اكتئاب الآباء فيما حول الولادة، المأساة الخفية، والقصة غير المروية

اكتئاب الآباء فيما حول الولادة، المأساة الخفية، والقصة غير المروية

ثمر حفيظ

دكتوراه في علم النفس
  • ما هي أعراض “القلق الأبوي” وكيف تختلف مسبباته عن اكتئاب الأمهات؟
  • هل يمكن لتراجع هرمون “التستوستيرون” لدى الرجل أن يكون سببا في اكتئاب ما قبل الولادة؟
  • كيف تؤثر الصحة النفسية للأب على النمو السلوكي والوجداني للطفل على المدى البعيد؟

 ____

يُعدّ الانتقال إلى مرحلة الأبوة من أكثر التجارب الإنسانية بهجةً وتأثيرًا في حياة كلٍّ من الرجل والمرأة، لكن هل الصورة وردية دائمًا؟! إنّ التحوّل إلى دور الوالدين يُحدِث تغيّرات جوهرية في مختلف مجالات الأداء النفسي والاجتماعي لكلا الطرفين. وكما تواجه النساء حديثات العهد بتجربة الأمومة تحديات كبيرة في التكيّف مع متطلبات تلك المرحلة، فإنّ الآباء الجدد بدورهم قد يواجهون هم أيضا صعوبة في التكيّف مع الأدوار والمسؤوليات الجديدة التي تفرضها هذه المرحلة.

لا شك في أنّ العناية بالوليد الرضيع تتسبب في اضطرابات ملموسة في الروتين اليومي لدى الأمهات والآباء على حد سواء، وقد يشعر كثير من الآباء الجدد بشيء من عدم الاستعداد لممارسة دورهم الأبوي، مما يضاعف من حجم الضغوط المرتبطة بالتحديات اليومية.

وعلاوة على ذلك، فإن ثمة مجموعة متشابكة من المسؤوليات والتوقعات والالتزامات الملقاة على عاتق الرجل بطبيعة الحال، وتتطلّب قدرًا كبيرًا من الصبر، والعمل الدؤوب، والتضحية، تلك الالتزامات تزداد ثقلا بمجرد أن يصبح الرجل أبًا ذات يوم.

وتمثّل فترة الحمل التي تمر بها الزوجة مرحلةً بالغة التأثير في حياة الزوج، ذلك لأنه في واقع الأمر يخطو خطوته الفارقة دخولا إلى عالمٍ مجهول المعالم، دون تصوّرٍ واضح لما ينتظره، حتى إن كثيرًا من الآباء الجدد قد يختبرون مستويات مرتفعة من التوتر والقلق، والشعور بالعجز، وتدنّي الثقة بالنفس، وفقدان الدافعية والشغف، إلى جانب الخوف من المجهول، والانفعال الحاد، والإحباط المتكرر.

اضطراب ما قبل وبعد الولادة قد يصيب الأب أيضًا!

كما هي الحال لدى النساء، فإن الرجال كذلك معرَّضون للإصابة بالاكتئاب في أية مرحلة من مراحل حياتهم، بما في ذلك فترة ما قبل الولادة، أو ما بعدها. ويُعرَف هذا النوع من الاضطراب النفسي باكتئاب ما حول الولادة لدى الآباءPaternal Perinatal Depression، والذي يشار إليه اختصارا بـ PPND(1).

وقد أظهرت الدراسات أنّ أعلى معدلات الخطر للإصابة بالاكتئاب لدى الآباء المنتظرين تكون خلال الثلث الأول من الحمل. كما تشير أبحاث عديدة إلى أنّ تقلُّد دور الأبوة من شأنه أن يزيد من احتمالية إصابة الرجال بـ القلق الأبوي فيما حول الولادة.

غالبًا ما يعزو الآباء الذين يعانون من الاكتئاب والقلق أسباب معاناتهم إلى الضغوط النفسية وما يترتب عليها من اضطرابات، ومن المعلوم أن قلة النوم، وصعوبة تحقيق التوازن بين العمل والحياة، والتغيرات في الروتين الأسري، والإرهاق الجسدي، وتعدّد الأدوار، وإهمال العناية الذاتية، كلها عوامل تُسهم في تفاقم أعراض القلق والاكتئاب. وينضاف إلى العوامل السابقة عدم المعرفة الكافية بأساليب رعاية الطفل، أو ضعف ثقة الرجل في قدرته على ممارسة دور الأب، فيما يُصطَلح على تسميته بـ «انخفاض الكفاءة الوالدية المدرَكة»، قد يضاعف من شعور الآباء الجدد بالعجز وخروج الأمور عن السيطرة.

