إلامَ أهتدي

__

يُبيّن فكر المعترضين على الفكر الأحمدي خللاً كبيرًا في إدراكهم لماهية الإيمان، فهم لا يرون الكارثة في الإيمان بعقائد تطعن في الدين، إذ لا يمكن أن يؤمن بها صاحب الفطرة السليمة والعقل الذي كرّم الله به الإنسان. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يرون العيب فيمن لا يقبل على الدين النقائص، ويتهمونه بالطعن في الثوابت! فمن منّا لم يسمع عن هذه التهمة التي يرمي بها كثير من المشايخ كل من يخالفهم الرأي! فعن أي ثوابت يتحدثون؟!
لعل ما يوضح ذلك، ما أتناوله هنا من اقتباسات من رسالة وصلتني من أحدهم، وذلك تعليقا على مقال لي أشرت فيه إلى جهاد المسلمين الأحمديين بالقرآن جهادا كبيرا، إذ يقول صاحبها الذي دعا لي بالهداية: “أين جهادكم جهادا كبيرا أو حتى جهادا صغيرا؟ هل نسيتي أن متنبئكم قد حرم الجهاد على المسلمين؟؟”
ورغم أن الرد على ما افتراه الخصوم على الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام بقولهم أنه قد حرّم الجهاد قد قُتل بحثًا وردًّا في أدبيات الجماعة المقروءة والمرئية عـبر مـواقعها وفضائيتها، إلا أنني أقول إن من لا يؤمن بنسخ حرف واحد من القرآن الكريم كيف يؤمن بنسخ حكم من أحكامه؟!
بالطبع لم يحرّم الإمام المهدي الجهاد، وإنما وضح أن الجهاد المشروع هو جهاد الدفع، إذ يقول: “كانت حروب نبينا وأصحابه إما لحماية أنفسهم من هجمات الكفار، أو لإرساء السلام، أو لدفع عدوان الذين يريدون القضاء على الدين بالسيف؛ (ترياق القلوب، الخزائن الروحانية مجلد 15 ص 158-159)
أما الجهاد الممنوع الذي لم يُشرّعه الله قط فهو الجهاد العدواني لنشر الدين، هذا الجهاد الذي يتنصل منه الآن السواد الأعظم من المسلمين، حتى أن من الوهابيين أتباع محمد بن عبد الوهاب من لا يقول به الآن، ولكن إن كنا نقول بجهاد الدفع عن عقيدة وإيمان، فإن منهم من يقول به نفاقا، أو حسب الموقف أو ظروف الدولة التى يعيش فيها، أما من يقول منهم بالجهاد العداوني في العلن فلا يكون إلا من المحرّضين الجبناء. وعلى من يريد التأكد من ذلك فليبحث بنفسه عن فتاوى المشايخ في الجهاد وعندها سيعرف مدى الارتباك الذي أصاب العامة من جراء هذه الفتاوى من مشايخ يقولون ما لا يفعلون، وقد فرّقوا الدين شِيَعًا وتحسبهم جميعا وقلوبهم شتى!
ولا يجوز الخلط كما هو شائع بين جهاد الدفع من أجل الحفاظ على الدين، وبين حرب المحتل من أجل الحفاظ على الوطن، فالأول لم يعد له وجود على أرض الواقع حيث لا توجد أي جهة تشن حربا دينية بالأسلحة القصد منها تحديدا القضاء على الإسلام، أما الثاني فيجب أن يكون بقرار مدروس من الحاكم ولي الأمر.

فكيف حين نفسر الآيات بما متعنا الله به من عقل لا يناقض النقل ولا يتعارض معه، وإنما يبين ما في النص من إعجاز على مر الزمن لم يدركه المفسرون الأوائل، نُتهم حينها بما يقوم به غير الأحمديين فى حق القرآن الكريم من تحويله إلى كتاب أشبه بكتب ألف ليلة وليلة!

هذا، وفضلا عن العديد من الآيات التي تفرض حالة السلام مع غير المحاربين والبر بهم والقسط إليهم، ومنع البدء بالعدوان عليهم- يقول :

“أيُّما رجلٍ أمِنَ رجلاً على دمه ثم قتله، فأنا من القاتل بريء، وإن كان المقتولُ كافراً” .

