• يبعث الله الأنبياء لإزالة العوائق الموجودة في سبيل التقرب إليه تعالى.
  • أربع علامات للمقربين.

قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (43)

شرح الكلمات:
العرش: سريرُ المَلِك؛ العزُّ؛ قِوامُ الأمر؛ ركنُ الشيء. وعرشُ البيت: سقفُه. والعرشُ: الخيمةُ؛ البيتُ الذي يُستظلّ به؛ شبهُ بيت من جريد يُجعَل فوقه الثُمام (الأقرب).

التفسير:
لقد ذكر هنا على الفور مثالاً للتصريف الذي مر ذكرُه من قبل، حيث تحدَّثَ مرة أخرى عن الشرك، ولكن دون أن يكرر ما قاله من قبل، بل أتى ببرهان آخر وهو: إذا كان الشرك منهجًا سليـمًا فلِمَ لم يصبح المشركون من الواصلين بالله ؟ هذا هو المراد من قوله تعالى إذًا لابتغَوا إلى ذي العرش سبيلاً .. أي لو كان الشرك منهجًا صحيحًا لتمكَّنَ أهله من إنشاء صلة مع صاحب العرش، إذ يجب أن يفتح عليهم اتصالُهم ببنات الله وأبنائه أبوابَ التقربِ إليه سبحانه وتعالى.
لقد سجّل القرآن الكريم في موضع آخر منه دعوى المشركين بأن غرضهم من عبادة الأصنام هو التقرب إلى الله تعالى، إذ قالوا: ما نعبُدهم إلا ليقرِّبونا إلى الله زُلْفَى (الزمر: 4). إذَنْ فالله تعالى يدحض هنا الشركَ بناءً على دعواهم هذه نفسها، فيقول: ما دام هدفهم من ذلك أن يحظَوا بوصال ذي العرش، وما داموا قد أنشئوا الصلات مع المقرّبين لديه في زعمهم، فيجب أن يكونوا محظوظين بقربه، ولكن لا يوجد فيهم أية آثار للتقرب إليه .
وقد بين القرآن الكريم علاماتِ المقربين لدى الله تعالى كما يلي:

العلامة الأولى:
استجابة الدعاء، قال الله تعالى:
وإذا سَأَلَك عِبادي عني فإني قريبٌ أُجِيبُ دَعوةَ الدّاعِ إذا دَعانِ (البقرة: 187).. أي حين يسألك عبادي عني قُلْ لهم: إني قريب منكم. وعلامة قربي منهم أنني أستجيب دعاء الداعي.
وهذه العلامة تبلغ من الصحة بحيث إن المشرك أيضًا لا يسعه إنكارها. ولكن لا أثر لها عند أهل الشرك، إذ ليس بينهم من يدّعي استجابة دعواته. لم يوجد في الدنيا إلى اليوم شخص واحد ادعى الوصالَ بالله تعالى بوساطة الأصنام، وأنه تعالى يسمع دعواته ويتقبلها، وأن الدنيا قد شهدتْ آياتِ الاستجابة الإلهية لدعواته.

العلامة الثانية:
يقول الله عن المقربين لديه
لا يسمَعون فيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا* إلا قِيلاً سَلامًا سَلامًا (الواقعة: 26 و27).. أي مِن علامة مقام القرب الإلهي أنه لا يكون فيه شيء من اللغو والإثم، بل يكون الناس في مأمن من شر الآخرين، وكل شخص فيه يسعى لسلامة غيره، كما ينال السلامَ من الله أيضًا. ولا يمكن لأي مشرك أن ينكر هذا المعيار أيضًا، إذ من الظاهر الجلي أن من يكون مقرَّبًا لدى الله تعالى لا بد أن يحترزَ الأمورَ التي تدخل في حكم اللغو والإثم، ويعيشَ عبدًا لله تعالى، ساعيًا لخير عباد الله الآخرين، متجنبًا الفسادَ.
وهذه العلامة أيضًا لا تتوفر في أي من الوثنيين. خُذوا الشق الأول من هذه العلامة، وهو اجتناب اللغو. متى يتحاشى المشرك اللغوَ؟ كلا بل إنه يأتي المَهازلَ بسبب شركه، حيث يعظّم ويسجد لشيء موهوم لا علمَ لـه به، ولا ضررَ يأتي منه؛ ويقف العاقل مدهوشًا مذهولاً برؤية أفعاله هذه. فمثلاً مَن من العقلاء يستسيغ هذه الغوغاء المُثارة في الهند عن قداسة البقر. إن عَبَدَةَ البقر هؤلاء يحرمون ولدَها من لبنها ليستأثروا به، ويأكلون الحبوب والغلال بينما يُطعمون البقر الكلأَ والحشيش، ويقيّدونها في الحظائر، ويسخّرون ذُكورَها في حمل أثقالهم وكذلك في أسفارهم، ويضربونها؛ ومع كل هذا يعتبرونها إلهًا مقدَّسًا! والأغرب أنهم مع ذلك يسخَرون من المسيحيين بأنهم اتخذوا الإنسان الضعيف إلهًا. أما المسيحيون فيضحكون بدورهم على الهندوس بأنهم يعتبرون حيوانًا ضعيفًا إلهًا! ولا يملك الإنسان الموحِّد لدى رؤية هذه المهازل إلا أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.

