مِنْ نَمَاذِجِ إِحْسَانِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم إِلَى الِإنْسَانِيَّة عَقْدُ المُصَالَحَةِ بَيْنَ المَعْرِفَةِ الدِّينِيَّةِ وَالعُلُومِ الدُّنْيَوِيَّة

سامح مصطفى

كاتب وشاعر
  • العلوم الدينية والدنيوية كانت في البدء جنبا إلى جنب
  • قتل العلم باِسم الكنيسة
  • حدثٌ سعيد يعيد الصلح من جديد
  • نظرية التطور كمثال

العلوم الدينية والدنيوية في البدء جنبا إلى جنب
الإنسانية منذ برأها الباري ، منذ ما يزيد على الستة آلاف عام، وهي ماضية قُدما في سبيلها نحو التَعَلُّم والتَّرَقِّي. وكما هي حال الوليد الرضيع، لا يناسبه سوى طعام واحد متمثل في لبن الأم، كذلك في المراحل المبكرة من عمر الإنسانية لم يكن ثمة فرق أو تمييز بين المعارف الدينية ومتطلباتها من جانب، والعلوم الدنيوية ونواتجها من جانب آخر، إذ كان المحتوى المعرفي برمته في تلك العصور ضئيلا جدا نظرا إلى عمر الإنسانية المبكر في ذلك الوقت.. كانت المعرفة كلا واحدا لا يتجزأ، تماما كلبن الأم بالنسبة للرضيع، فمثلا، الكتابة، ذلك الاختراع المُذهل الذي لا نزال نجني أثماره إلى يومنا هذا، ظهر إلى الوجود لدواعٍ دينية، حتى إننا يمكننا عد الكتابة علما دينيا، ولو من حيث المنشأ على الأقل. كذلك علوم الحساب والفلك وإعداد التقاويم، كلها كان منشؤها المجال الديني، حتى أن تلك العلوم، بما فيها الكتابة، ظلت مدة مديدة من الزمان حكرا على كهنة المعابد وأبناء الأسر المالكة في مصر الفرعونية مثلا.
ما سبق يقودنا إلى نتيجة مفادها أن سلسلة العلوم الإنسانية بدأت دون تمييز بين المعارف الدينية والعلوم الدنيوية، وكان المُشْتَغِلُ بهذا المحتوى ككل يوصف بالحكمة، فيقال له كاهن، أو حكيم، أو فيلسوف.

قتل العلم باِسم الكنيسة
ثم لما حل عصر نبي الإغريق سقراط ( ) وشاع عنه أنه أول من جاء بالفلسفة من السماء إلى الأرض -ووراء تلك المقولة العظيمة ما وراءها من الأسرار- أخذ المحتوى المعرفي لدى الإنسانية في الاتساع، وترافق مع هذا الاتساع شيء من التمييز بين صنفي المعرفة، الديني والدنيوي، حتى بات كلا الصنفين على طرفي النقيض بُعَيد عصر السيد المسيح الناصري مباشرة، فبلغت القطيعة بين المعرفة الدينية والعلوم الدنيوية أوجها لأول مرة في التاريخ، حتى لقد دون التاريخ قصص مواجهات دامية بين صنفي المعرفة المذكورين، منها على سبيل المثال ما وقع في القرن الرابع الميلادي من جريمة الاغتيال البشعة التي راح ضحيتها عالمة الرياضيات والفلك الفيلسوفة المصرية السكندرية «هيباتيا» على أيدي رجال الكنيسة الأرثوذكسية آنذاك، بتهمة الخروج على مفاهيم الكنيسة بترويجها نظريات علمية تضلل البشر، وممارسة الفلسفة التى اعتبرت «سحرا» فى ذلك الوقت.
لقد بدأت ساحة العلوم الدنيوية بشكل عام تُظْلِم شيئا فشيئا بعد جريمة اغتيال «هيباتيا»، إذ تسبب مقتل تلك العالمة على أيدي متشددي الكنيسة في نزوح عدد كبير من العلماء عن الإسكندرية (1)، والتي كانت حاضرة العلوم والثقافة وحاضنة الفلسفة الإغريقية في ذلك الحين، فكان هذا النزوح بداية النهاية لقرون من التقدم الإغريقي في مجال الرياضيات والمنطق والفلسفة. لقد شكلت تلك الفترة وما شهدته من أحداث بداية ما يُطلق عليه الآن «العصور المظلمة» وهو مصطلح تاريخي شائع في الأوساط العلمية الأوربية، ويستخدم للدلالة على العصور الوسطى في أوروبا، التي امتدت طوال الفترة ما بين القرن الرابع إلى القرن الرابع عشر الميلادي تقريبا.

