إعجاز القرآن واكتشافات العلم

إعجاز القرآن واكتشافات العلم

الدكتور وسام علي البراقي

كاتب
  • القرآن الكريم واكتشافات علم الجنين الحديث
  • صفات الوليد الطبيعي

__

“ فتبارك الله أحسن الخالقين”

مما يزيد المؤمن اطمئنانا في معبوده الإله الخالق الحق خاصية تظهر بكمالها وتمامها في الله عز وجل دون غيره وهي أنك لن تجد تعارضا البتة بين أقواله وأفعاله، وهي خصلة حضنا الله كمؤمنين على التمتع بها بقوله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ الله أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (الصف: 3-4)

ويأتي الجمال العجيب الجاذب الذي يأخذ باللب والجنان عـندما يتزين قول الله عز وجل بعلم غيب يكتشفه الإنسان مع تطوره دالا أن الفعل الموصوف بقـوله تعالى هو من فعله وتدبيره وفي علمه، ومبرهنا في الوقت نفسه أن القرآن الكريم هو حقا من عنده وأنه هو قوله عز وجل بحق.

وأذكر هنا مثال مراحل تطور الخلق البشري وأخص منها تطوره داخل الرحم، التي تكَشَّفَت علينا مراحله حديثا من خلال الدراسات الحديثة وتطور علم سمي بعلم الجنين، والذي يزداد تقدما مع تقدمنا بعلم الخلية وأجزائها والوراثة والجينات.

والآية السادسة من سورة الحج لهي خير مثال على البلاغة الجامعة لمراحل حياة الإنسان بأسلوب جميل مرتب متسلسل، وقد مرت قرون عديدة بعد نزول هذه الآية ومثيلاتها كالآية 68 من سورة غافر:

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

والآيات التالية من سورة المؤمنين:

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ؛

 قبل أن يتكلم العلم الحديث عن مراحل تطور الإنسان داخل الرحم بشكل موضوعي خال من الخرافات والتكهنات ويقسمها إلى أطوار تتوافق مع ما وصفه القرآن الكريم قبل 14 قرنا من الزمان بأسلوبه الأخاذ. وليس طبعا القصد من القول أن القرآن هو كتاب فيه تفاصيل العلوم الدنيوية وأنه فصل تفصيلا مراحل تطور الإنسان داخل الرحم، إنما ذكر الأمر بشكل جميل بليغ جامع مقتضب رائع البيان ليبين لنا وليقابل عالمين: عالم مادي تزداد معرفتنا به يوما بعد يوم وعالم روحاني علينا معرفته، وليدل على أن الله هو الحق وهو مصدر العلم والعرفان وكما أنه قادر على إحياء الناس إحياء روحانيا بإرسال الأنبياء والرسل والمجددين فهو القادر أيضا على أن يبعث الناس من القبور، وهذا ما جاء في الآيتين التاليتين السابعة والثامة من سورة الحج:

ذَلِكَ بِأَنَّ الله هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَّا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ الله يَبْعَثُ مَن فِي الْقُبُورِ

ومن جمال اللغة العربية التي أنزل فيها القرآن الكريم ومن قوتها أنها لغة قادرة على التعبير بصدق عن الإنسان بطباعه وأوضاعه وإحساساته؛ فتجد لفظا يناسب كل حالة من أحواله، وهذا ما ذكره المسيح الموعود عليه السلام في كلامه عن اللغة العربية وتفردها بهذه الخصال في كتابه “منن الرحمن”:

“وكذلك كل ما تحقق في الإنسان طبعاً يوجد في العربية وضعا، وكل ما ترى في الحس والعيان نجد بإزائه لفظاً في هذا اللسان ولا تجد نظيره في العالمين”.

