الحرية الحقة المطلقة

الحرية الحقة المطلقة

التحرير

__

غالبا ما يحصر عامة الناس مفهوم الحرية ويضعونه ضمن إطار ضيق حيث يصعب ملامسة أبعاده المختلفة الأطراف. ونكتفي من خلال هذه السطور بتحليل بعض الآراء.. يرى البعض أنها مقصورة على نوال شعبه حق السيادة، وهذه هي الحرية السياسية. ويرى الآخر أن الحرية هي تلبية جميع الشهوات والأهواء بدون أي نازع أو رادع، فتلك هي الفوضى والخوض في متاهات الهلاك. ذلك وأنه ليس في الدنيا حريَّةٌ مطلقة غير مقيدة بقانون. ولا شك أن حرية الفرد لا تُصان إلا حين تُقيَّد ببعض القيود لتسلمَ حرياتُ الآخرين. ومن هنا تولدت حكمة وضع الشرائع والقوانين.

إن كمال الحرية يكون بالمنع أحيانًا؛ فالمريض حين يُمنع من تناول الطعام الذي يضرُّه، يتم تحديد حريته في الطعام مؤقتًا أو لما تبقى من عمره حتى تسلم حياته. والمجرم حين يُسجن، إنما تحد حريته مؤقتًا؛ ليعرف كيف يستعملها بعد ذلك في إطار كريم، لا يؤذي نفسه، ولا يؤذي الآخرين.

فحين تستولي على الإنسان عادة الانطلاق وراء تلبية كلِّ لذة، يستعبده هذا الوازع لدرجة أنه يصبح أسيرَ لذّاته ورهن إشارتها. فأي حرية هذه؟! إنها العبودية بأتم معنى الكلمة. فإذا كانت قيمة الإنسان تساوي ما يناله من لذائذه، فإن الحيوان أكثرُ منه قيمة، وأعلى قدرًا؛ حيث إن الحيوان هو الذي يسعى وراء لذَّته بلا قيد ولا هدف. ومهما عمل الإنسانُ لينال من لذائذه ما يهوى، فإنه مُلاقٍ في سبيل ذلك عوائقَ تمنعه من بعض ما يُريد. فحين يتسيب الإنسان في تناول المسكرات، يستهلك منها ما تناله يدُه، تُتلف صحته، ويُسلب عقله وكرامته، فهل يزعُم بعد ذلك أنه حر؟! وهل هنالك عبودية أبشع من هذه؟!. شرابٍ قاتل وسموم فتاكة!!

وحدث ولا حرج في التهالك على المال والجاه، والتعصب للعشيرة أو الحزب. فحين تستولي نوازع الفهم الخاطئ للحرية بما فيها هذه فإن قلب الإنسان ونفسه، تنقلب بصاحبه إلى عبودية بشعة لا نهاية لقبحها حيث عبر عنها القرآن الكريم:

أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ (الجاثية: 24).

إن الهوى عند أمثال هؤلاء له خصائصُ الألوهية، أليس الإله هو الذي يُعبد ويطاع، ويُخشى ويرتجى؟!

العبودية الحقة عادةٌ تتحكم، ولذةٌ تُطاع. ولا شك أن الحرية الحقة ألاَّ تستعبدَك عادةٌ، ولا تستذلَّك شهوة. بهذا المعنى يكون المؤمنون أحرارًا. حيث يحررهم فهمهم الصحيح للدين من المطامع والأهواء والشهوات

أليس أصحاب الأهواء والشهوات قد خضعوا لأهوائهم وأطاعوها فيما تحب وتكره، فلا يستطيعون إغضابها، ولا معارضة اتجاهاتها؟!ليست العبودية قيدًا ولا سجنًا فحسب، فهذه أهون أنواع العبودية وأسرعها زوالاً، ولكن العبودية الحقة عادةٌ تتحكم، ولذةٌ تُطاع. ولا شك أن الحرية الحقة ألاَّ تستعبدَك عادةٌ، ولا تستذلَّك شهوة. بهذا المعنى يكون المؤمنون أحرارًا. حيث يحررهم فهمهم الصحيح للدين من المطامع والأهواء والشهوات، ويربط نفوسهم بالله خالق الكون، ويقيد إرادتهم بإرادته وحده عز وجل.

فالحرية ليست إسقاط النظام الحاكم بالاعتصام في هذا الميدان أو ذاك، وليست الحرية في تلبية جميع متطلبات النفس بدون أي وازع أو رادع. إنما الحرية الحقة المطلقة هي أن تهذب وتثقف نفسك وتتحكم فيها بناء على حدود الله. وهكذا تتحكم فيها بعد ترويضها وتضع عليها لجام حدود الله. فإن حققت شعوبنا هذا المرام فإن أبعاد الحرية الأخرى.. حرية الرأي والفكر والمعتقد الخ.. ستأتيهم راضخة رغم أنفها. ولقد منَّ الله علينا بشهر مبارك يطل علينا كل سنة كي نراجع ونطبق خلاله دروس الحرية الكاملة. فمن ينجح في الاختبار بعد الحملة التدريبية فهو من الفائزين يدخل في زمرة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.. وأما الذي خرج منها كما دخل فقد خسر خسرانا مبينا.

يارب.. بحق هذا الشهر الكريم شهر الصيام، الذي يأتينا عاما بعد عام، اهْـدِ بهـداك إخـوة الإسلام، وأَعِزَّ بعـزتك أمةَ الإسلام، وصـَلِّ على سيدنا محمد خير الأنام، رسول الهدى رسولِ السلام.

Share via
تابعونا على الفايس بوك