• روح القداسة والطهارة في القرآن تثبت أنه وحي من الله.
  • العقل والمنطق تُدين ساحة الكفار وتثبت افتراءهم.
  • كلام الله الحق ينشئ ويوطد العلاقة بين العبد وربه.
  • الأدلة العقلية التي تثبت أن القرآن وحي من الله.

قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رّبِكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (103)

شرح الكلمات:
الحق: حَقَّه حقًّا: غلَبه على الحق. وحقَّ الأمرَ: أثبتَه وأوجبَه؛ كان على يقين منه. وحقَّ الخبرَ: وقَف على حقيقته. والحقُّ: ضدُّ الباطل؛ الأمرُ المقضيُّ؛ العدلُ؛ المِلكُ؛ الموجودُ الثابتُ؛ اليقينُ بعد الشك؛ الموتُ؛ الحزمُ (الأقرب).
ربك: ربُّ كل شيء: مالكُه؛ مستحقُّه أو صاحبُه. رَبَّ الشيءَ: جمَعه؛ ملَكه. رَبَّ القومَ: ساسَهم وكان فوقهم. رَبَّ النعمةَ: زادها. ربَّ الأمرَ: أصلحَه وأتمَّه. رَبَّ الدُّهنَ: طَـيَّـبَه وأجاده. رَبَّ الصبيَّ: ربَّاه حتى أدركَ (الأقرب).
ليثبّتَ: ثَبَتَ الأمرُ عند فلان: تحقَّق وتأكد. ثبَت فلانٌ على الأمر: داوَمَه وواظَبَه. ثبَّتَه وأثبتَه: جعَله ثابتًا في مكانه (الأقرب).

التفسـير:
لقد رد الله هنا على طعن الكفار بطريق آخر فقال:
أولاً: قُلْ نزّله روحُ القدس .. أي أن هذا الكتاب يحتوي على تعليم مقدس طاهر جدًّا، فلو كان من افتراءِ كذابٍ للزم أن تروا فيه ما يدل على مصلحة ومكسب لمن يختلقه. اقرؤوا القرآن كله، فهل تجدون فيه ما يدل على أي أثر لجشع أو مصلحة شخصية من قبل محمد؟ كلا، بل إن هذا الكلام ينمّ عن روح القداسة والطهارة. فما دمتم قد جرّبتم هذه الطهارة والقداسة في هذا الكلام من جهة، ومن جهة أخرى بدا لكم اختلاف بينه وبين الأسفار السابقة، ولم تستطيعوا التوفيق بينهما، فكان الأَولى بكم أن تدركوا من ذلك بمنتهى السهولة أن تلك الأسفار لا بد أن تكون قد تعرضت للتلاعب والتحريف، بدلاً من أن تستنتجوا من ذلك أن القرآن ليس من عند الله؛ إذ من المستحيل أن يخلو وحي الله من روح القداسة والطهارة، ويتسم كلام المفتري بهذه الميزة!
وقال ثانيًا: إنه بالحق نزّله.. أي أن هذا الكتاب مشتمل على ما هو حق وصدق. إن كل قضية اختلف فيها القرآن مع الأسفار السابقة – إذا لم يكن سببه اختلاف الحاجات باختلاف الزمن – فستجدون فيها الحق مع القرآن دومًا، إذ ستجدون العقل مؤيدًا لموقف القرآن ورافضًا لموقف الكتب السابقة، مما يشكّل برهانًا ساطعًا على صدق القرآن الكريم. خذوا مثلاً قضية عبادة الإسرائيليين للعِجل، فإن القرآن الكريم يبرئ ساحة هارون من هذا العمل الوثني (طه: 91)، ولكن التوراة تتهمه بالتورط في عبادة العجل؛ وأي شك في أن الحق مع القرآن، لأن العقل يرفض تورط نبي من الأنبياء في الشرك. ثم إن التوراة نفسها تذكر أن الذين اتخذوا العِجل إلهًا قُتلوا، ولكنها تعود وتعارض نفسها بنفسها حيث تقول بعد ذكر حادث العجل مباشرة بأن الله تعالى لم يأمر بقتل هارون بل أنعم عليه بشرف خاص إذ جعل عملَ الكهانة خاصًّا بنسله. وهذا يدل أن هارون سلك في حادث العجل سلوكًا محمودًا، ولم يتورط في الشرك كما اتهمته التوراة من قبل (خروج 32: 27 و28، خروج 40: 12- 15).
إذن فما من أمر قد اختلف فيه القرآن مع الكتب السابقة إلا وثبت، بناء على العقل أو النقل أو بكليهما، أن موقف القرآن صحيح وموقف التوراة باطل. مما يؤكد أن اختلاف القرآن مع الأسفار السابقة ليس دليلاً على أنه من افتراء محمد وليس من عند الله تعالى، بل إنه برهان أكيد على أن القرآن وحي إلهيّ جديد محفوظ، وأن الكتب السابقة قد صارت محرفة مبدلة.
وثالثًا: والدليل الثالث الذي تذكره هذه الآية على كون القرآن من عند الله تعالى هو أنه هُدىً متجسد.. أي أنه ينشئ بين الله والعبد صلة سليمة ويوصله إلى العتبة الإلهية؛ وهذا التأثير لا يمكن أن يوجد في كلام المفتري. فما دام العمل بالقرآن يوصل الإنسان إلى الله تعالى بينما تخلو الكتب السابقة من هذه الميزة اليوم، فثبت أن تلك الأسفار قد نزلت من عند الله تعالى فعلاً إلا أنها فقدت الآن الحيوية والتأثير إذ لا تلبي الحاجات التي يُتوقع منها تلبيتها؛ ولذلك فالحق مع القرآن عندما يختلف معها.
ورابعًا: إنه بشرى للمسلمين .. بمعنى أن العامل بالقرآن الكريم يرث بالفعل أفضال الله تعالى، ويُري الله في تأييده آيات من عنده. فلو كان محمد مفتريًا فكيف حقق هذه البشارات لصالح العاملين بكتابه. فلا شك أن ما يقدّمه من تعليم هو من عند الله تعالى الذي يحقق هذه البشارات، لأن المفتري يمكن أن يدّعي دعاوى عريضة، ولكنه لا يقدر على تحقيقها.
هذه هي البراهين الأربعة التي ساقها الله في هذه الآية ردًّا على اعتراض الكافرين، والحق أن كل واحد منها ليكفي وحده لإبطال مطاعنهم.