إذا كان الله تعالى لا يهب أحدًا قربَه بوساطة أحد، فلماذا يبعث الأنبياء إذنْ، ولماذا فرض علينا الإيمان بهم؟ والجواب: أن النبي إنما يُبعث لإزالة العوائق الموجودة في سبيل التقرب إلى الله تعالى، ولتوجيه أنظار الناس إليه . فلا يقف النبي سدًّا عائقًا بين الله وبين العبد، بل رغم وجود النبي تبقى لكل عبد علاقةٌ مباشرة مع الله تعالى.

والشق الثاني من العلامة الثانية للمقرَّبين أنهم يجتنبون الإثم. والوثني يستحيل عليه اجتنابُ الإثم وهو يشرك. إننا لا نشك في وجود بعض أهل الصلاح بين الوثنيين، ولكن صلاحهم لا يرجع إلى وثنيتهم، وإنما يكون على حسابها؛ ذلك أن فطرتهم تظل صالحة، فلا يقدر الشرك أن يؤصِّل فيها جذورَه. خُذوا مثلاً البقر، فإن عَبَدَةَ البقر يؤذون إلههم هذا بأنواع الأذى. والحق أنهم مضطرون لذلك، لأن الله خلَق البقر من أجل فائدة الإنسان، فلا بد لهم من تسخيرها لصالحهم. والنتيجة أنهم يسخّرونها في أعمالهم من جهة، ومن جهة أخرى ينتابهم شعور مضطرد بالإثم جراء تسخيرهم لها، فتفسُد ضمائرهم.
ثم إن هؤلاء الهندوس الوثنيين يحتفلون بما يُطلقون عليه اسم «دَسَهْرَه» (1)، ثم بعد الاحتفال ينتابهم تفكير مريب بأن «رام شندر» كان كَهْتريًّا، وأن «راوَن» كان بَرَهْمَنًا، وإهانة البرهمن إثم؛ فيقومون بالتوبة في يوم آخر كفّارةً عن هذا الإثم. ونفس الحال للمسيحيين حيث يؤمنون أن المسيح إله من جهة، ومن جهة أخرى يحمّلونه آثامهم. وعقيدة الشرك هذه قد فتحت عليهم أبواب كل معصية، إذ يظنون أن إلههم المسيح قد حمل عنهم مسؤولية ذنوبهم.

والعلامة الثالثة:
للمقربين لدى الله تعالى أنهم يُعطَون العصمة والحماية من عنده تعالى. وهذه الميزة أيضًا لا تتوفر في المشرك، ولن تتوفر فيه، إذ كيف يمكن أن يتمتع بالحفظ والحماية مَن يخضع ويسجد للأشياء التي سخّرها الله للإنسان.

