الأطفال واضطراب ما بعد الصدمة

الأطفال واضطراب ما بعد الصدمة

ثمر حفيظ

دكتوراه في علم النفس
  • ما هو اضطراب ما بعد الصدمة؟
  • ما سبب كون الأطفال هم الأكثر عرضة لهذا النوع من الاضطراب؟
  • كيف ندرك أن طفلا ما مصاب باضطراب ما بعد الصدمة؟!
  • ما هو السبيل إلى العلاج الفعال من تداعيات هذا الاضطراب؟

___

كيف تتأثر الأجيال الناشئة في أجواء النزاعات المسلحة؟

تثير كلمة الحرب لدى السامع القلق والخوف والحزن والارتياب. ووقائع الحروب تُعدُّ مثار ألم وحزن لدى الناس من كافة الأعمار، لكن الأطفال هم أكثر الفئات حظا من تجرع مرارتها وتحمُّل آثارها على المدى البعيد، فهم الأقل تحصناً والأضعف بنية وعزيمة. وإذا كانت وقائع الحروب والمواجهات المسلحة تشكل عبئا نفسيا على الكبار، فما بالنا بالصغار الذين لم يشتد عودهم بعد؟! إن تلك الوقائع تترك أثراً عميقاً في أحوالهم العقلية والعاطفية والبدنية، مما يؤخر قدرتهم على النمو نفسياً وعاطفياً، وحتى لا ذلك النمو المأمول لا يسلم من عُقد نفسية في أغلب الأحوال لدى طفل اليوم الذي عايش تلك الحروب، بما يُفسر سلوكيات خاطئة وأمزجة فاسدة قد يتصف بها شباب الغد ورجاله.

وخطورة الأثر النفسي الذي تتركه المشاهد الحية للمواجهات المسلحة في نفس الطفل لا تتمثل في مجرد هول منظرها في حينها، وإنما تكمن الخطورة فيما بعد أن تتماثل الأوضاع للهدوء، لنتفاجأ بأن أطفالا مصابون بما بات يُعرف بـ «اضطراب ما بعد الصدمة».

ما هو اضطراب ما بعد الصدمة؟!

عبرت المعاجم الطبية عن هذا الاضطراب بمصطلحات نفسية عديدة، منها على سبيل المثال: اضطراب الكرب بعد الصدمة، واضطراب الكرب التالي للرضح، والإجهاد النفسي بعد الصدمة، وغير ذلك من المصطلحات التي تشير إلى نوعية الاضطراب النفسي ذاتها، في صورة قلق مفرط يعقب معايشة المصاب به لحدث مأساوي أو ظرف مهدد لحياته مثل مواجهة العنف الجنسي الحقيقي أو التعرض لتهديده. وهذا الاضطرابُ هو ما يحدث عندما تستمر ذكريات حدث مزعج للغاية في العودة مرارًا وتكرارًا لغزو الأفكار. ويستمر هذا أكثر من شهر، ويمكن أن يستمر فترة أطول بكثير. يمكن لهذه الذكريات أن تكونَ مخيفة جدًّا وواقعية ومزعجة.

لماذا يكون الطفل أكثر معاناة؟!

إن تعرض الأطفال للمواقف المؤلمة قد يسبب العديد من المشاعر المختلفة مثل الخوف والقلق، ولكن قد تسوء هذه المشاعر وتتطور إلى اضطراب ما بعد الصدمة، وهو اضطراب أكثر خطورة من نظيره لدى الكبار، قد ينتج اضطراب ما بعد الصدمة عند الأطفال بسبب وجود تاريخ عائلي لأحد الأمراض النفسية مثل القلق أو الاكتئاب، كما قد ينتج الاضطراب بشكل مباشر أو بعد مرور فترة قد تتراوح بين أسابيع وسنوات منذ وقوع أحد المواقف المؤلمة، كأن يتعرض الطفل لعنف شخصي، مثل التحرش الجنسي أو السرقة، أو أن يتعرض لإحدى الكوارث الطبيعية كالزلازل أو موجات تسونامي، أو أن يفقد شخصا عزيزا، أو أن تُمارَس على ذويه ضغوط التهجير القسري.. ويبدو أن مشاهد الحروب العسكرية طويلة الأجل تُعد من أخطر مسببات اضطراب ما بعد الصدمة لدى الأطفال، بما تفرضه من أجواء خوف عام يسيطر حتى على الكبار، بحيث يشعر الطفل ساعتها شعوره بالأمان بشكل تام، وهنا مكمن الخطر. علما أن اضطراب ما بعد الصدمة يتطور عند الأطفال عندما تتجاوز الصدمة قدرة تكيُّف الطفل.