فما دام العمل بالقرآن يوصل الإنسان إلى الله تعالى بينما تخلو الكتب السابقة من هذه الميزة اليوم، فثبت أن تلك الأسفار قد نزلت من عند الله تعالى فعلاً إلا أنها فقدت الآن الحيوية والتأثير إذ لا تلبي الحاجات التي يُتوقع منها تلبيتها؛ ولذلك فالحق مع القرآن عندما يختلف معها.

وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِين (103)

شرح الكلمات:
بشرٌ: البشر الإنسانُ ذكرًا وأنثى، واحدًا أو جمعًا، وقد يُثنَّى كقـول القـرآن:
أنؤمن لِبَشَرَينِ مثلِنا (الأقرب).
لسان: المِقْوَلُ أي آلةُ القول؛ اللغةُ، مؤنَّثٌ وقد يذكَّر باعتبار أنه لفظٌ، فيقال: لسانُه فصيحة وفصيح.. أي لغتُه فصيحة أو نطقُه فصيح (الأقرب).
يُلحِدون: لحَد بلسانه إلى كذا: مالَ. ألحدَ فلانٌ: مالَ عن الحق (المفردات).
أعجميٌّ: الأعجمُ: مَن لا يُفصح ولا يبيّن كلامَه وإن كان من العرب؛ مَن ليس بعربي وإن كان أفصح بالعَجَمية (الأقرب).

التفسـير:
تتحدث هذه الآية عن اعتراض آخر للكافرين ما زال حتى اليوم موضع نقاش بين المسلمين والنصارى، وقبل أن أبين معاني هذه الآية أود أن أكشف زيف هذا الاعتراض.
قال الكافرون أن محمدًا – – لا يتلقى الوحي من الله تعالى، وإنما يعلّمه أحد الناس. إن القرآن الكريم لم يسمِّ هذا الشخص، ولكن يبدو من كلمات هذه الآية أنهم قصدوا بذلك شخصًا معينًا كانوا يرددون اسمه في دعايتهم ضد النبي . ويقول القرآن ردًّا عليهم: لسان محمد عربي ولسان ذلك الشخص أعجمي، فكيف يمكن لمحمد أن يؤلف كتابًا عربيًّا مُبِينًا باستعانة مَن لسانه أعجمي؟
لقد نقل المفسرون عن هذا الشخص روايات شتى منها: قيل هو عبدٌ لِحُوَيْطَب بن عبد العزّى اسمُه عائش أو يعيش، كان يقرأ الكتب، وقد أسلمَ وحسُن إسلامه؛ وكان الكفار يقولون أنه يعلّم محمدًا. قاله الفراء والزجاج (روح المعاني).
وقال مقاتل وابن جبير: هو أبو فُكَيهة، وكان مولى لامرأةٍ بمكة. قيل: اسمه يسار، وكان يهوديًّا (المرجع السابق).
“وأخرج آدم بن أبي أياس والبيهقي وجماعةٌ عن عبد الله بن مسلم الحضرمي قال: كان لنا عبدان نصرانيان من أهل “عين التمر” يقال لأحدهما يسار وللآخر جبر. كانا يصنعان السيوف بمكة، وكانا يقرءان الإنجيل. فربما مر بهما النبي وهما يقرءان، فيقف ويستمع. فقال المشركون: إنما يتعلم منهما” (المرجع السابق).
“وفي بعض الروايات أنه قيل لأحدهما: إنك تعلِّم محمدًا ؟ فقال: لا، بل هو يعلّمني” (المرجع السابق).
“وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كان بمكة غلام أعجمي رومي لبعض قريش يقال له بلعام، وكان رسول الله يعلّمه الإسلام. فقالت قريش: هذا يعلّم محمدًا .” (المرجع السابق)
وقال السيوطي: هو قَينٌ نصراني كان النبي يدخل عليه (الجلالين).
وفي رواية في “الدر المنثور” × أنهم عَنَوا به عبدًا لأوسة بن ربيع اسمه عداس.
“وفي رواية أنه عداس غلام عتبة ابن ربيعة” (القرطبي)
وقيل: إنه سلمان الفارسي رضي الله عنه (روح المعاني والكشاف).

