• إلهامات المسيح الموعود عليه السلام مملوءة من أنباء الغيب

أيّها الإخوان، إني أُلهمتُ من حضرة العزّة، وأُعطيتُ عِلْمًا من علوم الولاية، ثم بُعثتُ على رأس المائة، لأجدّد دين هذه الأمّة، ولأقضي كحَكَمٍ فيما اختُلفَ فيه من العقائد المتفرقة، ولأكسرَ الصليب بآيات السماء، وأبدّلَ الأرض بقوة حضرة الكبرياء. واللهُ سمّاني المسيح الموعود والمهدي الموعود بإلهام صريح، ووحيٍ بيِّنٍ صحيح، وما كنت من المخادعين. وما كنت أن أفُوه بزُورٍ، وأدلِّي بغرور، وتعلمون عواقب الكاذبين، بل هو كلام من ربّ العالمين. ومع ذلك كنتُ حرَّجت على نفسي أن لا أتّبع إلهامًا أو كُرّرَ* من الله إعلاما، ويوافِقَ القرآنَ والحديثَ مرامًا، وينطبقَ انطباقا تماما. ثم كان شرطٌ مني لهذا الإيعاز أن لا أقبَلَه مِن غير أن أنظر إلى الأحياز، ومِن غير أن أشاهد بدائعَ الإعجاز. فوالله رأيت في إلهامي جميع هذه الأشراط، ووجدتُه حديقة الحق لا كالحَماط. ثم كان هذا بعدما استطارتْ صُدوع كبدي من الحنين إلى ربّي وصَمَدي، ومُتُّ ميتة العشّاق، وأُحرقتُ بأنواع الإحراق، وصُدمتُ بالأهوال، وصُرِمَ قلبي من الأهل والعيال، حتى تمَّ فعل الله وشُرح صدري، وأُودِعَ أنوار بدري. ففزتُ منه بسهمَين: نور الإلهام ونور العينين. وهذا فضل الله، لا رادَّ لفضله، وإنه ذو فضل مستبين.
وقد ذكرتُ أن إلهاماتي مملوءة من أنباء الغيب، والغيبُ البحت قد خُصّ بذات الله من غير الشك والريب، ولا يمكن أن يُظهِر الله على غيبه رجلا فاسِدَ الرويّة، وخاطِبَ الدنيا الدنيّة. أيحبّ اللهُ امْرَأً بسَط مكيدةً شِباكَ الردى، وأضلّ الناسَ وما هدى، وأضرّ الملّةَ كالعِدا، وما جلّى مطلعَها بنور صدقه وما راح بِهَمِّها وما غدا، بل زاد بكذبه صَدَأَ الأذهان، ونشَر بمفترياته هَباءَ الافتنان؟ كلا.. بل إنه يخزي المفترين، ويقطع دابر الدجّالين، ويُلحِقهم بالملعونين السابقين.
ثم اعلموا أني قد كنت أُلهمتُ من أمد طويل، وعلمتُ ما علمتُ من ربٍّ جليل، ولكني استترتُ عن الخَلق حينًا، لا يعرفون لي عَرينا، وما اخترتُ منهم نجيّا وقرينا. فلما أُمرتُ للإظهار، وقُطعتْ سلسلة الاعتذار، فلبّيتُ الصائتَ كطائعين. وقد بلغكم الأحاديثُ من المحدِّثين، وسمعتم أن المسيح الموعود والمهدي الموعود يخرج عند غلبة الصليب، ويتلافى ما سلَف من الإضلال والتخريب، ويهدي قومًا مهتدين. والذين منعتْهم الحميّة والنفس الأبيّة من القبول، فيصيرون بحَرْبة الإفحام كالمقتول. وأما نزوله إلى الأعداء فأُشيرَ فيه إلى أنه رجل من الفقراء، لا يكون له دروع وأسلحة، ولا عساكر ولا مملكة، ولا تنبري له ملحمة، بل تكون له سلطنة في السماء، وحربة من الدعاء. فقد رأيتم بأعينكم أن دين الصليب قد علا، وكل أحد من القسوس طعَن في ديننا وما أَلا، وسبَّ نبيَّنا وشتم وقذف وقَلا. وتجدونهم في عقيدتهم متصلبين، ومن التعصب ملتهبين، وعلى جهلاتهم متفقين. وقد صنّفوا في أقرب مدّة كتبًا زُهاءَ مائة ألف نسخة، وما تجدون فيها إلا توهين الإسلام وبهتانا وتهمة، ومُلئتْ كلها مِن عَذِرة لا نستطيع أن ننظر إليها نظرة. وترون أن أكثرهم أناس مكائدهم كالهوجاء الشديدة جارية، وقلوبهم مِن كسوة الحياء عارية. وتشاهدون أنهم على رؤوس العامة كداعي الثبور والويل، وتُدفَع إليهم زُمَعُ الناس كغثاء السيل. وما أقول إنهم يُنصَرون من السلطنة أو يُواسَون من أيادي الدولة، بل الدولة البرطانية سوّتْ رعاياها في الحرّية، وما غادرت دقيقة من دقائق النَّصَفة، وكلُّ فرقة نالت غاية رجائها في أمور الملّة، وما ضُيِّقَ على أحد كأيّام «الخالصة»، واسترحنا مُذْ علِقنا بأهدابها، فندعو لها ولأركانها ولأربابها. وأما القسوس فلا يأتيهم من هذه الدولة شيء يُعتدّ به من مال الإمدادات، بل اجتمع شملهم بما أنهم قبضوا من قومهم كثيرا من الصِّلاتِ ونصُّوا الإحالاتِ، وما برحوا يجمعون القناطير المقنطرة من عين الإعانات، وأموال الصدقات من النقود والغلاّت. فكل من دخل دينهم رتّبوا له وظائف وصِلاتًا، وزوّدوه بتاتًا، وجمعوا له شتاتًا. وكذلك قوَّى أمرَ قسيسين مالُهم، وزاد منه احتيالهم. استحضروا كل آلات الاصطياد والإِسار، واستعملوا من المجانيق الصغار والكبار. وأُنهِضَ إلى كل بلدةٍ جماعةٌ من المتنصّرين، فعمروا بِيَعًا وسكنوا فيها كالقاطنين، وجرَوا كالسيول في سكك المسلمين. وجعلوا يخادعون أهلها بأنواع الافتراء، ثم بإرسال النساء إلى بيوت الشرفاء. فالغرض أنهم زرعوا المكائد من جميع الأنحاء، وانتشروا كالجراد في هذه الأكناف والأرجاء، وقَلَوا كلَّ مَن أحيا معالم الهدى، وجعلوا بلادنا دار البلاء والرَّدَى. وملّتُهم الباطلة أحرقتْ مجالس ديارنا وأكلتها، وما بقي دار إلا دخلتها، ولم يجد أهلُها العوامُّ للدفاع استطاعةً، ولا للفرار حيلة، فصُبّت مصائب على الإسلام ما مضى مثلها في سابق الأيام. فنراه كبلدة خاوية على العروش، وفلاة مملوءة من الوحوش. وإن بلادنا الآن بلاد انزعج أهلها، وتشتّتَ شملها، فليَبْكِ عليها من كان من الباكين (نجم الهدى، ص 23-27)