نحو ربيع حضاري متجدد

نحو ربيع حضاري متجدد

التحرير

  • ما هو الرابط العجيب الذي يجمع بين العمل الدنيوي والتأييد السماوي في سِيَر القادة المسلمين الأوائل؟
  • كيف يمكن للجيل المسلم المعاصر تمثُّل قيم أولئك القادة الأشداء على الكفار الرحماء بينهم؟

___

مع إطلالة ربيع عام 2026، وحين تتنفس الأرض بعنفوان المتغيرات المناخية الجديدة، لا يسعُ المثقف المُتأمِّل إلا أن يرصد توازيًا لافتًا بين انبعاث الطبيعة وتجددها الذي يحل على الأجواء الجغرافية من جهة، وحال المد الروحي التي تجتاح أروقة المجتمعات الغربية المعاصرة من جهة أخرى. إننا نعيش لحظة تاريخية فارقة، لحظةً يعود فيها الإسلام ليتصدر المشهد، لا كأرقام ذات دلالة ديموغرافية فحسب، بل كمنظومة قيمية صلبة قادرة على ملء الفراغ الروحي الذي خلفته قِيَم الحداثة المائعة.

وما نشهده اليوم من تنامٍ للإسلام في بلدان الغرب، وما نلمسه من تَحَقُّقٍ معنويٍّ لنبوءة سيدنا خاتم النبيين :

“لا تقومُ السَّاعةُ حتَّى تطلُعَ الشَّمسُ مِن مغربِها…»(1)،

يدفعنا دفعًا للعودة إلى المنابع الأولى، ليس تقليبًا لصفحات التاريخ المجرد، بل استلهامًا لنموذج القيادة الرشيدة التي استطاعت في أحلك الظروف أن تحفظ بياضا المجتمع الإسلامي الناشئ، وتواجه ما عصف به من رياح الفتن والتمرد بصبرٍ وإيمانٍ وثبات.

فحين نفتح ملفات الرعيل الأول من قادة الجيوش الإسلامية الذين واجهوا حركات التمرد والبغي في عهد الخلافة الراشدة الأولى، لا نجد أنفسنا أمام قادة عسكريين بالمعنى الضيق للكلمة، بل في حضرة مربين وقادة روحيين. والسلك الذي ينظِم دُرر ملاحمهم البطولية هو فكرة الاستقامة الجالبة للكرامة. لقد كان هؤلاء القادة يُمثلون ذروة الالتزام الأخلاقي، فمنهم من كان إسلامه استجابة لرؤى صادقة وبصيرة نافذة، ومنهم من تجلى صدقه في خطبه التي كانت تجمع شتات القلوب قبل أن تجمع صفوف الجيوش. لم تكن مواجهتهم للمتمردين نابعة من شهوة السلطة أو التعطُّش للانتقام، بل كانت ضرورةً حتمية لاسترداد الأمن الروحي والاجتماعي، وضمان ألا يرتد المجتمع إلى جاهلية التشتت والفرقة. والدرس المستفاد الأبرز من سِيَر هؤلاء القادة الذين استعملهم الله في تثبيت أركان الدولة الإسلامية الناشئة يكمن في ذلك الرابط العجيب بين العمل الدنيوي والتأييد السماوي. ففي قلب الصحراء القاحلة، وبينما كانت الجيوش تواجه الظمأ والفتنة في آن واحد، كانت «المعجزة الروحية» تتدخل لإنقاذ الموقف.

هذه المعجزات التي سجلها التاريخ في عهد صديق الأمة لم تكن مجرد خوارق للعادة، بل كانت آياتٍ دالة على صدق التوجه وإخلاص القيادة. إن انفجار ينابيع الماء الزلال من تحت الرمال القاسية بعد تضرع القادة ودعائهم، هو رمز أسمى لتدفق الرحمة الإلهية حين تشتد الأزمات. إنها رسالة لكل زمان، أن النصر ليس بالعدد ولا بالعتاد وحده، بل بذاك الإيمان الذي يستنزل السكينة في قلوب المؤمنين ويزلزل الأرض تحت أقدام المتمردين والبغاة.