الأسباب وعوامل الخطورة

تسهم مجموعة من عوامل الخطورة في زيادة قابلية الأب للإصابة باكتئاب ما حول الولادة، ومن أبرز تلك العوامل تاريخ الاكتئاب الشخصي أو في نطاق عائلة الزوج، كذلك من بين عوامل الخطر تغيُّرات الرجل الهرمونية، ثم هناك اضطرابات العلاقة الزوجية، كما لا يمكن أن نُغفِل غياب الدعم الاجتماعي بوصفه أحد عوامل خطر إصابة الرجل باكتئاب ما حول الولادة. وأخيرا يأتي الخوف من تكرار التجارب السيئة كعامل من عوامل خطر الإصابة المحتملة. ونظرًا إلى خطورة هذا النوع من الاكتئاب وتهديده لكيان الأسرة الناشئة، يحسن بنا تناول عوامل الخطر السالفة بشيء من التفصيل.

عدوى الاكتئاب، وتكرار التاريخ المَرَضي

يمكن أن يكون التاريخ الشخصي أو العائلي للاكتئاب عاملا من عوامل الخطر، حيث كلما كان هناك سجل سابق لحالات الاكتئاب أو وجود اضطرابات اكتئابية لدى الزوج أو أي من أفراد عائلته، فإن هذا مما يزيد من احتمالية الإصابة. كما ويندرج تحت هذا العامل تعرض الزوجة بدورها للاكتئاب، حيث يمكن لاكتئاب الأم أو قلقها أن يُحفّز أو يُفاقم الأعراض الاكتئابية لدى الأب بالتبعيَّة.

الهرمونات، سلاح ذو حدين

ثمة قاعدة طبية متفق عليها تقول بأن كل تغير هرموني تتبعه تغيرات فسيولوجية ومزاجية، إيجابًا أو سلبًا. وكثيرا ما نسمع بالتغيرات الهرمونية، خصوصا لدى المرأة في فترات الدورة الشهرية، وأيضًا في فترة الحمل، وقد يتفاجأ الكثيرون حين يعلمون أن تلك التغيرات لا تقتصر على المرأة وحدها، بل من المُرجَّح كذلك أن يكون الرجل عرضة لها ولتوابعها السيئة، فقد ارتبط انخفاض مستويات هرمون التستوستيرون ارتباطًا مباشرًا بالأعراض الاكتئابية لدى الرجال. كما أن التراجع في نسبة هذا الهرمون قبل الولادة وبعدها قد يسهم في ظهور الاكتئاب الأبوي. كما أنّ الخضوع لعلاجات الفحولة، بغضّ النظر عن الأسباب، قد يؤثّر سلبًا على تقدير الذات والصحة النفسية.

وقد أظهرت الدراسات أنّ أعلى معدلات الخطر للإصابة بالاكتئاب لدى الآباء المنتظرين تكون خلال الثلث الأول من الحمل. كما تشير أبحاث عديدة إلى أنّ تقلُّد دور الأبوة من شأنه أن يزيد من احتمالية إصابة الرجال بـ القلق الأبوي فيما حول الولادة.

الرجلُ غريبٌ في بيته!

تأتي الاضطرابات التي تطرأ على شكل العلاقة الزوجية ضمن قائمة عوامل خطر إصابة الرجل باكتئاب ما حول الولادة، حيث إنه مع تغيُّر نمط التعامل بين الزوجين مع انضمام العضو الجديد إلى الأسرة، أي الوليد، يتولد لدى الأب شعور بالإقصاء أو الانفصال، ومع تحوّل التركيز الأسري على الأم والطفل الوليد، قد يشعر كثير من الآباء الجدد بالتهميش، والوحدة، والعزلة، أو التجاهل، وربما بنوع من الغربة، حيث يبدو له أنه في وادٍ وحده، بينما الأم ووليدها في وادٍ آخر. فالحاصل أنَّ اضطرابات العلاقة الزوجية، بما فيها عدم الرضا الزوجي، والنقد السلبي، وكثرة الخلافات، والضغوط الانفعالية، وصعوبات التواصل، وعدم التوافق، كلها مؤثرات سلبية على قدرة الرجل على التحمل.

شبحا الخوف، من الفقر، ومن الفقد

العوامل السالفة ليست وحدها التي تزيد من قابلية الأب للإصابة باكتئاب ما حول الولادة، ولكن ثمة عوامل أخرى غير مباشرة، كضعف الدعم الاجتماعي والضغوط المالية أو المهنية، حيث إن غياب الدعم العملي والعاطفي من البيئة الاجتماعية المحيطة، إلى جانب الضغوط المهنية، قد يشكّل عاملًا محفّزًا رئيسيًا. والحق أن هذا العامل يختزل أمرًا يشترك فيه معظم الناس، ألا وهو الخوف من الفقر، والتقصير في توفير متطلبات الضيف الجديد، أي الطفل الوليد، وهنا يجدر بنا تذكُّر قول الله تعالى:

وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا.(2)،

فترك الرجل نفسه فريسة للاكتئاب بذريعة الخوف من توفير متطلبات الحياة المادية لأولاده هو بحد ذاته شروع في قتل هؤلاء الأولاد.

كذلك إن العُقد النفسية الناجمة عن الخوف من تكرار تجربة أليمة، مثل فقدان طفل سابق أو وفاة زوجة في ظروف الحمل أو الولادة، أيضا من عوامل زيادة قابلية الأب للدخول في حالة الاكتئاب بشكل ملحوظ.

اكتئاب الأمهات واكتئاب الآباء، مشكلة واحدة، وحلول مختلفة

قد تتشابه أحيانا أعراض الاكتئاب لدى الرجال عنها لدى النساء، غير أن الأزواج يظلُّون بحاجة إلى دعم ومعلومات تختلف عما تبحث عنه زوجاتهم(3)، وإنْ اشتركوا في بعض الأعراض الشائعة، مثل اضطرابات النوم، وتغيّرات الشهية، وفقدان الشعور بالمتعة، والانسحاب من الأسرة أو العمل، والسلوكيات التجنبية.

وقد تظهر أيضًا أعراض أقل وضوحًا، من بينها الغضب والانفعال والتهيّج أمام أتفه الأسباب، وصعوبة التعاطف مع مشاعر الآخرين، فيما يُعرَف بالتصلّب العاطفي.

كل ما سبق علاوة على عدة أعراض جسدية، مثل الغثيان والإرهاق، والاضطرابات الهضمية كالإمساك، وفرط الحموضة، وأوجاع الرأس والظهر والمفاصل.

ومن المهم التنبيه إلى أنّ الأفكار الانتحارية، وتعاطي المواد، والعنف الأسري، والسلوك العدواني قد تكون تعبيرات غير مباشرة عن اكتئاب غير مُشخَّص، قد يظهر في صورة سلوكيات تجنبية، مثل الإفراط في استخدام الشاشات، أو العمل المفرط، أو الأكل القهري، أو التدخين وتعاطي المواد المخدرة والمشروبات الروحية كآليات تكيّف سلبية.

ماذا لو لم نتدخَّل علاجيًّا؟!

تؤثّر الصحة النفسية للأب تأثيرًا بالغًا على رفاه الأسرة ككل، ولها دور محوري في بناء العلاقة بين الوالد والطفل، وتنظيم انفعالات الطفل، واستقرار العلاقة الزوجية على المدى القريب والبعيد كليهما. فعلى المدى القريب، أشارت دراساتٌ إلى أنّ الأطفال الذين عانى آباؤهم من اضطراب ما حول الولادة قد عانوا هم أيضًا بدورهم من مشكلات نفسية وسلوكية لاحقًا بعد سبع سنوات، من بين تلك المشكلات اضطراب السلوك أو اضطراب العناد والتحدي. كما ارتبط الاكتئاب الأبوي بارتفاع خطر إصابة الأبناء بالاكتئاب لاحقًا.

وعلى المدى البعيد، قد يؤدي ذلك إلى انخفاض جودة العلاقة الزوجية، وضعف الدفء والعواطف الأبوية إلى الأبد.

الاعتراف بالمشكلة أول طريق العلاج

يعاني كثير من الآباء بصمت، مما يزيد معاناتهم تعقيدًا. من هنا تبرز الحاجة إلى مسارات واضحة للوقاية والكشف المبكر والتعافي، من بينها الوعي بأعراض اكتئاب ما حول الولادة، وطلب الدعم من الأسرة والأصدقاء والمختصين النفسيين. والأهم مما سبق أن يعترف الرجل بمشاعره ويعبِّر عنها دونما خجل، فالبكاء لا يتعارض مع الإيمان، ذلك لأنه استجابة إنسانية طبيعية للألم والحزن، وقد بكى النبي عند وفاة ابنه إبراهيم وقال:

«تَدْمَعُ العَيْنُ وَيَحْزَنُ القَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا ما يَرْضَى رَبَّنَا، وَاللَّهِ يا إِبْرَاهِيمُ إنَّا بكَ لَمَحْزُونُونَ»(4).

إنّ أعظم الرجال في التاريخ كانوا أُنَاسًا ذوي مشاعر، مرّوا بالإخفاق والحزن قبل النجاح. وقد عبَّر القرآن الكريم بشرعية هذه المشاعر:

قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ…(5).

أخيرًا، علينا إدراك أنّ رفاه الأسرة يقوم على الصحة النفسية لكلا الشريكين، والأبوة، كأية ممارسة حياتية، هي رحلة تعلّم وتجربة. ومع التدخل المناسب، تتلاشى الإخفاقات ومشاعر العجز، لتتكلل التجربة بالنجاح والتوفيق.

 

الهوامش:

  1. James F. Paulson & Sharnail D. Bazemore, Paternal Perinatal Depression: A Review and Recommendations, JAMA (Journal of the American Medical Association) , 2010
  2. (الإسراء: 32)
  3. Karen R. Kleiman, The Postpartum Husband: Practical Solutions for Living with Postpartum Depression, Xlibris Corporation, 2000
  4. أخرجه البخاري (1303)
  5. (يوسف: 87)
تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via