«أزال الخصام الحاصل بين المعارف الدينية والعلوم الدنيوية، بعد أن كان الناس قبله يظنون أن من يتعلم علومًا دنيوية يفقد الدين. وإن النبي الكريم هو أول من دعا إلى المبدأ القائل بأن الدين هو كلام الله والعالـَم هو فعل الله تعالى»

حدثٌ سعيد يعيد الصلح من جديد
لقد ظلت أوروبا طوال قرون العصور الوسطى تغط في نوم عميق تكتنفه ظلمات الجهل والتطرف، وكان من المتوقع أن تزداد الصورة قتامة لولا ذلك الحدث السعيد الذي حدث في بلاد العرب في مطلع القرن السابع الميلادي، وتمثل في مبعث إنسان حمل على عاتقه مسؤولية جسيمة، يمكن إجمالها في «إعادة السلام إلى العالم» حتى إننا لا نكون مبالغين لو أطلقنا عليه «نبي السلام»، فالسلام الذي أشاعه كان ذا مستويات عدة، سلام الإنسان مع ربه، وسلامه مع نفسه، وسلامه مع سائر الخلق.
وفي إطار المنن والأفضال، عدد المصلح الموعود حضرة مرزا بشير الدين محمود أحمد بعضا من نماذج الإحسان المتعددة التي أسداها نبي السلام إلى الإنسانية، فقال عنه ما تعريبه: «أزال الخصام الحاصل بين المعارف الدينية والعلوم الدنيوية، بعد أن كان الناس قبله يظنون أن من يتعلم علومًا دنيوية يفقد الدين. وإن النبي الكريم هو أول من دعا إلى المبدأ القائل بأن الدين هو كلام الله والعالـَم هو فعل الله تعالى» (2). وأن الله سبحانه وتعالى

عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (3)،

ومما علم اللهُ الإنسانَ تلك المعارف الدينية والعلوم الدنيوية بأسرهما، فجميع مظاهر الطبيعة هي خلق الله تعالى كما أن القرآن كلامه. وتفكير الإنسان في طبيعة الأشياء المادية وخواصها هو تفكير في فعل الله تعالى ولن يكون مناقضًا لكلامه بحال. وعموما، لقد أصلح النبي بين الدين والعلوم فقال: طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، أي أن العلم لا يتعارض مع الدين، وعلى كل مؤمن أن يطلب العلم. وعلى الرغم من كل هذه الإرشادات النبوية يقول أهل الأديان الأخرى اليوم بأن المسلمين جهلة، وهذا صحيح بالنظر إلى الواقع، وقد عزا المصلح الموعود سبب تلك النظرة الدونية إلى مسلمي العصر إلى ما ذكر أنه «تقصيرنا نحن، وليس تقصير نبينا ، تماما كما كان يوم أحد هزيمة للمسلمين لتقصيرهم في طاعة نبيهم ، ولم يكن هزيمة للإسلام في حد ذاته. لا شك أننا نخجل عند سماع هذا الاعتراض ونطرق رؤوسنا، ولكنه لا يلقي أي لوم على نبينا لأنه أصدر قراره التالي: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»، في الوقت الذي كان فيه أهل مكة يعدّون التَّعَلُّم من الأعمال المذلة، ولم يكن بمكة كلها سوى بضعة أشخاص يعرفون القراءة والكتابة، ولم يسمح لهم بالتعلم إلا لأغراض سياسية» (4). فلو كان المسلمون اليوم جهلة فهو يدل على تقصيرنا، وسيدنا محمد بريء من هذا الذنب، لأنه أرشدنا إلى طلب العلم كونه فريضة على كل مسلم. ونتيجة لإرشاده هذا حافظ المسلمون على العلوم القديمة ووضعوا أسسا لعلوم جديدة يستفيد منها العالم اليوم. فلو لم يحافظ المسلمون على العلوم القديمة لما علم الناس اليوم شيئا عن فلسفة أرسطو ولا حكمة أبيقراط، وذلك لأن المسلمين ترجموا كتبهما، ووضعوا محاضراتهما في مقررات جامعاتهم في زمن تغافل عن هؤلاء الحكماء أهلُ بلادهم أيضا. وهكذا حافظ المسلمون على كتبهم، وبالتالي وصلت هذه العلوم والعلوم الجديدة التي اخترعها المسلمون إلى إسبانيا. وحين كان العلماء المسيحيون يحسبون تحصيل هذه العلوم كفرًا – كما يعد البعض دراسة الفلسفة والمنطق ونظرية التطور اليوم كفرًا أيضا- درس شباب أوروبا مثل هذه العلوم على يد علماء المسلمين ثم بعد التفوق فيها وضعوا أساسًا للعلوم الجديدة اليوم. فلقد كتب أحد الكتاب الأوروبيين: «إلى متى سيظل أهل أوروبا يذرّون الرماد في أعين العالم كله ويرددون أن المسلمين لم يخدموا العلوم بشيء؟! في حين أن الحق أنه لو لم تصل العلوم إلى إسبانيا عن طريق المسلمين لكنا نعيش حالة الجهل المظلم البدائي إلى الآن». باختصار، إن استمرار رقي العلوم في العالم كان نتيجة التعاليم السابقة للنبي الكريم وكان ذلك مستحيلا بدونه.