إننا في افتتاحية هذا العدد من التقوى لشهر إبريل 2026، إذ نستحضر تلك النماذج القيادية الفذة، فإننا نسعى لربط الماضي بالحاضر. فكما استطاع أولئك القادة المخلصون إخماد نيران الفتن وتعبيد الطريق لانتشار النور في أصقاع الأرض، فإن جيل اليوم من المسلمين في شتى بقاع المعمورة، وبخاصة في الغرب، مدعوون لتمثُّل تلك القيم ومطالَبون بتلمُّس القيادة الروحية التي تنتشلهم من شتات التمزُّق السياسي والضلال الروحي. وهنا يبرز نظام الخلافة الذي ينبغي على الحكومات الإسلامية أن تُعيره القلوب والأسماع لبذل كل جهدٍ ممكن لتوحيد الأمة الإسلامية والعمل بجدٍّ لتحقيق هذا الهدف بدلًا من السعي وراء مصالحهم الذاتية. وفي خطبة حضرته التي ألقاها في السادس من مارس المنصرم، ركز (نصره الله) حديثه بوصفه القائد الأعلى المنصَّب من لدن الله على رسم خارطة الطريق لإنقاذ العالم الإسلامي مما اعتراه من فتن وأزمات سياسية هدفت إلى تمزيقه. (٢)

المعجزات التي سجلها التاريخ في عهد صديق الأمة لم تكن مجرد خوارق للعادة، بل كانت آياتٍ دالة على صدق التوجه وإخلاص القيادة. إن انفجار ينابيع الماء الزلال من تحت الرمال القاسية بعد تضرع القادة ودعائهم، هو رمز أسمى لتدفق الرحمة الإلهية حين تشتد الأزمات. إنها رسالة لكل زمان، أن النصر ليس بالعدد ولا بالعتاد وحده، بل بذاك الإيمان الذي يستنزل السكينة في قلوب المؤمنين ويزلزل الأرض تحت أقدام المتمردين والبغاة.

فالربيع الذي ننشده ليس مجرد فصلٍ في السنة، بل هو مناسبة لتمثُّل الروح القيادية الجامعة بين الحزم والرحمة، وبين الحجة العقلية واليقين القلبي، تلك الروح المتقدة بحرارة الإيمان لدى أولئك القادة الذين نزل فيهم قرآن يُتلى، حيث يقول :

مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ…(3).

إن شمس الإسلام التي تشرق اليوم من آفاق جديدة، هي ذاتها الشمس التي أنارت دروب الصحابة رضي الله عنهم وهم يواجهون أصعب الاختبارات التاريخية.

وفي سياق هذا الموضوع العام، أي حلول ربيع الإسلام على الدنيا من جديد، ومع حلول أول شهور الربيع المناخي، إبريل لعام 2026، يسر أسرة التقوى أن تعرض باقة منوعة من المواد الإثرائية، بدءا من كلمة سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز)، والتي يحدثنا فيها حضرته عن رجال من جماعة المؤمنين الأولى استعملهم الله في تقديم الربيع الروحاني إلى هذا العالم. والحق أن كل مسلم في الواقع له دور فعال في تقديم الربيع المنشود إلى من حوله، اقتداء بسيدنا خاتم النبيين الذي كان باسم الثغر، حتى في أحلك الظروف وأقساها، فمن شأن سنته وتعاليمه أن تجعل هذه الدنيا ربيعا مُقِيما.

فختامًا، ندعو الله أن يُفيض علينا في هذا الربيع من بركاته الروحية والمادية، وأن يجعل من مراجعاتنا للسيرة النبوية ولتاريخ القيادة الإسلامية نبراسًا يضيء لنا سبل المستقبل، لنثبت للإنسانية جمعاء أن الإسلام هو الدين الحق، هو الشمس التي لا تعرف الأفول، وأن وعد الله بظهوره على الدين كله هو وعدٌ يتحقق في كل حين وآن بنور الإيمان وعزيمة المخلصين، آمين.

الهوامش:

  1. أخرجه أبو داود (4312)
  2. راجع: مرزا مسرور أحمد، الاضطراب العالمي والحاجة الملحة إلى وحدة المسلمين، خطبة الجمعة الموافق 6 مارس 2026م، والمنشورة بصورة كتيب على موقع مجلة التقوى،
  3. (الفتح:13)
تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via