• أمر الله تعالى المسلمين أن يلتزموا الحكمة دومًا عند مناظرة أهل الكتاب.
  • ناقشوا غير المسلمين بما يليّن قلوبهم ويؤثر فيها ولا تدعوا الناس إلى الإسلام بكلام جاف.
  • نصح الله بنشر الدعوة بأقصى ما يمكن، ولكن لا تيئسوا إذا لم يقبلها أحد لأن الهدايةَ يمنحها الله تعالى فقط.
  • أمر الله تعالى أن لا نعاقب أحدًا إلا على جريمة ارتكبها.

ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (126)

شرح الكلمات:
الحِكمة: العدلُ؛ العلمُ؛ الحلمُ؛ النبوةُ؛ وقيل: ما يمنع من الجهل؛ وقيل: كلُّ كلامٍ موافق الحقَّ؛ وقيل: وضعُ الشيء في موضعه وصوابُ الأمر وسدادُه (الأقرب).

التفسير:
لما كان أوان انتشار الإسلام على نطاق واسع قد حان، وكان على المسلمين أن يصدعوا بالدعوة بين اليهود والنصارى الذين كانت لديهم أسفارهم.. لذا نبّه الله المسلمين إلى ضرورة اتخاذ موقف أقوى في مواجهة هؤلاء؛ لأنه لدى الحوار مع المشركين ما كان على المسلمين – لحسم الأمر نهائيًا – إلا أن يبطلوا عقيدة الشرك فقط، ولكن لدى مواجهة أهل الكتاب لم يكن للمسلمين بد من الخوض في نقاشات مستفيضة للمقارنة بين الإسلام وشرائع أهل الكتاب، فأمر الله المسلمين منذ البداية أن يلتزموا الحكمة دومًا عند مناظرة أهل الكتاب.
علمًا أن كل المعاني التي سجّلناها لكلمة «الحكمة» تنطبق هنا. خذوا منها مثلاً العلم، فتعني الآية على ضوء هذا المعنى: عليكم أن تدعوا أهل الكتاب إلى الإسلام بناء على ما ورد في صحف أنبيائهم من أدلة علمية.
ولكن المؤسف أن المفسرين لم يُولُوا هذا الأمر الرباني العناية الكافية، فنقلوا في تفاسيرهم كل ما سمعوه عن التوراة من رطب ويابس، مما جعل الإسلام عرضةً لمطاعن المسيحيين إلى اليوم.
ومن معاني الحكمة صوابُ الأمر وسداده.. فتعني الآية: عليكم أن تواجهوهم بدليل قوي ليس بهزل؛ ذلك لأن بعض الناس يخطئون أثناء النقاش حيث يقدمون الأدلة الثانوية مكان الأدلة الرئيسية الحيوية، مما يتيح للخصم أن يعترض أكثر فأكثر؛ لذلك أمر الله المسلمين أن يزِنوا الأدلة أولاً، ولا يتصدوا للخصم إلا بما هو أقوى وأفضل البراهين.

لأن سلاحنا إنما هو القرآن الكريم الذي أمرنا الله في شأنه جاهِدْهم به جهادًا كبيرًا (الفرقان: 53).. أي اخرُجْ لجهاد الدنيا متقلدًا سيف القرآن. ولكن مما يؤسف لـه أن المسلمين اليوم يحملون في أيديهم كل سلاح غير هذا السلاح الذي أمرهم الله بأخذه!