فقد خُلق الإنسان وفق تغيرات في الأرحام ولكل تغير من هذه التغيرات اسم خاص به يعبر عن الحال؛ فيكون ماء دافقا ونطفة ثم يزداد فيه أثر الحياة فيكون علقة ثم يزداد إلى قدر لقمة فيسمى مضغة ثم تنتظم وتقسو وتتصلب فتسمى عظاما ثم لحما ثم خلقا آخر يدعى نفسا وكل ذلك يدعى الجنين لاستتاره عن العين المجردة في رحم أمه. ثم يصبح الجنين وليدا بعد خروجه من بطن أمه ثم يسمى صبيا ورضيعا ما دام يرضع، ثم إذا فُطم دعي فطيما وقطيعا، ثم إذا دبَّ ونما فيقال عنه دارجا ،ثم رباعي إذا بلغ طول أربعة أشياء، وإذا بلغ خمسة فهو خماسي، وإذا سقطت رواضعه فهو مَثغور، وإذا بزغت بعد السقوط فهو مُثغِر، وإذا تجاوز عشر سنين فهو مترعرع، وإذا شارف على الاحتلام فهو يافع ومراهق، وإذا احتلم واجتمعت قوته فهو حزور، ثم من الثلاثين إلى الأربعين فهو شاب، ثم كهل إلى الستين،  ثم شيخ ثم يرد إلى أرذل العمر ليكون خرفا مفندا ومستضعفا، ثم إذا مات فهو متوفى، وبذلك لكل مرحلة من مراحل حياة الإنسان اسم يعبر عن حاله ويصفه وصفا دقيقا منذ أول علامات حياة له إلى مماته. وما أجمل ما عبر عن ذلك المسيحُ الموعود عليه السلام بلسان عربي مبين يعجز عنه فصحاء العرب العرباء في كتابه منن الرحمن:

“… ثم بدل قانون القدرة، بإذن الله ذي العزة والحِكمة وخلق الإنسان بعد تغيّرات، في أرحام أُمّهاتٍ، فسمى التغيّر الأُولى ماءً دافقاً ونطفةً، والثّاني الذي يزداد فيه أثر الحياة علقةً، والثالث الذي زاد إلى قدر المضغ شدة وضاهى في قدره لقمة فسمي لهذا مضغة، والرابع الذي زاد من قدر اللقمة، ومع ذلك بلغ إلى منتهى الصلابة وأودعها الله حِكما عظيمة خلقة ونظاما فسمّاها عظاماً بما بلغت العظمة وزادت شرفاً وكمًّا ومقاماً وبما رُكب بعضها بالعظام من رب العالمين، وَالخامس اللحم الذي زاد عليها كالحُلّة، وصار سبب كمال الحسن والزينة، فسمى لحماً بما لُوحِم بالعظام الصلبة، وصار بها كذوي اللحمة، والسادس خلق آخر وسمى نفساً لنفاستها ولَطافتها وسرائتها في الأعضاء وعزّتها، وسمي جميعها باسم الجنين، فتبارك الله أحسنُ الخالقين، ثم إذا خرج الجنين من بطن الأمّة، وتولّد بإذن الله ذي القدرة فسُمي وَليداً في هذه اللهجة، ثم إذا صبا إلى ثدي الأم للرضاع فسُمي صبيا ورضيعاً إلى مُدى الإرضاع، ثم بعد الفطام سمي فطيما وقطيعا في هذا اللسان ثم إذا دبّ ونما وأرى أكثر آثار الحيوان فسمّي دارجاً في ذلك الزمان، ثم إذا بلغ طوله أربعة أشبار فهو رباعي عند أولي أبصار، وإذا بلغ خمسة فهو خماسي، وإذا سقطت رواضعه فهو مثغور عند العرب، وإذا نبتت بعد السقوط فهو مثغر عند ذوى الأدب، وإذا تجاوز عشر سنين فهو مترعرع عند العربيين، وإذا شارف الاحتلام وكرب الماء ليمطر الجهام فهو يافع ومراهق قد بلغ البلوغ التام وإذا احتلم واجتمعت قوته وكملت طاقته فهو حزور، ثم من الثلاثين إلى الأربعين شاب ففرح مسرور، ثم بعد ذلك كهل إلى أن يستوفي الستين، ثم بعد ذلك شيخ ثم خرف مفند ومن المستضعفين، وكذلك بإزاء كل حصة عمر اسم على حدة في عربي مبين. وإذا مات فهو المتوفى الذي يختصم في لفظه حزب الجاهلين، وكذلك كل ما تحقق في الإنسان طبعاً يوجد في العربية وضعا وكل ما ترى في الحس والعيان نجد بإزائه لفظاً في هذا اللسان ولا تجد نظيره في العالمين، وأي حجّةٍ أكبر من هذا لو كنتم مُبصـرين. فتأمل تأمل المنتـقد وانظر بالمصباح المتـقد، واحلل محل المُستـبصرين…”