كيف ندرك أن طفلا ما مصاب باضطراب ما بعد الصدمة؟!

من رحمة الله تعالى بالخلق أن جعل لكل مرض عرضا يُعرف به ويدل عليه، فالأعراض إشارات يلاحظها اللبيب فيفهم ما وراءها الطبيب، ليكون رصد الأعراض أول الطريق إلى تشخيص الأمراض، ومن ثم علاجها.

ولاضطراب ما بعد الصدمة عند الأطفال علامات وأعراض هي: مراودة أفكار مقلقة تتعلق بالأحداث الصادمة، استرجاع للذكريات السيئة يجعل الطفل والبالغ يشعران كما لو أن الصدمة لا تزال تحدث، بما يجعل المصاب يشعر بمعاودة التجربة المريرة، الشعور بالذهول أو الخوف أو القلق بسهولة أكبر، الكوابيس، اضطرابات النوم، الشعور بالحزن، انخفاض مستويات الطاقة،  الغضب، تقلب المزاج، الانسحاب اجتماعيّاً أو الانغلاق وعدم القدرة على الاستمتاع بالأشياء التي كان يستمتع بها في السابق، وعدم القدرة على تذكر جزئيات أحداث التجربة الأليمة.

الأطفال الذين يعانون من مشاكل عقلية مثل الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة هم أكثر عرضة لتعاطي المخدرات وللانتحار. قد يكون التدخل السريع والمبكر هو السبيل إلى الوقاية وإلى عيش حياة صحية. يمكن للحرب أن تؤدي إلى تفاقم مشاكل عقلية موجودة من قبل عند الطفل، مما يضعف

تشخيص المرض

عندما تحدث تلك الأعراض خلال الأيام أو الأسابيع الأولى بعد التعرض لحدث صادم، تشخص الحالة على أنها اضطراب الإجهاد الحاد، أما عندما تستمر الأعراض لفترة أطول من شهر فتشخيص المختصين في علم النفس أو الأطباء النفسيون يكون اضطراب ما بعد الصدمة.

ويساعد التدخل المبكر على التعافي بشكل أسرع، كما أنه يقي الأطفال من الإصابة بما يسمى بـ C-PTSD، وهو شكل معقد من اضطراب ما بعد الصدمة يحدث عادة في سياق الصدمــــــــات المستمرة حيث يكون لدى الطفل فرصة ضئيلة أو معدومة للتخلص منه.

علاجان، دوائي وسلوكي

يمكن أن يتكون علاج الأطفال المصابين باضطراب ما بعد الصدمة من معالجة طبية ودوائية تعالج الأعراض.

يسمى العلاج الطبي للأطفال الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة بالعلاج السلوكي المعرفي الذي يركز على الصدمات (TF-CBT) ويشمل هذا العلاج أنشطة التحدث والتعلم مثل اللعب والرسم ورواية القصص. ويقود الجلسات معالج في الصحة العقلية لدى الأطفال جنباً إلى جنب مع أحد الوالدين أو القائم على العناية. إن وجود القائمين على العناية مهم وحيوي لأن دعمهم ورعايتهم يسرعان نمو الطفل وتحسنه.

ليس مجرد اضطراب، فما خفي كان أخطر!

الأطفال الذين يعانون من مشاكل عقلية مثل الاكتئاب والقلق واضطراب ما بعد الصدمة هم أكثر عرضة لتعاطي المخدرات وللانتحار. قد يكون التدخل السريع والمبكر هو السبيل إلى الوقاية وإلى عيش حياة صحية. يمكن للحرب أن تؤدي إلى تفاقم مشاكل عقلية موجودة من قبل عند الطفل، مما يضعف أو حتى يُحبط أي فرصة لديه أو أمل في الشفاء.

كيف تساعد طفلك على تجاوز اضطراب ما بعد الصدمة؟!