ومن معاني الحكمة العدلُ.. فتعني الآية: عليكم أن لا تخاصموهم بما يمكن أن يرتد عليكم، لأن هذا الأسلوب بعيد عن الإنصاف، كما يتيح للخصم فرصة الطعن، مما يعرّضكم للندم والفضيحة.
الحق أن ما يثيره الآريون الهندوس والمسيحيون اليوم من اعتراضات ضد الإسلام ليس عدلاً.. بمعنى أنهم يثيرون ضد الإسلام الاعتراضات التي تقع على دياناتهم بشكل أشد. فإذا كانت التعاليم الإسلامية التي يعتبرونها خاطئة فلماذا يدينون إذًا بأديانهم التي فيها تعليمات مماثلة؟!
وبالرغم من أن الإسلام ينهى عن إثارة مثل هذه المطاعن، إلا أن مسلمي اليوم غافلون، للأسف، عن هذا التعليم الرباني كليةً، حيث يثيرون ضد مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية من الاعتراضات ما يُعتبر قاسمًا مشتركًا بين الأنبياء والمرسلين جميعًا. فلو اعتُبرت هذه المطاعن صحيحة لكان معنى ذلك أن هؤلاء الطاعنين يكفرون في الواقع بالأنبياء كافة، لأن تلك الاعتراضات قد وُجّهت إلى الأنبياء الآخرين أيضًا!
ومن معاني الحكمة الحِلمُ.. فتعني الآية: عليكم أن تناقشوهم بالرفق والعقل، لأن الذي يحتد في النقاش حماسًا وغيظًا لا يستطيع أن يُقنع خصمه.
ومن معاني الحكمة النبوةُ.. فتعني الآية: عليكم أن تَدْعوهم بناء على ما عندكم من الوحي.. أي ناقِشوهم بناء على ما ذكره القرآن الكريم من الأدلة والبراهين، لا بالتُّرّهات من عند أنفسكم.
آه! لو أن المسلمين استوعبوا هذا الدرس لانقضوا على اليهودية والنصرانية، لأن سلاحنا إنما هو القرآن الكريم الذي أمرنا الله في شأنه
جاهِدْهم به جهادًا كبيرًا (الفرقان: 53).. أي اخرُجْ لجهاد الدنيا متقلدًا سيف القرآن. ولكن مما يؤسف لـه أن المسلمين اليوم يحملون في أيديهم كل سلاح غير هذا السلاح الذي أمرهم الله بأخذه!
ومن معاني الحكمة «ما يمنع من الجهل».. فتعني الآية: عليكم أن تكلّموا الناس بكلام مفهوم لا يسبب عندهم سوء الفهم، بل يزيل جهلهم. ورد في الحديث الشريف: «أمرَنا (رسولُ الله ) أن نكلّم الناسَ على قدر عقولهم» (فردوس الأخبار للديلمي، فصل: أُمرتُ، أُمرنا). إن بعض الناس يستعمل في حديثه كلمات فخمة ومصطلحات صعبة، ومما لا شك فيه أن مثل هذا الكلام الفخم يمكن أن يرعب الجاهلين، ولكنه لن ينفعهم شيئًا، ولن يزيل جهلهم أبدًا.
ومن معاني الحكمة «كل كلام موافق الحقَّ».. فتعني الآية: عليكم أن تقولوا ما هو مطابق للحق والواقع؛ ذلك لأن بعض الناس يذكرون أثناء الحوار أمورًا زائفة تخالف الواقع زاعمين أنهم ما داموا يؤيدون الدين الحق فلا بأس من الكذب! ولكن الله تعالى يحذرنا أن هذا الطريق ليس بسليم. فكل ما تقولون ضد أعداء الحق يجب أن يكون حقًّا وصدقًا. لا تنحرفوا أنتم عن الصراط المستقيم محاولين هداية الآخرين. وقد أكد الله على هذا المعنى في موضع آخر حيث قال
لا يَضُرّكم من ضلَّ إذا اهتديتم (المائدة: 106).. أي لا تقولوا ما هو باطل وإثم ولو بقصد هداية الآخرين. عندما لا يهتدي الغير إلا على حساب هدايتكم فاهتموا أولاً بهدايتكم، مفوِّضين أمرَ هداية الآخرين إلى الله تعالى، لأنه تعالى يريد أن يهدي من ليس على الهدى، وليس أن يصير المؤمن كافرًا من أجل هداية الكافر.

فكل ما تقولون ضد أعداء الحق يجب أن يكون حقًّا وصدقًا. لا تنحرفوا أنتم عن الصراط المستقيم محاولين هداية الآخرين. وقد أكد الله على هذا المعنى في موضع آخر حيث قال لا يَضُرُّكم من ضلَّ إذا اهتديتم (المائدة: 106).. أي لا تقولوا ما هو باطل وإثم ولو بقصد هداية الآخرين.