وبما أن مجال عملي ودراستي في طب الأطفال هو طب فترة الوليد neonatology لذلك سوف أركز على هذه الفترة من مراحل حياة الإنسان وأعرض «صفات الوليد الطبيعي». إن مرحلة الوليد تتميز بخصوصية كبيرة؛ فمعدل وفيات الوليد يكون أعلى ما يكون خلال الـ 24 ساعة الأولى من الحياة وهذا يشكل وحده 65% من وفيات ما قبل عمر السنة (وهو ما يدعى: معدل وفيات الرضع). ولذلك فإن العناية والتركيز على مرحلة الوليد خاصة في اليوم الأول من حيـاته يؤدي إلى تحسـين معدل وفيـات الرضع بشكل ملحوظ.

وفترة الوليد هي الفترة الممتدة من الولادة إلى إكمال شهر من الحياة، والوليد تام الحمل هو من أكمل 37 أسبوعا من تاريخ آخر طمث ولم يتجـاوز 42 أسـبوعا وإلا دُعـي مـديد الحمل، وإنْ نقـص حملـه عن 37 أسبـوعا دُعي خـديجا premature.

صفات الوليد الطبيعي

الـوزن

يبلغ وسطي وزن الوليد الطبيعي الذكر 3400 غراما والأنثى 3200 غراما. وهذا الوزن يتأثر بالعرق والارتفاع عن سطح البحر وسن الحامل وترتيب الحمل. والوليد يخسر من 5 إلى 10% من وزن ولادته خلال الأيام الثلاثة إلى الخمسة الأولى من عمره ويستعيد وزن ولادته في اليوم السابع إلى العاشر من ولادته. ويبلغ ما يكتسبه من وزن خلال فترة الوليد أي الشهر الأول من الحياة 900 غراما تقريبا.

الطـول

يبلغ وسطي الطول50 سم عند الولادة.

الجلد وملحقـاته

يغطي الجلد طلاء أبيض يدعى الطلاء الدهني vernix caseosa خاصة في منطقة الظهر والنقرة والثنيات. يكون الجلد مرنا ورديا ويندر رؤية الأوعية الدموية من خلاله عند تمام الحمل. قد توجد بقع زرقاء اللون أسفل الظهر والإليتين حدودها واضحة وهي بقع تغيب خلال السنة الأولى من العمر.

قد نصادف بعض الأورام الوعائية غير المتبارزة عن سطح الجلد على جذر الأنف والأجفان العلوية والنقرة.

الشعر على الجلد يكون وبريا، والأظافر تصل إلى حافة الأصابع. ومن الجدير بالذكر أنه يندر على الوليد أن يتعرق حتى بارتفاع الحرارة الشديد؛ علما أن كثافة الغدد العرقية أكثر بست مرات من البالغ لكن استجابتها لارتفاع الحرارة لا تساوي إلا ثلث الاستجابة الطبيعية.

لا بد من التنويه أنه قد تظهر، بعد يوم إلى ثلاثة أيام من الولادة، على جلد بعض الولدان اندفاعات حمراء أو متبارزة قليلا في وسطها حويصل صغير جدا تدعى الحمامى السمية erythema toxicum وهي مجهولة السبب وتزول تلقائيا دون علاج خلال أسبوع من ظهورها.