لا إشكال ولا تناقض يُذكر بين الإسلام الذي أنزله الله تعالى على سيدنا محمد ومعطيات العلم الحديث، بل إن العلاقة بين الطرفين تكاملية بحتة، حتى إن من الفقهاء المسلمين من عد دراسة علوم عصرية كالطب والهندسة وغيرهما فرض كفاية، يأثم المجتمع ككل لو نبذها ظهريا.

نظرية التطور كمثال
لا يخفى على المطلعين ما أحدثته بعض النظريات العلمية المطروحة خلال القرنين الماضيين من جدل حامي الوطيس بين المؤسسات العلمية الأوربية من جانب والمؤسسة الدينية ممثلة في الكنيسة من جانب آخر، ومن أكثر تلك الأطروحات إثارة للجدل نظرية النشوء والارتقاء، والمعروفة باسم «نظرية التطور» والتي توصل إليها عالم الأحياء البريطاني «تشارلز داروين».
وقبل مناقشة هذه النظرية، فمما يجدر ذكره عموما هو أن الإسلام لا يعادي النظريات العلمية ولا يرميها بالاتهامات والكفر، بل إن الفلسفة الإسلامية الحقَّة التي صاغها الفيلسوف ابن رشد الأندلسي مسترشدا بالقرآن الكريم والسنة النبوية تبين أن موقف الإسلام هو أنه لا بد للعلم أن يبحث بحرية مطلقة دون محاولة تقييده أو الحكم عليه من قبل النص الديني، فإذا وُجِد توافق مع النص الديني فبها ونعمت، وإذا لم نستطع التوفيق فهذا يعني أن الخلل إما في نظريتنا العلمية أو في تفسيرنا للنص الديني، أما الأصل فإن النصَّ الديني هو كلمة الله والخَلق هو فعل الله، ولا يمكن أن يتعارضا. لذلك يجب أن يسير كلا البحثين بحرية مطلقة، ويجب ألا نخشى على النصِّ الديني من التهافت والبطلان، كما يجب ألا نخشى من أية نتيجة لأبحاثنا العلمية على الدين. علما أن هذا الموقف هو الذي تبنته أوروبا لاحقا وكان السبب في النهضة العلمية الأوروبية.
وعودا على نظرية التطور خاصة، فالواقع أن هذه النظرية في إطارها العام تتوافق مع النص الإسلامي ممثلا في القرآن الكريم، إذ أن القرآن قد صرَّح بأن الخلق قد مرَّ في أطوار، وأن عدم القول بالتطور ينافي وقار الله تعالى وجلاله:

مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (نوح 14-15)،

فلا عداء أصلا بين الإسلام وهذه النظرية، إنما العداء تتبناه المسيحية ممثلة في نص الكتاب المقدس أولا، ثم مؤسسة الكنيسة الرسمية ثانيا. لقد بدأ الصدام المسيحي مع نظرية التطور بسبب الخلاف مع النص الحرفي للكتاب المقدس الذي يقول بأن العالم عمره حوالي 6000 سنة، بينما العلم يقول حوالي 4 مليارات سنة، كما يسرد واقعة خلق الإنسان الأول وكأنه خلق لحظيا بعد أن صنعه الله كتمثال من طين ثم نفخ فيه فأصبح إنسانا كائنا حيا، ويقول بأن الأرض لم يكن فيها كائنات لاحمة قبل الإنسان، وهذا ما يعارضه العلم والقرآن أيضا، وغير ذلك من الأمور التي اضطرت الكنيسة إلى إعلان دراسة نظرية التطور ضربا من الكفر.
فالموقف المتطرف للمسيحية إذًا من العلم الحديث له ما يبرره نظرا إلى التعارض الملحوظ بين النص الديني الثابت لديها ومعطيات العلم الحديث التي تشير بوضوح إلى بطلان ذلك النص، أو على الأقل بطلان طريقة فهمه الحالية، وكلا الأمرين تأباهما العقول المتحجرة.
إن اختلاف المسيحية مع داروين يتمحور في أصل التطور، المسيحية ممثلة في نص أول أسفار الكتاب المقدس (سفر التكوين) تنفي تطور خصائص الكائنات بشكل مطلق.
وليس قولنا هذا عن موقف المسيحية من «داروين» وما توصل إليه يعني أننا كمسلمين متفقون معه. بل إننا لدينا من التحفظات الجوهرية ما يحول دون ذلك الاتفاق، ووجه الاختلاف بين الإسلام وما عرضه داروين متمثل في مسألة المحرك الأساسي لتطور الأنواع وانتخابها. ويقدم حضرة مرزا طاهر أحمد (رحمه الله) جوابا رائعا على سؤال مطروح عن اليد المحركة للتطور كافة أشكال الحياة على الأرض، فيقول: «للإجابة على السؤال المتعلق بمن كان المسؤول عن اتخاذ القرار، خلال كافة العصور، وعند كل خطوة من مراحل التطور.. يقول القرآن المجيد:

تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (الملك: 2-5).

