهذه الآية علاقة بقولهم الساخر يا أيها الذي نُـزِّلَ عليه الذكرُ حيث نبه الله تعالى الكفار هنا أن سخريتهم بهذا النبي ليست ببدعة جديدة، بل إن الأنبياء الذين يؤمنون بهم تعرضوا لسخرية القوم أيضًا.

كما أخبر هنا أنه يَعِدُ كلَّ نبي بحماية وحيه وتعليمه، وهذا ما يثير العجب لدى الكفار إذ يقولون: كيف يمكن أن يُكتب لتعليمه البقاء بالرغم من معارضتنا إياه؟

إنه لغريب حقًّا أنه ما من رسول إلا وقد استُهزئ به، ومع ذلك كلما يُبعث نبي جديد يقول الناس: لم لم يُعطَ هذا العظمةَ والقوة بشكل غير عادي. تُرى لو أن الرسل السابقين قد بُعثوا بعظمة وقوة كيف كان ممكنًا للناس أن يجعلوهم عرضة للاستهزاء والسخرية؟

وليس الذنب إلا ما يقطع صلة مرتكبه عن الله أو يفسد ما بينه وبين الأناس الآخرين. فالمجرم هو من صار مقطوع الصلة عن الله وعن الناس.

  كَذَلِكَ نَسْـلُكُهُ فِي قُـلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (13)

شرح الكلمات:

نسلُكه: سلَك المكان سَلْكًا وسلوكًا: دخل فيه. سلك الطريقَ أي دخله وسار فيه متبعًا إياه، فهو سالِكٌ. سلَك الشيءَ في الشيء: أدخلَه فيه كما تُسلَك اليد في الجيب والخيطُ في الإبرة، وفي القرآن سلكناه في قلوب المجرمين . سلَك فلانًا المكانَ: أدخله (الأقرب).

المجرمين: جرَم يجرُم جَرْمًا: قطَع، ومنه: جرَم النخلَ جَرْمًا إذا صرَمه. جرَم زيدٌ: أذنبَ. جرَم على قومه وإليهم: جنى جِنايةً. جرَم لأهله: كسب، ومنه في القرآن لا يجرِمنّكم شَنَآنُ قومٍ على ألا تعدِلوا أي لا يكسبنّكم، وفُسّر أيضًا بـ لا يحملنّكم. أجرمَ: أذنبَ؛ عظُم جرمُه. أجرم عليهم: جنى (الأقرب).

لقد تبين من كل هذه الأمثلة أن المعنى الأصلي للجرم هو القطع. فبما أن الذنب يقطع صلة الإنسان عن الله تعالى وعن الناس، فلذلك يسمَّى في الشرع الإسلامي بالجُرم. وليس الذنب إلا ما يقطع صلة مرتكبه عن الله أو يفسد ما بينه وبين الأناس الآخرين. فالمجرم هو من صار مقطوع الصلة عن الله وعن النـاس.

التفسـير:

هناك اختلاف بين المفسرين في تعيين مرجع ضمير الغائب في قوله تعالى نسلُكه ؛ فأرجعه بعضهم إلى عدم إيمانهم المذكور في الآية التالية، بينما قال البعض الآخر إنه يعود إلى عادة الاستهزاء (مجمع البيان). وأرى أن الرأي الثاني هو الصواب.

وبقوله تعالى كذلك نَسلُكه في قلوب المجرِمين نبّه إلى أن الإنسان عندما يرتكب سيئة تقلّ كراهيتُه تجاه السيئات بالتدريج، وتزداد رغبتُه في الآثام حتى يصبح قلبه مشغوفًا بها.

تؤكد هذه الآية أن الله تعالى لا يجبر أحدًا على الإثم، وإنما يرتّب النتائج الطبيعية على جريمته، وليس الله مسئولاً عن الإثم، بل الآثمُ نفسُه.

لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (14)

شرح الكلمات:

سنة: السنة: السيرةُ؛ الطريقةُ؛ الطبيعةُ (الأقرب).

التفسـير:

أي أن عادة الاستهزاء تؤدي إلى قسوة القلب، وبالتالي يُحرَم المستهزئ من الإيمان رغم رؤية الآيات الواضحة ومعرفة البراهين القطعية. هذا ما حدث بالأمم الغابرة، وهذا ما سيحدث مع هؤلاء أيضًا. تُرى من الذي نال الهدى بالاستهزاء حتى يهتدي هؤلاء المستهزئون؟

ليس استهزاؤكم بالأمر الغريب، إذ لم يزل معارضو جميع الرسل السابقين يستهزئون بهم، حتى صار الاستهزاء بمثابة غذاء لهم يتلذذون به وهم غافلون، حتى حُرموا من الإيمان. وهذا هو المصير الذي ينتظركم أيضًا.

وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15- 16)

شـرح الكلمات:

يعرجون: عرَج الرجلُ في الدرجة والسُّلّم يعرج عروجًا: ارتقى. وعُرج به: صُعِد به (الأقرب).

سُكِّرتْ: سكَر الإناءَ يسكُر سَكرًا: ملأَه. سكرت الريحُ: سكنت بعد الهبوب. سكرت عينه: تحيّرت وسكنت عن النظر. وسكَر البابَ: سده. وسكِّرت أبصارنا أي حُبست وحُيّرت (الأقرب).

أبصارنا: البصر: حاسّةُ الرؤية؛ العينُ؛ العلمُ (الأقرب)

مسحورون: سحَره يسحَر سِحرًا: عمِل له السحرَ وخدَعه. وسحر عنه: تَبَاعَدَ. وسحر فلانًا عن الأمر: صرفه. وسحره بكلامه وألحاظه: استماله وسلب لبَّه. وسحر المطرُ الطينَ والترابَ سحرًا: أفسده فلم يصلح للعمل. المسحور أيضًا المفسد من الطعـام والمكـان لكثرة المـطر أو من قلـة الكلأ (الأقـرب).

 التفسـير:

لقد طالب الكفار من قبل: لوما تأتينا بالملائكة إنْ كنتَ من الصادقين .. أي إذا لم يكن محمد مجنونًا وإذا لم يكن نزول الملائكة وهمًا منه.. فلنَرَها نازلةً عليه. فكان ردُّ الله عليهم: (أولاً) إن الملائكة إنما تنـزل على الإنسان بحسب ما يستحقه من رحمة أو عذاب، وما دمتم تستوجبون العذاب فلن تنـزل عليكم إلا ملائكة العذاب الذي يدمركم؛ فكيف تنتفعون إذًا من نزولها بعد الهلاك. و(ثانيًا): إذا كنتم تتعجبون من نزول الملائكة عليه، فاعلموا أننا سوف نأتي بأنفسنا لحماية الوحي النازل عليه، لأننا نحن الذين أنزلناه عليه، ونحن أول المسؤولين عن حفظه وحمايته. وما دمنا قد قمنا بهذه المسئولية في زمن الأنبياء السابقين فما الذي يمنعنا الآن من القيام بها. و(ثالثًا): ليس استهزاؤكم بالأمر الغريب، إذ لم يزل معارضو جميع الرسل السابقين يستهزئون بهم، حتى صار الاستهزاء بمثابة غذاء لهم يتلذذون به وهم غافلون، حتى حُرموا من الإيمان. وهذا هو المصير الذي ينتظركم أيضًا.

ويرد الله عز وجل هنا على هؤلاء المعترضين بأسلوب آخر فيقول: هل تعتقدون أن كل إنسان قادرٌ على فهم الأمور كلها؟ كلا، بل إنه ما لم يكن الشيء ملائمًا لمزاج الإنسان ولمستوى كفاءاته فلن يستطيع إدراكه. وهناك بون شاسع بينكم وبين العلوم الإلهية الروحانية بحيث لو أُريتم ما يراه محمد من تجليات ومشاهد، وحتى لو عُرج بكم إلى المدارج الروحانية العليا.. فلن تصدّقوها، بل ستقولون: إنما هو سحر قد سُحرتْ به عيوننا، ولذلك نرى هذه المشاهد العجيبة الغريبة. ونظرًا إلى هذا المعنى فإن فتح باب من السماء يعني هنا الكشوف الروحانية، بينما يعني العروج في السماء الاطلاع على بعض المدارج الروحانية.

ولو قيل: كيف يمكن أن يُحرَم من الإيمان مَن يُفتح عليه باب من السماء؟ فالجواب هو أن قوله تعالى بابًا من السماء ينطوي على إشارة إلى أن مثل هذا الشخص لا يُمنح العلوم السماوية بشكل كامل، ولا تنكشف عليه طرق المعرفة الكاملة، بل يُعرَض عليه – بسبب إنكاره – شيءٌ منها كنموذج وعينة فحسب؛ والبديهي أن الإنسان لا يستفيد من المثال والعينة فقط ما لم يكن في قلبه رغبة صادقة للانتفاع به. فما يراه هؤلاء المكابرون سيُقيم الحجة عليهم فحسب، ولن يؤدي إلى إيمانهم.

فإن فتح باب من السماء يعني هنا الكشوف الروحانية، بينما يعني العروج في السماء الاطلاع على بعض المدارج الروحانية.

إنه من الحقائق الثابتة أن العديد من منكري الرسل يشترطون لإيمانهم رؤية آية من الآيات كرؤيا أو إلهام وغيرهما، ولكن حين يرونها يتهربون بشتى الأعذار. فتارةً يؤوّلونها تأويلاً خاطئًا، وتارة أخرى يقولون: ما قيمة الرؤيا والإلهام، إنْ هي إلا أوهام! وهكذا فلا ينتفعون من الآيات. وليس ذلك إلا لأن قلوبهم خالية من خشية الله تعالى. وإلى هذه الحالة القلبية الفاسدة تشير الآية التي نحن بصدد تفسيرها محذرةً أنه لا بد للإيمان من إصلاح القلب وصدق النية، إذ لا يوفَّق للإيمان إلا من كان قلبه عامرا بخشية الله، أما بدون ذلك فيلوذ بشتى الأعذار الواهية خداعًا لنفـسه، ويبقى محرومًا من الإيـمان، ولو رأى آلافًا من الملائـكة.

وقد تعني الآية أنه عندما ينـزل عليهم العذاب تتولد فيهم الخشية، فيقولون: لو زال عنا العذاب لآمنّا، وعندما يزول عنهم يعودون لسيرتهم الأولى؛ وذلك كما فعل فرعون بحسب بيان القرآن الكريم. ونظرًا إلى هذا المعنى فالمراد من قوله تعالى: ولو فتَحنا عليهم بابًا من السماء هو فتح باب الرحمة ورفعُ العذاب وتأجيله، وسيعني قوله لَظلّوا فيه يعرُجون انهماكَهم مرة أخرى في جلب المتع المادية فقط. ومما يؤيد هذا المعنى هو الحديث عن العذاب فيما سبق في قوله تعالى وما كانوا إذًا منظَرين (الآية: 9). فالمراد من الآية التي نحن بصدد تفسيرها هو أن قلوبكم قد تحجرت لدرجة أنكم ستتندّمون عـند حلول العذاب، ولكن حين يزول عنـكم ستـعودون إلى الكفر والإنكار ثانية.

Share via
تابعونا على الفايس بوك