والعلامة الرابعة:
للمقربين لدى الله تعالى أنهم يصبحون لله تعالى، فيعاملون عبادَه الآخرين بالحسنى، لكي يزداد الناس سلامًا ووئامًا. وهذه الميزة أيضًا لا يمكن أن يتحلّى بها المشرك، لأن التوحيد هو وحده القادر على توطيد السلام في العالم، بينما لن يؤدي وجود الآلهة المتعددة إلا إلى الفُرقة والفساد. والحق أن الحروب بين الأقوام إنما تنشب بسبب الآلهة القومية، فالهندوسي مثلاً لا يمكن أن يؤمن بالمسيح، والمسيحي لا يمكن أن يعبد البقر؛ ولكن هؤلاء جميعًا يمكن أن يعبدوا إلهًا واحدًا، وبالتالي يمكن ضمان السلام العالمي.
هذا، ومن معاني قوله تعالى إذًا لابتغَوا إلى ذي العرش سبيلاً أن الرسول r يقول لهم: لو كان هناك آلهةٌ أخرى في الواقع لاتصلتم بهم يا أعدائي، ليدلّوكم على ما يجعلكم قادرين على إضراري وإبادتي، ويعرّفوكم إلى صاحب العرش لِيَدُلَّكم على خطةٍ تنجحون بها في مقاومتي. فازدهاري المضطرد رغم ضعفي، وانقراضكم المستمر رغم عبادتكم للأصنام واستعانتكم بها، يدلّ على أن عقيدة الشرك باطلةٌ، وأن لا جدوى منها.
ولقد اهتدى بهذا البرهان كثير من المشركين الكبار. فقد ورد في الحديث الشريف أن النبي r لما جاءته النساء يبايعنه يوم فتح مكة قال لهن: لا تُشركْنَ بالله. وكانت بينهن هند زوجةُ أبي سفيان التي لم تملك نفسها وقالت: يا رسول الله، كيف نشرك بالله بعد هذا كله؟ لو كانت أصنامنا تملك شيئًا لنُصْرتنا لما انتصرتَ علينا رغم كونك وحيدًا ضعيف الحيلة! (2)

الله تعالى يدحض هنا الشركَ بناءً على دعواهم هذه نفسها، فيقول: ما دام هدفهم من ذلك أن يحظَوا بوصال ذي العرش، وما داموا قد أنشئوا الصلات مع المقرّبين لديه في زعمهم، فيجب أن يكونوا محظوظين بقربه، ولكن لا يوجد فيهم أية آثار للتقرب إليه .

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (44)

شرح الكلمات:
تعالى: ارتفعَ (الأقرب). ورَاجِعْ أيضًا شرح الكلمات للآية رقم 5 من هذه السورة.

التفسير:
إن كلمة عُلُوًّا التي هي من بـــاب (نصَر ينصُر) هي توكــيد لفِعـل تعالَى الذي هو من باب التفاعل. وفي القرآن أمثلة أخرى لمثل هذا الاستخدام كقوله تعالى وأنبتَها نباتًا حسنًا (آل عمران: 38). وقد قال المفسرون إن هذا الأسلوب يزيد التوكيد شدةً حيث يقدَّر فعلٌ ومصدر إضافيان (روح المعاني)؛ والتقدير هنا: تعالَى الله تعاليًا وعلا عُلُوًّا عما يقولون؛ ومفهوم الجملة أنه مما يتنافى تمامًا مع عظمة الله أن يهب لأحد قُرْبَه بوساطة أحد، إذ ليس من الحكمة أن يخلق الله الإنسانَ بيده، ثم يضع العراقيل في طريق معرفته به .
قد يقول قائل: إذا كان الله تعالى لا يهب أحدًا قربَه بوساطة أحد، فلماذا يبعث الأنبياء إذنْ، ولماذا فرض علينا الإيمان بهم؟ والجواب: أن النبي إنما يُبعث لإزالة العوائق الموجودة في سبيل التقرب إلى الله تعالى، ولتوجيه أنظار الناس إليه . فلا يقف النبي سدًّا عائقًا بين الله وبين العبد، بل رغم وجود النبي تبقى لكل عبد علاقةٌ مباشرة مع الله تعالى.

(1) احتفال هندوسي بذكرى الانتصار الذي حققه «الراجا رام شندر» – سابعُ الشخصيات المقدسة لدى الهندوس، والذي كان ينتمي إلى طبقة «كَهْتَري» ثانيةِ الطبقات الأربع في الديانة الهندوسية – على عدوِّه «الراجا راوَن» الذي كان ينتمي إلى طبقة «بَرَهْمَن» وهي أعلى الطبقات الهندوسية. (المترجم)
(2) هناك رواية تنسب هذا المعنى إلى زوج هند أبي سفيان حيث ورد أن الزبير بن العوّام قال لأبي سفيان يوم الفتح حين كُسر صنمُ هُبَل: «يا أبا سفيان، قد كُسر هُبَل! أما إنك قد كنتَ منه يومَ أُحُدٍ في غرور، حين تزعم أنه قد أنعمَ! فقال أبو سفيان: دَعْ هذا عنك يا ابنَ العوّام، فقد أَرَى لو كان مع إلهِ محمدٍ غيرُه لكان غيرَ ما كان.» (كتاب المغازي للواقدي: شأن غزوة الفتح ج 2 ص 832) (المترجم)