إن خير ما يمكن للآباء تقديمه لأطفالهم المصابين باضطراب ما بعد الصدمة هو تقبل الاضطراب الذى يحصل للطفل لأنه أمر طبيعي متوقع أولا، ولا يد للطفل في حدوثه ثانيا، وفي هذه المرحلة يستطيع الآباء تقديم المساعدة لأطفالهم من خلال السماح لهم  بالتحدث عما حدث وحتى لتمثيل ذلك بالرسوم والصور إن أرادوا، أما ترك الطفل وحده بدون مساعدة ظنا أن هذا كفيل بأن ينسيه فظاعة ما تعرض له، فهذا غير صحيح، فالتحدث مع الأطفال يساعدهم  على التعايش مع الخبرة المؤلمة، وبهذا يتحقق نوع من التكيف الإيجابي لدى الطفل المصاب، وهذا بحد ذاته أولى بشارات التعافي. ولسنا نعني من التحدث مع الطفل أن نجبره على الحديث، فهذا أمر ليس بصائب، وقد يأتي بنتيجة عكسية. وفيما يلي بعض ما يمكن للآباء المعنيين تقديمه لأطفالهم المصابين باضطراب ما بعد الصدمة.

إذا كان الأطفال أكثر ضحايا اضطراب ما بعد الصدمة، فإن الآباء هم من يتحملون عبء تقديم المساعدة والرعاية، وإن كانوا لا يرونه عبئا بالمعنى المفهوم، فكل شيء يهون في سبيل سعادة وراحة فلذات الأكباد! لذا فيمكن للآباء اتخاذ تدابير وخطوات فعالة يمكن من خلالها تقديم أكبر قدر من الرعاية الصحية النفسية للطفل المصاب باضطراب ما بعد الصدمة، فعلى الآباء مثلا بادئ ذي بدء أن يثقفوا أنفسهم حول مشكلات الصحة العقلية الشائعة لدى الأطفال. فيقوموا ببناء بيئة داعمة ومتفهمة ومشجعة للأطفال حتى يتمكنوا من البوح بمشاعرهم بحرية وثقة.

كذلك على الآباء أن يعززوا مهارات الاستماع لدى أنفسهم أولا من خلال ممارسة الاستماع النشط. وليكونا لطفاء وصبورين مع أطفالهم ويتجنبوا الحكم عليهم. كل هذا من شأنه أن يُطمئنهم، ويغرس فيهم الثقة.

ويُحظَر لوم أطفال اضطراب ما بعد الصدمة بأي شكل من الأشكال، وعوضا عن اللوم ينبغي بذل جهد أكبر في سبيل فهم رؤيتهم وتفهم وجهة نظرهم.

ويُنصح الآباء بتقديم الزاد المادي والمعرفي لأطفالهم في كل الأحوال، وفي حال الإصابة باضطراب ما بعد الصدمة بوجه خاص، فيقرأوا لهم القصص المعبرة الملهمة والتي تتضمن قدرا من العظة والعبرة لأطفالهم.  كما يتأكدوا من حصولهم على قسط وافر من النوم ووجبات متوازنة.

على الآباء أيضا أن يحرصوا على الزيارات المنتظمة برفقة أطفالهم إلى الطبيب ومعالج الأطفال أو المختص في علم النفس. سيقوم معالج الأطفال بإجراء فحص معمق وإجراء مقابلات والاستماع لهم، ويمكن أن يساعد هذا الآباء أيضاً على فهم فوائد جلسات العلاج.

ومن المفيد العمل على إلهائهم أيضاً، فهذا يمكن أن يساعد على تشتيت انتباههم وإبعاد أذهانهم عن التغيرات التي تطرأ على حياتهم.

ومن الحكمة ألا يسأل الآباء أطفالهم مباشرة عن الحدث الصادم، فقد يؤدي ذلك إلى نوبات غضب أو مشاعر سلبية عندهم. من الأفضل أن يتحدثوا عندما يكونون مستعدين.

أخيرا، من المفيد ممارسة تقنيات الاسترخاء الواعية البسيطة مثل التنفس من البطن. فهي الأفضل لكل من الآباء وأطفالهم.

Share via
تابعونا على الفايس بوك