من روائع البيان عند المسيح الموعود عليه السلام

حلمي مرمر

كاتب
  • أزاغ الله قلوب العلماء المزعومين بسبب فسادهم في الأرض وميلهم إلى الدنيا.
  • قد ضلَّ العلماء المزعومون المسلمون ويُضِلّون الناس الأبرياء معهم عن تعاليم الإسلام الحقيقية.
  • 3. بعث الله تعالى المسيح الموعود عليه السلام ليشخص المرضَ ويصف له الدواء.

الأصل في الحياة الإحياء لا الإماتة، والخير لا الشر، والإصلاح وليس الإفساد، فمن خالف ذلك القانون فقد أوجب على نفسه العقوبة، ليدرك خطأه، ويقوِّم معوجه، ويذوق وبال أمره، حتى يعرف للذنوب مُرَّ مذاقها، ونَتن ريحها، وخبث منتهاها، فيبغضها ويبغض المروجين لها، ويعرف للطاعة والخيرات حلاوتها وطلاوتها، وعَرفَها وطيبَها وشذاها، فيعشقها ويهيم بها، ويكون بأهداب التقوى من المتمسكين. وفي هذا السياق، نجد المسيح الموعود يقول عن قومه بعدما طاغوا وزاغوا، وعصوا وأفسدوا، وباعوا منهج الصلاح بالمجان، وهو الحال نفسه الذي أصاب مفاصل الأمة الإسلامية جميعاً في كل صقعٍ وكَفْرٍ ونجعٍ، فأقعدها مع المفلوجين:

«وأزاغ الله قلوب علمائنا وفقرائنا، وأطفأ نور قلوبهم حتى عادوا إلى الجهالة التي أُخرجوا منها بما كانوا يفسدون في الأرض، وما كانوا من المصلحين. ففنوا في الأهواء، واستكانوا في الآراء، ووهنوا وكسِلوا، وذرّت ريح الجهل ترابهم، وسُلبت قواهم كلّها فصاروا كالميّتين.»
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (1) أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (2)

ذلك كتاب الله الذي جاء الإمام ليثبت أنه ليس حكايات وأقاصيص قد حدثت في الماضي، وإنما هو واقع متجدد، وكتاب مسطور هو مُناظِر لكتاب مَنْظُور، يسير معه جنباً إلى جنب، كلاهما مرآة الآخر، هو كتاب هداية للبشرية يوجد حيث توجد، ويؤتي ثماره كلما خوت بطونهم، ويُنزل عليهم الغيثَ كلما أمحلت وأقحلت أرضهم، وهو المسيح الموعود الذي لا يحيد قيد شعرة عن تعاليم كتابه، وهَدْي شريعته، يستشهد بآيات الله التي تصف حال الظالمين وعذابهم، ولو كانوا الأهلَ والأقربين، والآباء والأجداد، محذراً للأمة من تنكب طرقهم، واتباع سبيلهم، والاستنان بسُنتهم، ففيها الهلاك كله، وها هو المثال أمامهم. فيقول :

«وأزاغ الله قلوب علمائنا وفقرائنا، وأطفأ نور قلوبهم حتى عادوا إلى الجهالة التي أُخرجوا منها بما كانوا يفسدون في الأرض».

إذن قد زاغت القلوب، وزيغ القلوب مبدأ الضلالات، فابتدأ بها عباراته، فجنحوا إلى الدنيا وشهواتها، والمال وبريقه، والسلطة والكراسي والمناصب وإغراءاتها، وأخذ كلُّ واحد منهم ينظر إلى ذاته، ويُلمَّع اسمه، ويجمع حوله المصفقين والمؤيدين والأنصار، ينتصر لرأيه، وهم كالعميان ينتصرون له، وكانوا له تبعاً.
والملاحَظ أنه بدأ بالعلماء، ثم أتبعهم الفقراء، لأن ذلك هو الترتيب الذي نراه يحدث كل يوم، وفي كل أمة وجيل، العلماء رؤوس القوم وجبالهم، أما البقية فأيادي وأرجل وأعين وآذان لهم، وتلال وهضاب وسهول وأودية، ولأن ذلك الشعور متمكن منهم، وهم له عارفون، يأتون يوم القيامة وهم يلقون بلائمتهم عليهم قائلين:

رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (3)

لكنهم عندما تزوغ قلوبهم، فإنها تكون قد زاغت وفيها خيطٌ من نور، وبقيةٌ من طُهر، أطفأها زيغُهم، وأتى عليها حتى أفنى آخر قطراتها سوءُ اختيارهم، فلم يعد لغراس الطهر حياة في أرض الدَّنَس، ولم يعد للنور عمل يقوم به في بلاد العميان (فأطفأ نورَ قلوبهم)

إذن قد زاغت القلوب، وزيغ القلوب مبدأ الضلالات، فابتدأ بها عباراته، فجنحوا إلى الدنيا وشهواتها، والمال وبريقه، والسلطة والكراسي والمناصب وإغراءاتها، وأخذ كلُّ واحد منهم ينظر إلى ذاته، ويُلمَّع اسمه، ويجمع حوله المصفقين والمؤيدين والأنصار، ينتصر لرأيه، وهم كالعميان ينتصرون له، وكانوا له تبعا.

كل ذلك لم يكن قسراً وقهراً وإجباراً، إنما كان نتيجةً طبيعيةً لإرادةٍ أرادوها، ووِجهةٍ توجهوها، واختيارٍ بمحض إرادتهم اختاروه، (ولا يظلم ربك أحداً)، وعادوا إلى الجهالة التي كانوا قد أُخرجوا منها بمحض فضل الله ورحمانيته الخالصة، بما كانوايفسدون في الأرض وبما كانوا يظلمون.
العدل أساس الملك، والظلم هدمٌ لهذا الأساس وتقويضه، وإحلال التبار والهلاك والخراب محلَّه.
ثم يقول المسيح الموعود : «ففنوا في الأهواء، واستكانوا في الآراء، ووهنوا وكسِلوا، وذرّت ريح الجهل ترابهم، وسُلبت قواهم كلّها فصاروا كالميّتين.»
بعدما غاب الصلاح وحلَّ الطلاح، وزاغت القلوب وسكنتها الأهواء، وغاب منها الله واحتلتها الشياطين، لم يعد للفطرة التي فطر الله الناسَ عليها وجود، وإنما صارت الأجساد وكراً للأهواء حتى مُسخت وطُمست، واستحالت الأجساد والأنفس والقلوب والأرواح أهواءً، ولم يعد لهم من أهدافٍ إلا التمسك بآرائهم، وتركوا كتاب الله وأسوة رسوله وراء ظهورهم كالمنبوذات، فوهنت قواهم الروحية، وتلاشت صبغتهم الربانية، ولم يعد لهم من ذات عليا يطمحون إلى أن يحوذوا مثالها، ويقتفوا أثرها، ويستضيؤوا بضوئها، فاستبد بهم الكسل، وأقعدهم عن حركة الحياة التي خُلقوا من أجلها، وانقطعوا عن نور السماء، وغلَّقوا عليهم كل منفذٍ لضياء، فجهلوا، فخفَّت أوزانهم، بعدما كانوا قد أُودعوا ملَكات وقدراتٍ تُنبتُ فيهم كل ألوان الحبوب والغلال والثمار، وكان ترابُهم تُربةً نادرة المثال، فريدة وحيدة في خصبها وزروعها وبكارتها، لكنهم أحالوا تلك التُّربة الخصيبة النادرة هباءً منثوراً، تأخذه الريح كلَّ مأخذ، وتلعب به الأهواء في كل ملعب، وما له من قدْرٍ ولا قيمةٍ ولا إرادة ولا مشيئة، فبات الغالي في أيديهم رخيصاً، والسمين بتهاونهم غثَّاً، وبات مصيره في يد غيره، وبئس المصير.
وظنوا أن ما بأيديهم من قشر لُبَّاً خالصاً، وما يشربون من سُمٍّ لبناً سائغاً، وما تنتجه عقولهم بديلاً خيراً من كلمات الله وآياته، فتركوا الخير كلَّه، وحازوا الشر كله، فجهلوا بعد علم، وضلوا بعد هُدى، وكفروا بأنعم الله بعد إيمان بها، وانقطعوا عن الحياة الحقيقية فكانوا ميتين.

إن القوم الذين قصَّ لنا المسيح الموعود قصتهم لم يكونوا بدعاً من القوم، إنما نحن أمثالهم، وهم كانوا أمثالاً لأسلافهم، وسوف يكون بعدنا من يتخذ منا نسخة أخري تشيع في البلدان، ويكون لها صور شتى في الأنحاء، لذلك جاء إمام الزمان يقدم لنا النموذج، ويضرب المثل، ويشخص المرض، ويكشف عن العَرَض، ويصف الدواء، ويقدمه بيده للمرضى، ويقول لهم : اشربوا من يدى هنيئاً مريئاً فإني جئت بكم رحيماً …

انظر إلى هذا التسلسل الرائع، والترتيب الفائق، والاستقراء الذي هو ظل لتجارب الناس الحياتية المتكررة، كيف بدأ المسيح الموعود وصف حالهم بزيغ القلوب، ثم انتهى بهم المآل إلى الموت الزؤام الذي ليس بعده شيء، فقد اتبعوا خطوات الشيطان، ولو كانوا من أهل بيت الله، لالتزموا شِرعتَه، واتبعوا قانونَه، وطبقوا دستورَه، وتنعموا في ظلاله، ولأدركوا بطرفة عين، أن الله حذرهم من اتباع تلك الخطوات المشؤومة، لكنهم زاغوا عن مصدر الضوء فأُطفئت أنوارهم، ووهنوا لانطفاء ذلك الضوء، وكسلوا لَمَّا غابت عنهم قواهم، فجهلوا لما فقدوا معلمهم وفقدوا ملَكات التعلُّم أيضاً، فانقطعوا من ذلك كله فماتوا.
إن القوم الذين قصَّ لنا المسيح الموعود قصتهم لم يكونوا بدعاً من القوم، إنما نحن أمثالهم، وهم كانوا أمثالاً لأسلافهم، وسوف يكون بعدنا من يتخذ منا نسخة أخرى تشيع في البلدان، ويكون لها صور شتى في الأنحاء، لذلك جاء إمام الزمان يقدم لنا النموذج، ويضرب المثل، ويشخص المرض، ويكشف عن العَرَض، ويصف الدواء، ويقدمه بيده للمرضى، ويقول لهم : اشربوا من يدي هنيئاً مريئاً فإني جئت بكم رحيماً.

المراجع:
1. (الشمس 10-11)
2. (الكهف 88-89)
3. (الأحزاب 68-69)