ومن المناسب هنا المرور سريعا على حديث “من بدل دينه فاقتلوه” للتوضيح بأنه لا يعنى ما ذهب إليه المنظرون لقتل المرتد من إنهاء حياته في كل حال. فالحديث يتعلّق بالمرتد المحارب، ففي حالة الحرب بالسلاح على المسلمين من أجل دينهم، وجب قتل المرتد كمن كان كفره كفرا أصليّا، أما إن لم يكن محاربا فلا يجوز قتله، اللهم إلا قتله معنويا كمعنى القتل في حديث عمر ابن الخطاب رضي الله عنه حين قال: “من دعا إلى إمارة نفسه أو غيره من المسلمين فاقتلوه”، أي كما ورد في لسان العرب اجعلوه كمن قُتل ومات بأن لا تقبلوا له قولا ولا تقيموا له دعوة.
ولا شك أن الجهاد بالقرآن الكريم، هو نوع من الجهاد الكبير وفقا لقول الله تعالى:

وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ،

أي الاستعانة بالحجة والدليل من القرآن الكريم في مواجهة شبهاتهم، فإذا كان من غير الأحمديين من لا يرون حرجا في إيمانهم بحياة المسيح في السماء رغم ورود العديد من الآيات التي تدل على وفاته، ولا يرون ظلما في سحر الرسول الذي قال له عز وجل:

وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ،

ولا يجدون باطلا في وجود المنسوخ في القرآن الذي قال عنه الله تعالى:

لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ،

ولا يجدون جرما في قتل المرتد رغم قوله تعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ… .إلى غير ذلك من الاعتقادات الكارثية التى يعتبرونها من الثوابت ومن أصول الدين والتي يستخدمها أعداء الإسلام الآن أسلحة لمحاربته- فكيف يجاهدونهم بالقرآن وهم يصوّبون إليه نفس الأسلحة باتفاقهم معهم فيما يطرحونه من شبهات، بل ويقدمون لهم لتعمير هذه الأسلحة ذخيرة معتبرة لديهم من روايات في كتب التراث؟!
أما إن لم يروا في تلك الاعتقادات عيبا فذلك خلل كبير في إيمانهم، فعند أصحاب الفطنة والفطرة السليمة هى آفات عقائدية يجب عليهم أن يجاهدوا للقضاء عليها بالحجة والدليل، وهذا من جهادنا الكبير الذي لا يريد أن يفهمه من لا يتقي الله في إيمانه ولا يجد عيبا في الإيمان بهذه الكوارث.
ويتابع صاحب التعليق تساؤلاته ويقول:
“وأين إيمانكم بالقرآن وقد حولتموه إلى كتب كألف ليلة وليلة أو كليلة ودمنة يحكى عن إنشاء حدائق الحيوان وظهور الصحف والمجلات ويذكر النملة وهو يقصد إمرأة والهدهد وهو يقصد رجلا والجن وهو يقصد علية القوم”
ولا يسعني إلا أن أقول ردا على ذلك: رمتني بدائها وانسلت! فما أعجب قوله وإسقاطه علينا! ألم يقرأ كتب التفاسير لديه؟!
فكتب التفاسير  ممتلئة بحكايات الأشباح التي غيّبت العقول، وبحكايات الحيوانات والحشرات التي تدعو إلى أخذ الحكمة من أفواهها، وإليكم ملخص لبعضها:
يُحكى أن هدهد، طائر ذو ريش، غاب يوما عن مظلة من الطيور كانت تظلل الملك سليمان من حر الشمس الحارقة، فأحدث غياب الهدهد ثغرة في المظلّة، فتوعده الملك بالذبح!
هذا وكانت هناك نملة، حشرة عاقلة، تعرف الملك شخصيا، فأمرت النمل أن يدخلوا بيوتهم خوفا عليهم لأن البلد في حالة حرب! وتلك نملة أخرى تقية، رآها يوما ترفع قوائمها الأربعة إلى السماء وسمعها تبتهل بالدعاء!
هذا فضلا عن قردة يُقيم عليها القرود حد الرجم، وفئران لا تشرب لبن الإبل لأنها مسخ لفئة من اليهود المحرّم عليهم في شريعتهم لبن الإبل! وإنّا لنتساءل عجبا، لماذا مسخت هذه الفئة من اليهود إلى فئران رغم التزامها بالشريعة إلى حد إصرارها على عدم شرب لبن الإبل حتى بعد أن أصبحت مسخا!
هذا، وهناك الكثير من أمثال تلك الحكايات والتفاسير التي تسيء إلى القرآن وإلى العقل الذي ميّز الله به الإنسان!
فكيف حين نفسر الآيات بما متعنا الله به من عقل لا يناقض النقل ولا يتعارض معه، وإنما يبين ما في النص من إعجاز على مر الزمن لم يدركه المفسرون الأوائل، نُتهم حينها بما يقوم به غير الأحمديين فى حق القرآن الكريم من تحويله إلى كتاب أشبه بكتب ألف ليلة وليلة!
الحق إني لأتساءل عجباً:
إلى ماذا يدعوني هذا المعترض لأهتدي؟!

Share via
تابعونا على الفايس بوك