لذي يجهل اللغة العربية لا يمكن أن يعلّم أحدَ العرب شيئًا، كما أن الذي تكون حالته العقلية متردية بحيث لا يقدر على التعبير السليم لا يستطيع هو أيضًا أن يزود غيرَه بشيء من المعارف.

أما المستشرقون فقد نقل الدكتور سيل عن الدكتور بريديا قوله في كتابه “سيرة محمد”: كان الناس يقولون إن محمدًا كان يتعلم على يد عبد الله بن سلام الذي كان شهيرًا بين اليهود باسم عبديا بن سلوم. ثم يعلّق الدكتور سيل على ذلك قائلا: إن د. بريديا قد أخطأ فظنَّ أنه عبد الله بن سلام. لا، بل هو سلمان الفارسي.
ويضيف د. سيل: هناك رأي سائد بأن محمدًا استعان بقسيس نسطوري اسمه “سِرجِيوس”، وهو بحيرا الراهب الذي قابل محمدًا خلال سفره إلى الشام للتجارة بأموال السيدة خديجة. وقد استشهد د. سيل على ذلك بقول للمؤلف الشهير المسعودي الذي كتب بأن بحيرا الراهب كان يُعرَف عند النصارى باسم “سرجيوس” (تفسير القرآن لـِ “ويري”).
أما القسيس “ويري” فيقول بعد نقل شتى الآراء والروايات: مهما اختلفت الروايات في تحديد اسم هذا الشخص فإننا نتوصل منها إلى نتيجة حتمية أن محمدًا كان قبلَ الهجرة يملك من الوسائل ما مكّنه بالاستعانة ببعض اليهود والنصارى. والسور القرآنية من أواخر الفترة المكية تشكل دليلاً قاطعًا لا يمكن رفضُه على استعانة محمد بهؤلاء، حيث تذكر هذه السور القِصصَ الواردة في كتب اليهود والنصارى.
ثم يضيف هذا القسيس: يبدو من هذه الآية أن جيران محمد كانوا يتهمونه بالاستعانة بالأديان الأخرى، ولكن ما رد به القرآن على هذا يكشف في الواقع ضعف موقف محمد. ولذلك فقد علّق السيد أورنلد على ذلك قائلاً: بالرغم من التسليم بكونهم من الأعاجم فإن هذا لا يمنعهم من أن يهيئوا لمحمد مادة للتأليف.
ثم يعلق “ويري” قائلا: وهذا هو بالضبط ما كانوا يفعلون لمحمد. كانوا يمدّونه بالمادة الخام، فكان يصوغ منها القصص والأحداث كما يحلو له تأييدًا لدعواه، ليعزوها إلى الله تعالى قائلا: هذا ما نزل به الملاك جبريل عليّ من عند الله . ولا نتردد في تكرار هذه التهمة القديمة نفسها بأن محمدًا كان يفتري على الله الكذب (المرجع السابق).
إلى هنا نقلتُ آراء المفسرين المسلمين وأفكار المؤرخين المسيحيين وأقوال القسيسين، والآن أتوجه إلى بيان مفهوم الآية.
يتضح من هذه الآية أن بعض الكافرين كانوا يقولون إن شخصًا يعلّم محمدًا ما يعرضه على الناس باسم القرآن. فرد الله عليهم أن لسان ذلك الشخص أعجمي، ولكن القرآن عربي مبين. ويقول الكتّاب النصارى إن هذا الجواب ليس بسليم، لأن المعترضين ما كانوا يقولون بأن هذا الشخص كان يصوغ مفاهيم القرآن في قالب اللغة العربية، وإنما كان يمدّ محمدًا بما ورد في كتب اليهود من مطالب ومفاهيم، فكان محمد يصوغها بأسلوبه العربي.
والرأي عندي هو:

أولاً: لا بد للباحث – بهدفِ فهمِ أي كتاب – من أن يفحصه أولاً بشكل عام. فلو كان القرآن يرد على المطاعن الأخرى أيضًا بكلام تافه يُعوزه القوة والإقناع – كما يزعم القسيس “ويري” والسيد أورنلد بصدد هذه الآية- فيمكن أن نعير رأيَهما اهتمامًا، أما إذا ثبت أن ردود القرآن الكريم على مطاعن المعترضين الأخرى مقنعة ومصحوبة بالأدلة والبراهين فلا مناص من أن نقول إن القسيسين لم يفهموا اعتراض الكفار أو لم يستوعبوا رد القرآن عليهم.
وثانيًا – إذا كان جواب القرآن غير مقنع – كما يزعم القُسس – فلماذا لم ينبرِ أهل مكة لرفضه؟ أعني إذا كان اعتراضهم هو نفس ما يفهمه هؤلاء القُسس فكان يجب أن يردّ الكفار على محمد قائلين: إنا لا نقول بأنك تصوغ هذا الكلام العربي بمساعدة أحد من العبيد اليهود أو المسيحيين، وإنما نقول إنه يزودك بالمادة الخام، لتعرضها علينا بأسلوبك العربي. ولكنا لا نجد في التاريخ حتى رواية ضعيفة سجّلت مثل هذا الاعتراض من قبل الكفار؛ علمًا أنه لا يمكن لأحد أن يظن أن المسلمين ربما أخفَوا اعتراض الكفار هذا ولم يدوّنوه في تاريخهم، ذلك لأن المسلمين قد سجّلوا بأيديهم في كتب الأحاديث عشرات الروايات التي تمثّل إساءة إلى النبي ، فكيف يمكن أن يخافوا من نقل اعتراض الكفار هذا؟
فثبت من صمت الكفار أنهم أدركوا بهذا الرد القرآني أن محمدًا قد فهم اعتراضهم جيدًا، وأجابهم بحسبه أيضًا.
والآن تعالَوا نَرَ ماذا يقصد القرآن الكريم بهذا الجواب؟ ولكي نستوعب مراد القرآن هنا يجب أولاً أن نفهم جيدًا معنى كلمة أَعْجَميّ . هناك كلمتان في اللغة العربية تُستخدَمان للعرب وغير العرب هما: العرب والعجم. والأعجمي مشتقة من العجم، فقد ورد في القاموس: “رجلٌ أعجمُ وقوم أعجمُ” (تاج العروس).. أي من ليسوا من العرب.
كما تذكر القواميس أن الأعجم مَن لا يُفصح ولا يبين كلامَه وإن كان من العرب. والأعجم أيضًا مَن في لسانه عجمةٌ وإنْ أفصَحَ بالعربية. والأعجمي مثلُ الأعجم (تاج العروس).
والجدير بالذكر هنا أن كلمة أعجمي لم ترد هنا صفةً لذلك الشخص وإنما جاءت وصفًا للسانه حيث قال الله تعالى: لسانُ الذي يُلحِدون إليه أعجميٌّ .. أي أن لغته غير لغة العرب، أو أنه ركيك اللغة لا يقدر على التعبير الفصيح رغم كونه من العرب أو رغم تكلُّمه بالعربية.
وعلى ضوء هذين المعنيين للأعجمي يمكن تفسير الآية كالتالي:
1- يقول الكفار: هناك شخص آخر يعلّم محمدًا، ولكن الذي يعزون إليه هذا القرآن لغته غير عربية.
2- أو أن ذلك الشخص لا يقدر على التعبير عن أفكاره بطريقة سليمة، ولكن لغة القرآن عربية تبلغ من الفصاحة والبلاغة بحيث تفيض بالمعاني والمعارف.
وكلا الجوابين معقول جدًا ومدعَّم بالدليل ومفحم للخصم، ذلك لأن الذي يجهل اللغة العربية لا يمكن أن يعلّم أحدَ العرب شيئًا، كما أن الذي تكون حالته العقلية متردية بحيث لا يقدر على التعبير السليم لا يستطيع هو أيضًا أن يزود غيرَه بشيء من المعارف.