الـرأس

يكون الرأس كبيرا بالنسبة للجسم ويكون العنق قصيرا. يقيس محيط الرأس عند الولادة 35 سم تقريبا. ويزداد محيط الرأس خلال فترة الوليد بمقدار واحد سنتي متر كل 12 يوما تقريبا. يكون شكل الرأس بعد الولادة المهبلية غير منتظم وغير متناظر بسبب تراكب الدروز، التي هي فواصل حواف عظام الجمجمة المتعددة المتداخلة وغير الملتحمة، عند مرور الرأس في السبيل التناسلي وتعرضه للضغط والانضغاط بين عظام حوض الأم. ويزول عدم التناظر هذا عادة خلال أيام ولكنه قد يبقى لفترة أطول دون أن يكون له تأثير أو أهمية. تلاحظ منطقة خالية من العظم في مقدم الجمجمة أبعادها 2سم بـ 3سم تقريبا تدعى اليافوخ الأمامي وهذا أمر طبيعي، ويصغر اليافوخ الأمامي مع تقدم العمر حتى يغلق بعد عمر السنة وهذه النافذة مفيدة عند طبيب الولدان- فهذه الأمواج لا تعبر العظام- لأنه يستخدمها عند الضرورة لإجراء تصوير بالأمواج فوق الصوتية echography لدماغ الوليد ليكتشف أي خلل فيه كالنزف أو تشوهات أو أمراض أخرى.

الصـدر

يكون شكل الصدر كالجرس؛ ضيقا من الأعلى عريضا من الأسفل مقطعه دائري الشكل تقريبا. الأضلاع تكون أفقية التوضع. وللمقارنة فإن محيط الصدر عند حلمتي الثدي في هذا العمر يعادل محيط الرأس أي 35سم تقريبا.

الثـديان

تكون الهالة مصبغة والحلمة ظاهرة والغدة في الثدي مجسوسة، وقد نجد ضخامة فيزيولوجية في الثديين عند الذكور والإناث بسبب ضخامة الغدة مع احتوائها على الحليب بسبب تأثير هرمونات الأم التي تعبر المشيمة أثناء الحمل، وهذه الضخامة تزول تلقائيا خلال بضعة أيام ونادرا خلال أسابيع، ولا يجب على الإطلاق عصر الثدي خشية تشكل خراج في الثدي والذي من علاماته: عدم التناظر والاحمرار والقـسـاوة والمضض.

البطن

كبير متبارز ومتحرك أثناء التنفس. يسقط السرر بعد 5 إلى 10 أيام من الولادة وقد يتأخر سقوطه أكثر من ذلك.

الأعضـاء التـناسـلية الظاهرة:

تكون الخصيتان بالصفن الذي يكون جلده قاتما نسبيا ومجعدا حاويا أثلاما عديدة. وعند الإناث قد تخرج من المهبل مفرزات مخاطية خلال الأيام الأولى من الولادة وقد يخرج دم ما بين اليومين الثالث والخامس بما يشبه الطمث ويدعى (الطمث الصغير) وذلك لانقطاع هرمون الاستروجين الوالدي المار عبر المشيمة مما يؤدي إلى سقوط الغشاء المخاطي للرحم.

الأطـراف

صغيرة بالنسبة للرأس والجـذع، ويحركـها الوليد حركات عشوائية وتأخذ وضعية انعطاف وهي وضعية عابرة، اليدان منقـبضتان في أغلب الأحيان، الساقان مقوستان بعض الشيء، والأثلام تملأ جلد أخمص القدمـين، الفخـذان منعطفـتان على البطن ومتبـاعدتان. من المهم فحص حوض الطفل عند الولادة وذلك لنفي الخلع الولادي.

Share via
تابعونا على الفايس بوك