ومن معاني الحكمة «وضعُ الشيء في موضعه».. فتعني الآية: عليكم أن يكون كلامكم أثناء التبليغ متلائمًا مع مقتضى الحال والظرف. فمثلاً إذا كان هناك خطر أن الخصم سيثور بسماع أدلة معينة ولن يستمع لكم فلا حاجة لإثارته بذكر تلك الأدلة، بل عليكم أن تَعرِضوا عليه أدلة أخرى يستمع لها في هدوء. وكأنه تعالى يأمرنا أن نجسّ نبض الخصم قبل إجراء الحوار، لأن إثارة حفيظته بدون داع لن تجدي نفعًا.
يا لها من فصاحة وبلاغة! فبكلمات موجزة جدًّا بيّن الله هنا أساليب الدعوة كلَّها، بحيث إذا عمل بها أحد فمن المستحيل أن يفشل في مقصده.
ثم قال الله تعالى والموعظةِ الحسنة ..أي ناقشوهم بما يليّن قلوبهم ويؤثر فيها. وقد نبّه الله بذلك المسلمين أن لا يَدْعوا الناس إلى الإسلام بكلام جافّ، بل بما يثير العواطف ويأخذ بمجامع القلوب، إلى جانب الالتزام بالحكمة.
وقد وصف الله الموعظة بالحُسن لينهاهم عن استثارة العواطف بقول باطل. ومثاله ما يفعل بعض المشايخ الجاهلين في هذه الأيام حيث يؤججون عواطف الناس ضد الصلحاء دونما ذنب.
ثم قال تعالى وجادِلْهم بالتي هي أحسنُ .. أي عند نقاشهم يجب أن تؤسسوا حواركم على أقوى البراهين وأفضلها، أما ما سواها من الأدلة الهامشية فاجعلوه تابعًا لها، لأن سقوط الدليل الهامشي لا يضر بالدليل الجوهري المحوري، ولكن لو كان الدليل الحيوي الجوهري ضعيفًا فلا تنفع عندئذ حتى الأدلة الجانبية وإن كانت في حد ذاتها قوية دامغة.
وأما قوله تعالى إن ربك هو أعلم بمَن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين فنصح به أن واجبكم نشر الدعوة بأقصى ما يمكن، ولكن إذا لم يقبلها القوم فلا تيئسوا ظانين أنكم لا تعرفون أسلوب الدعوة الناجحة، إذ من الممكن أن يكون أسلوبكم سليمًا من أي عيب، ويكون العيب بقلوب القوم التي قد أصابها صدأ الذنوب لدرجة لا يريد الله أن تنفذ إليها الهداية. فلا تملّوا من التبليغ، وفوِّضوا أمر التأثير والنتائج إلى الله تعالى، فهو وحده القادر على ذلك.

وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (127)

شرح الكلمات:
عاقَبتم: عاقَبَ فلانًا بذنبه وعلى ذنبه معاقبةً وعِقابًا: أخَذه به (الأقرب).

التفسير:
قال بعض المفسرين أن هذه الآية ناسخة لما قبلها، ولكني لا أفهم ما الذي حملهم على هذا القول؟ هل إدارةُ الحوار بطريقة علمية، أو الالتزامُ بالحكمة والسداد والصدق والحلم خلال الحديث، هو من الأمور التي يمكن نسخها؟
كل ما تعنيه هذه الآية هو أن الأعداء لن يرضَوا بدعوتكم المليئة بالحكمة والموعظة الحسنة، بل سوف يشهرون السيوف لقتلكم، وعندها يحق لكم رفع السيف ضدهم دفاعًا عن النفس.
ما أشدَّ هذا الكلامَ إعجازًا! ففي الوقت الذي كان النبي بمكة، حيث لم يكن قد خاض بعد في أي نقاش وخصام مع اليهود والنصارى.. أخبره الله تعالى أن هؤلاء القوم هم الآخرون سيعتدون عليكم ويضطهدونكم، ونحن نسمح لكم بالتصدي لهم عندئذ دفاعًا. ولكن نوصيكم ألا تتسرعوا، بل يجب أن تصبروا ما استطعتم إلى ذلك سبيلاً، أما إذا لم يبق أمامكم مناص ولا مهرب فقاتِلوهم ردًّا لعدوانهم.
ولقد عمل النبي بهذا الحكم الرباني تمامًا، فتحمَّلَ الأذى من قِبل أهل الكتاب فترة طويلة، ولما لم يبق أمامه خيار آخر خرج مضطرًّا لقتالهم.
ما أسمى ما يعلّمنا القرآن الكريم من أخلاق! فإنه قبل السماح بالقتال يبيّن حدود القتال وقيوده وشروطه حتى لا يبقى هناك احتمال للظلم والعدوان.
أما قوله تعالى وإنْ عاقَبتم فعاقِبوا بمثل ما عوقبتم به فقد بيّن به أن الجهاد إنما هو ذلك الذي يكون ردًّا لعدوان الظالم، وأما الاعتداء على قوم بظلم فلا يمكن أن يسمّى جهادًا؛ ذلك لأن كلمة عاقبتم مشتقة من العقاب الذي يطلَق على ما يكون جوابًا على فعل ارتكبه شخص آخر. فقد أوصانا الله تعالى بذلك أن لا نعاقب أحدًا إلا على جريمة ارتكبها.
كما نبّه بقوله تعالى فعاقِبوا بمثل ما عوقبتم به إلى أنكم لو اضطررتم لمعاقبة أحد فيجب أن لا تعاقبوه بأكثر مما آذاكم به.
وبقوله تعالى ولئن صبرتم لهو خير للصابرين رغّب في الصبر على عدوان العدو، لأن الصبر خيرٌ بكثير من حيث النتائج والعواقب. ففي معركة أُحُد مثّل الكفار بجثث شهداء المسلمين كحمزة عمِّ النبي وغيره، حيث جدعوا آذانهم وأنوفهم، ولكنه بالرغم من تمكُّنه من الكفار صبر ولم يسمح لأتباعه بهذه الفعلة القبيحة المسيئة إلى الإنسانية. كما أنه ظل صابرًا على مخالفة الكفار للمعاهدات أحيانًا (الدر المنثور، والسيرة النبوية لابن هشام: غزوة أحد)؛ ذلك لأن عاقبة الصبر جميل. لا شك أن الانتقام يُخمد ثورة الغضب لدى المنتقم، ولكن الصبر يزيد الإنسان روحانيةً.

وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (128)

شرح الكلمات:
ضَيْق: ضاق الشيءُ يضيق ضِيقًا وضَيقًا: ضدُّ اتسعَ. ضاق الرجلُ: بخِل. الضَيق: الشكُّ في القلب؛ ما ضاقَ عنه صدرُك (الأقرب).

التفسير:
لم يرد الصبر هنا تكرارًا وبالمعنى السابق، بل ورد لسبب آخر. ذلك لأنه لما نزل الإذن بقتال الكفار أدرك النبي أن العذاب موشك عليهم، فشقّ عليه هذا الخبر، وامتلأ قلبه حزنًا عليهم، فخفف الله على رسوله وقال: عليك بالصبر الآن، لأن هذا هو قرارنا. وكأنه يواسي الرسول على صدمته بسماع مصير الكفار.
هذه الآية تكشف لنا مكارم الأخلاق النبوية. كانوا يؤذونه ليل نهار، محاولين قتله بكل وسيلة، ولكنه حين يتلقى خبر هلاكهم يأخذ القلق والحزن منه كل مأخذ حتى يقول الله تعالى له مواسيًا:
وما صبرك إلا بالله .. إن هذه الصدمة تفوق احتمالك، ولن تصبر حتى نصبّرك نحن بتوفيق منا.
وقد تعني هذه الجملة: عليك بالصبر، لأن هذا الصبر ليس وراءه إلا طاعةُ أمر الله تعالى. وأي شك أن صبر المرء لدى قدرته على ضرب العدو هو الصبر الوحيد الذي يُعَدُّ من الأخلاق الفاضلة، وليس ذلك الذي يبديه الإنسان وهو لا يملك حيلةً ولا سبيلاً.
وقوله تعالى ولا تحزَنْ عليهم يؤيد ما ذهبتُ إليه من أن الصبر هنا لا يعني الصبر على أذى الكفار، وإنما على الألم والحزن الذي أصابه بتلقي خبر هلاكهم.
أما قوله تعالى ولا تَكُ في ضَيقٍ مما يمكرون ، فأيضًا لا يعني أن لا تتضايق من مكر الكفار وشرورهم، وإنما هو تعبير عن الآلام التي قاساها النبي بسماع خبر هلاك الكفار، حيث كانت حالته عندها كحالة الأم التي ترى أولادها معرَّضين للعقاب بسبب جرائمهم، ولا تستطيع إنقاذهم منه، فتأخذ في لومهم غاية اللوم؛ ولكن لومها هذا لا ينبع عن غضب منها، وإنما هو تعبير عن أحزانها وآلامها التي تعتريها بسببهم.. وكأنها تقول: لو لم ترتكبوا هذه الجرائم ما تعذبتم بأنفسكم كما لم تعذّبوني أنا المسكينة.