الحج و تمكين كرامة الإنسان

الحج و تمكيم كرامة الإنسان

التحرير

  • الإسلام والكرامة الإنسانية
  • حقيقة الكرامة تقوى وتوحيد
  • علاقة بيت الله الحرام بالتحضّ
  • حِكَم الحج

__

لا شك أن كرامة الإنسان هي من أهم المبادئ السامية التي حث الدين الحنيف على رعايتها، وذلك لأنها لبُّ بشرية الإنسان وعماد ذاته. قال تعالى:

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا. (1)

ولم يتوقف تكريم البارئ للإنسان إلى هذا الحد بل شرفه بأعلى مراتب التكريم وقلده وسام تمثيل سلطته الروحية على الأرض:

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (2).

فحمَّله الأمانة العظمى، واستخلفه في الأرض ليقيم الموازين بالقسط وليقرب أخاه الإنسان من خالقه. وهكذا فإن الإسلام هو غارس الكرامة الإنسانية، بما جاء به من مبادئ سامية ترعى كرامته، وتنزله المنزلة التي أنزله الله إياها مكرماً مكفول الحقوق المدنية والشرعية.
وفي كنف عبودية الإنسان لخالقه جعلته المبادئ الإسلامية سيد نفسه، فهو مخلوق مكرم، استخلفه الله في الأرض ليعبده بأنواع الطاعات والعبادات في كل الأحوال، بجوارحه وقلبه وضميره. وهكذا يستمد إحساسه العميق بالكرامة، وشعوره بالاعتزاز والطمأنينة.
ولم يتوقف تكريم الله للإنسان على من اختارهم الله لتمثيل سلطته بل امتد لبني آدم كافة حيث جعل شرف الإنسانية في صلتها بالله، وتقيدها بشرائعه ووصاياه. ومن هذا المنطلق انبعث المفهوم الحقيقي للحرية التي هي جوهر الكرامة الإنسانية وذلك من خلال خضوع الإنسان لقيود كمال الله التي تهبه كرامته وعزته وذلك لأنها تبعده عن مواطن الغفلة والركود وتضعه على الطريق إلى الله. ولقد جعل الإسلام التقوى أعلى درجات التكريم للإنسان حيث قال تعالى:

إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقَاكُمْ (3)،

وهكذا بدا جليا أن تمكين كرامة الإنسان كان اللبنة الأولى لتمكين توحيد الله. فلا قيمة لتوحيدنا إلا بعد أن نظهر احترامنا وتبجيلنا لكرامة أخينا الإنسان.

وهكذا أصبح واضحا أن كرامة الإنسان هي في تقرّبه إلى الله، باتّباع تعاليم دينه ووصاياه. وهذا السلوك المستقيم السوي هو عين التقوى، التي ليست مفهوما مجرداً، ولكنها إيمان وعمل وإقبال على فعل الحسنات. فكلما تقدم الإنسان في هذا الطريق المؤدي إلى رضا الله، نال المزيد من الكرامة والفيض، الذي يملأ نفسه رضا وسكينة وطمأنينة وثقة بالله.
ولا يغيبن عن البال أن ذروة تكريم الله للإنسان هي هدايته إلى التوحيد، الذي هو أداة تحرير الإنسان من الشرك وسقوطِ الهِمّم وإحباط العزائم. وبما أن كرامة الإنسان تكمن في التوحيد الذي يحرر الإنسان من براثن البعد عن الله، فقد جعل الله لنا موسما سنويا تتجسد فيه وحدانيته عز وجل حيث تطل من خلاله الإنسانية على معالم التوحيد ألا وهو الركن القويم لدينه الحنيف موسم الحج المبارك.
ويجدر الإشارة في هذا المقام أن البيت العتيق.. بيت الله الحرام الذي يتمحور حوله موسم الحج بناه الله تعالى ليخرج الإنسان من حياة الكهوف إلى حياة متحضرة حيث قال تعالى:

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (4).

وهكذا فإن الغرض الأساس من بناء البيت كان تمكين كرامة الإنسان وتوجيهه نحو التحضر. ولما بلغ الإنسان أشده أي بلغ مستوى عقليًا وروحيًا يخول له التعامل مع مفاهيم اللاهوت بعث الله سيدنا آدم كأول نبي عرفته الإنسانية. ثم تتالت بعثة الأنبياء إلى شعوبهم وقبائلهم، وفي هذا الخضم تم التأكيد على مكانة أول بيت لتعزيز كرامة الإنسان مبدئيا وآخرا وأخيرا بيت تمكين توحيد الله على وجه الأرض. وهكذا بدا جليا أن تمكين كرامة الإنسان كان اللبنة الأولى لتمكين توحيد الله. فلا قيمة لتوحيدنا إلا بعد أن نظهر احترامنا وتبجيلنا لكرامة أخينا الإنسان.
وبطبيعة الحال فإن للحج حكمًا عديدة نذكر للقارئ الكريم عبر هذه السطور أهم ملامحها التي لطالما هُمشت. فعلينا قبل أن نحلم بالدخول إلى عالم توحيد الله أن نعطي خَلق الله الذي هو عيال الله حقوقهم وذلك باحترم كرامة كل من حولنا، ولنبدأ بعشيرتنا الأقربين. فبيوتنا الممزقة من جراء المشاكل العائلية لو طبقنا فيها مبدأ احترام كرامة الآخرين من زوجة وأبناء بأتم معنى الكلمة ثم عملنا بالمثل مع الجيران والأخلاء، سنتحصل حتما على تصريح سفر يخول لنا زيارة بقاع توحيد الله. ومن أجل أن نقف على مقام الكرامة الإنسانية الشامخ علينا أن نبحث المبادئ الإسلامية التي تنص صراحة بإعطاء حقوق الناس أولا ثم إعطاء حقوق الله.
إنَّ الكعبة المكرمة ما فُضّلت لجمال جدرانها، أو لفخامة كسوتها أولثقل ومتانة بابها، وإنما فضلت لأنها شعار لعتبة بيت الله. فهي القلب النابض لتوحيد الله عبر تاريخ الإنسانية ودليل شامخ على تأكيد الخالق على قدسية كرامة الإنسان.
جعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه وصلّى اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. آمين.

1. الإسراء 71

2. البقرة 31

3. الحجرات 14

4. آل عمران 97

Share via
تابعونا على الفايس بوك