لو لم يكن لله تعالى وجود لما استطاعت الحياة أن تخطو على درب هادف، ولا أن تسير على نهج ذي غرض معين…… والسؤال الذي يلح الآن هو: لماذا واصلت الحياة تقدمها على طريق معين للتطور وفي اتجاه واحد محدد، وكأنه ليس من طريق آخر ولا من اتجاه مغاير؟!» (5)، ثم يتابع حضرته الكلام في نفس السياق بما يدل على أن تطور صور الحياة على الأرض بات أمرا لا مرية فيه، بيد أنه أسيء فهمه بالقول بأن اليد المحركة وراءه هي يد الانتخاب الطبيعي، بينما الحق الأجلى هو أن وراء تطور الحياة قوة عليا واعية مطلعة متمثلة في وجود الباري سبحانه وتعالى، هذا هو إذًا موقف الإسلام من فكرة تطور صور الحياة، وهذا الموقف يستند إلى القرآن المجيد وحده.
فما نود قوله أن مائدة الطرح العلمي في الإسلام منذ البدء تتسع للمختلف من الآراء أيضا دون أن يلغي أحدها الآخر أو يرميه بالكُفر كما يفعل تقليديو اليوم، فالتكفير بناء على الآراء العلمية هو خصلة مستوردة من خارج الإسلام، ولا أصل لها فيه.
وكما ذُكر آنفا، فموقف المسيحية الحالية المعادي للعلم له ما يبرره، ولكن ما يدعو للعجب هو موقف أكثر مشايخ المسلمين المعاصرين، والذين لا يقدمون مستندا معقولا يعادون على أساسه العلم الحديث عموما ونظرية التطور خصوصا، سوى أنهم يتبعون سنن من كان قبلهم، فيكفرون صاحب النظرية ودارسها كما كفَّرتهما الكنيسة من قبل. وإنه لمن دواعي العَجَب أن نرى مشايخ التقليد من المسلمين ينساقون وراء موقف المسيحية المعادي للعلم، على الرغم من أن واحدة من كبرى الجمعيات المسيحية المناهضة لنظرية التطور، وتعرف بجمعية الخلقيين (creationism)، عبر موقعها الرسمي على الإنترنت، تعبر بصراحة عن اختلافها الذي يصل إلى درجة العداء مع النص القرآني، وليس ثمة تفسير لهذا العداء إلا اختلاف موقف القرآن الواضح من العلم بشكل عام ونظرية التطور على وجه الخصوص مع موقف الكتاب المقدس، وإلا لو كان الخلاف محصورا في العقيدة، فليس محله صفحة تُعنى بالخلق وكيفيته.
هذا بالإضافة إلى ذيوع دلائل تراثية تشير إلى أن علماء مسلمين كثيرين سبقوا داروين في القول بتطور الأنواع استنادا إلى القرآن وحده. فبينما يُعزَى لداروين الفضل في إضافة الكثير لنظرية التطور بالقرن الـ 18، إلا أنه من الثابت أن العلماء المسلمين وضعوا أسس تلك النظرية قبل ميلاد داروين بقرون. فأبو عثمان عمرو بن بحر البصري، المعروف باسم الجاحظ (776- 868)، كان بالفعل من أوائل العلماء الذين ناقشوا نظرية التطور، حيث يرى الجاحظ أن العوامل البيئية تدفع الكائنات إلى تطوير خصائصها لتضمن بقاءها، وتقوم بتوريث تلك الخصائص للأجيال القادمة.
ثم نصير الدين الطوسي (1201-1274)، وهو من أهم علماء المسلمين، كما يعده ابن خلدون أهم العلماء الفرس، وألَّف الطوسي الكثير من المراجع، أهمها مرجع أخلاق نصير الذي كتب فيها عن التطور، ويرى أن جميع العناصر خلقت بنسب متساوية قبل أن تحدث بعض الظروف التي أدت إلى تطور خصائص بعضها بنسب تختلف عن غيرها.
كذلك هناك محمد النخشبي، أحد العلماء المسلمين بالقرن العاشر وقد عاش في وسط آسيا، والذي كتب هو أيضا في موضوع نشوء المخلوقات.
نتوصل إلى ما مفاده أن لا إشكال ولا تناقض يُذكر بين الإسلام الذي أنزله الله تعالى على سيدنا محمد ومعطيات العلم الحديث، بل إن العلاقة بين الطرفين تكاملية بحتة، حتى إن من الفقهاء المسلمين من عد دراسة علوم عصرية كالطب والهندسة وغيرهما فرض كفاية، يأثم المجتمع ككل لو نبذها ظهريا. أما النزعة المتطرفة في معاداة العلم الدنيوي والتي يتبناها المشايخ المسلمون المزعومون، فلا أصل لها في هذا الدين الحنيف، ولا تفسير لها سوى نبوءة ذكرها لنا نبي السلام جاء فيها:

«لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ» (6).

1. ترجمة بتصرف، نقلا عن «المجلة القومية للرياضيات»، ج15، عدد 2، نوفمبر 1940، ص74-82، نشر تايلور وفرنسيس المحدودة بالنيابة عن جمعية الرياضيات الأمريكية.
2. خطاب حضرة المصلح الموعود في يونيو/حزيران 1928م، والمنشور لاحقا بعنوان «المحسن إلى العالم».
3.(العلق: 6)
4. خطاب حضرة المصلح الموعود في يونيو/حزيران 1928م، والمنشور لاحقا بعنوان «المحسن إلى العالم».
5. حضرة مرزا طاهر أحمد (رحمه الله)، الوحي والعقلانية والمعرفة والحق،، الفصل السابع بعنوان «الانتخاب الطبيعي وبقاء الأصلح»، الترجمة العربية، ص431-432.
6. صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء.