- فما الأسباب الحقيقية التي دفعت بعض قبائل الجاهلية إلى ممارسة وأد بناتهم؟
- وهل كان الوأد عادة عامة عند العرب أم ظاهرة فردية في قبائل محددة؟
- وكيف فند المقال قصة وأد عمر لابنته من الناحية التاريخية والمنطقية؟

_____
البداية من النهاية، وقيمة الأنثى في الإسلام
المرأة في الإسلام إنسان مكرم، حظيت ببرٍ عظيم، حيث أوجبت الشريعة الغراء والسنة السمحاء إكرامها والإحسان إليها، والرفق بها. والقرآن الكريم مملوء بالإشارات، الدالة بشكل مباشر، على إكرام الأنثى كمخلوق ذي روح وشخصية، وهي تفضل الذكر في مواطن، ومن اللطائف التفسيرية للنص الحكيم، يقول سيدنا المصلح الموعود في معرض تفسيره الآية السابعة والثلاثين من سورة آل عمران:
ومما أُثر عن النبي في حسن معاملة البنات قوله :
(2) كما قا أيضا :
وقال : «استوصوا بالنّساء خيرا.»(4) فغاية القول في هذا الباب أن الإسلام انتقل بالمرأة من حال إلى حال، فضمن لها على سبيل المثال لا الحصر ذمة مالية خاصة، تتيح لها البيع، والشراء، والتعاقد، والتصدُّق من مالها الخاص دون وصاية، كما أبقى لها اسمها ونسبها.
الجذور التاريخية لوأد البنات، وهل كان عادة اجتماعية أم ظاهرة فردية؟!
لا يخفى على أحد سوء وضع المرأة العام خلال فترات طويلة من التاريخ، وذلك من نواح شتى، وهنا نكتفي بالإشارة إلى حال العرب قبل الإسلام، أي عرب الجاهلية، والذين عرفت لديهم ظاهرة وأد البنات، التي وإن لم تأخذ منحى العادات والتقاليد، إلا أنها تبلورت في صورة ظاهرة مذمومة، ورغم ذلك لم تلق جزاء وفاقا من التجريم.
لا بدّ من الإشارة إلى أنّ قتل الأولاد لم يكن بدعة عربيّة، إذ قامت بعض الأمم القديمة بما هو أشنع، إذ كانت إسبرطة تقضي بإعدام الأولاد الضعاف، أو المشوّهين عَقب ولادتهم، أو تركهم في القفار طعامًا للوحوش والطيور، وكانت الأمّ تغمس الوليد في دنّ من النبيذ مدّة، فإنْ عاش دلّ هذا على قوّته وصلاحيّته للحياة، وإنْ مات تخلّص المجتمع من عضو ضعيف، وهذا النظام نفسه، أو ما يقرب منه كان منتشرًا في أثينا وروما، وقد أقرّه فلاسفة اليونان، وفي مقدّمتهم أفلاطون وأرسطو(5). وكذلك كان يجب على الآباء عند بعض الشعوب البدائيّة قتل أولادهم، أو بعضهم لاعتبارات دينيّة، أو اقتصاديّة، فيُستحيا البنات، ويُقتل البنون، أو يُستحيا البنون، وتُقتل البنات(6). فلم يكن وأد البنات أمرا مقصورا على العرب القدامى، لكنه كان ظاهرة اجتماعية عامة، ولدى العرب كان ظاهرة فردية ذميمة واسعة الانتشار، ولو نسبيًّا، وقد وقفت وراءها أسباب اجتماعية شتى، إذ كان العرب، في ظل سيادة نظام الأسرة الأبوية، يؤثرون البنين على البنات، وذلك للدور الرئيس الذي كان يلعبه الرجل في الاقتصاد والصيد والغزو والحروب، في حين تقلص دور المرأة في القطاع الاقتصادي، وتركز على تربية الأطفال وأعمال الطهي وتدبير شؤون البيت الأخرى.(7)
وجاء في المستدرك وغيره عن عمر قَالَ: “وُلِدَتْ حَفْصَةُ وَقُرَيْشٌ تَبْنِي الْبَيْتَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ بِخَمْسِ سِنِين”(14). فإذا كان عمر لم يئد أكبر بناته وأول أولاده؛ فذلك أدل على امتناعه أن يئد الأصغر منها، كما أنه لم يرد إلينا شيءٌ من أخبار تلك الموءودة ولم تُذكَر في أبنائه مطلقًا
ويُرجع بعض المؤرخين تاريخ الوأد إلى الفترة ما بين أواخر القرن السادس وأوائل السابع الميلادي، زمن النعمان بن المنذر، ملك الحيرة، فيقولون أن بني تميم منعوا الملك ضريبة الإتاوة التي كانت عليهم، فجرد النعمان عليهم حملة أوقعت بهم وسبت نساءهم. فأثاب القوم وسألوه النساء، فقال النعمان: كلّ امرأة اختارت أباها تركت عليه، فكلّهن اخترن آباءهنّ إلّا ابنة لقيس بن عاصم فإنها اختارت صاحبها عمرو بن المشمرج، فنذر قيس ألّا يولد له ابنة إلا قتلها، واعتلّ بهذا من وأد وزعم أنّه أنفةٌ وحميّة.(8)
وكان مولد الذكر لدى العرب بعامة والأعراب بخاصة مبعث سرور وفرح، بينما كانت ولادة الأنثى مبعث غم وهم وكرب عظيم، لا سيما في أوقات سوء الحال الاقتصادية، أو غياب الأمن بسبب الغارات المتبادلة بين قبائل البدو، وقد صور لنا نص التنزيل الحكيم هذه الحال في قول الله :
كذلك فإن الشعر الجاهلي، بوصفه ديوان العرب، قد سجَّل هذا الوضع الاجتماعي من تفضيل الأعراب الذكور على الإناث، ومما نقله إلينا الرواة بهذا الصدد ما روي عن امرأة أبي حمزة الضبي، إذ هجرها زوجها حين ولدت بنتًا، واتهمها بأنها مئناث لا تنجب إلا الإناث، ومر يوما بخبائها، فإذا هي تُرَقِّصُ صغيرتها وترتجز قائلة.(10)
ما لأبي حمزة لا يأتينا
يظل في البيت الذي يلينا
غضبان أن لا نلد البنينا
تالله ما ذاك في أيدينا
وإنما نعطي الذي أعطينا
ونحن كالأرض لزارعينا
ننبت ما قد زرعوه فينا
كما وقفت عوامل شح الموارد والمجاعات وراء ممارسة الوأد، حيث جعلت الإنفاق على الإناث عبئا لا يطيق المُقدم على وأد ابنه تحمُّله، لا سيما قبل أن يتمثَّل الناس فحوى النهي القرآني:
ويذهب الباحثون المعاصرون إلى أن الوأد لم يكن عادة شائعة في قبائل العرب قاطبة على نحو ما صوره لنا بعض المؤرخين والمستشرقين في الماضي، وإنما كانت تمارسه بعض القبائل أمثال تميم، وكندة، وقيس، وأسد، وهذيل، وبكر بن وائل، وحتى هذه القبائل نفسها لم يفش الوأد في أفرادها جميعا، فلو كانت ممارسة وأد البنات تجري بالفعل كعادة منتشرة زمن الجاهلية بين العرب قبل الاسلام، فهنا يطرأ التساؤل عن الكيفية التي تناسل بها هؤلاء الجاهليون وتكاثروا! فهذا مؤذن بفناء القبيلة، خصوصا إذا وضعنا في الحسبان أن الزواج من خارج القبيلة كان يُعدُّ أمرًا متعسرا. غير أن ما يطمئن العقل إليه في هذا المقام أن الوأد كان معروفا لدى القبائل العربية، وكان يمارسه واحد من أفراد القبيلة مقابل عشرة يتركونه.(12)
السعي لتوريط الفاروق في الفعلة الشنعاء، وبراءته المثبتة بالأدلة عقلا ونقلا
نظرا إلى المكانة البارزة التي تبوأها ثاني الخلفاء الراشدين في تاريخ الإسلام، فإنه لم يسلم من التهم الموجهة إليه زورا وبهتانا، ومنها ما ذكر عنه أنه مَن وأد ابنةٍ له في الجاهلية. وخلاصتها: أنّه كان جالساً مع بعض أصحابه، إذ ضحك قليلاً، ثم بكى، فسأله مَن حضر، فقال: كنّا في الجاهليّة نصنع صنماً من العجوة، فنعبده، ثم نأكله، وهذا سبب ضحكي، أما بكائي، فلأنه كانت لي ابنة فأردت وأدها، فأخذتها معي، وحفرت لها حفرة، فصارت تنفض التراب عن لحيتي، فدفنتها حية.
وعلى الرغم من أن أيًّا من المصادر التاريخية لم يشر إلى هذه الواقعة، إلا أنها، للأسف الشديد، تجد فرصة للترديد على ألسنة بعض المُحدثين المتأثرين بالتوجهات الاستشراقية. غير أننا نقرأ للأستاذ عبّاس محمود العقاد تفنيدا لهذه التهمة في كتابه عبقرية عمر، حيث شكك العقاد في صحة هذه القصة؛ لأنّ الوأد لم يكن عادة شائعة بين العرب. وإمعانا في سرد أدلة براءة الفاروق نورد أمورا كثيرة، منها أنه تزوج من زينب بنت مظعون (رضي الله عنها) فولدت له السيدة حفصة أم المؤمنين (رضي الله عنها)، وهي ابنته الكبرى، ولدت قبل البعثة النبوية بخمس سنين(13). وجاء في المستدرك وغيره عن عمر قَالَ: “وُلِدَتْ حَفْصَةُ وَقُرَيْشٌ تَبْنِي الْبَيْتَ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ بِخَمْسِ سِنِين”(14). فإذا كان عمر لم يئد أكبر بناته وأول أولاده؛ فذلك أدل على امتناعه أن يئد الأصغر منها، كما أنه لم يرد إلينا شيءٌ من أخبار تلك الموءودة ولم تُذكَر في أبنائه مطلقًا، كما أن سيدنا عمر بن الخطاب ينسب إلى بني عدي، الذين لم يعرف فيهم وأد البنات؛ وليس أدل على ذلك من حياة أخته فاطمة (رضي الله عنها)، التي تزوجت سيدنا سعيد بن زيد ابن عم سيدنا عمر ، وكانت هي وزوجها سببًا في إسلام سيدنا عمر وإعزاز الإسلام به. كما كان زيد بن عمرو بن نفيل، عمّ عمر وحمي أخته، معروفا بمجابهته لوأد البنات وإنقاذ الموءودات في الجاهلية، وكان عمر يحترمه، ممّا يجعله بعيدا عن هذه الممارسة كلّ البعد.
فغاية القول أنْ ليس لهذه القصة وجود إلا لدى مبغضي عمر وكارهيه، الذين يتعمدون تشويه صورته في نفوس الناس، فيضعون الروايات لأجل هذا المسعى الخبيث.
ومما يدل أيضا على بطلان هذه القصة: ما رواه النعمان بن بشير
فرواية سيدنا عمر بن الخطاب لفعل قيس بن عاصمٍ دليلٌ على بطلان الوأد المنسوب إليه زورا؛ إذ لو كان قد حصل منه ذلك فعلا لذكره في ذلك الموقف الذي سئل فيه عن الوأد. وعلاوة على ما سبق فإن تحليلنا لسياق المقام المحيط بالرواية التي رواها عمر بن الخطاب عن قيس بن عاصم عندما ذكر وأد بناته أمام النبي ، نخلُص إلى أنَّ عمر كان مستمعًا، لا أكثر، فلم يشر أي من المصادر التاريخية إلى أنه أقرَّ بهذه الفعلة، بل كان مجرَّد مستمع. إذن، فالتهمة القائلة بقيام سيدنا عمر بوأد ابنته في الجاهلية، إنما هي افتراءٌ مَحضٌ، ظاهرُ البطلان؛ بالأدلة المروية والمعقولة، بل الثابت خلاف ذلك تماما.
الهوامش:
- Mirza Bashir Ud Din Mahmoud Ahmed, The Holy Quran with English Translation and Commentary, Vol 2, P 479-480, Islam International Publications Limited.
- أخرجه ابن ماجه (3669)
- رواه أبو داود والترمذي والإمام أحمد.
- صجيج مسلم، كتابالرضاع
- عبد القادر بن عمر البغداديّ، خزانة الأدب لسان العرب، تحقيق عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1997.
- أبو عبيد البكري، سمط اللآلي في شرح أمالي القالي، تحقيق عبد العزيز الميمني، دار الكتب العلميّة، بيروت، 1935.
- حسن علي مجلي، وأد البنات والبنين في صحراء الجزيرة العربية واليمن، مجلة الرابع عشر من أكتوبر، بتاريخ 22 سبتمبر 2013
- أبو المعالي محمد بن حمدون، التذكرة الحمدونية، ط1، ج7، ص333، دار صادر، بيروت، 1417 هـ
- (النحل: 59-60)
- بشير يموت، شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام، ط1، ص193، المكتبة الأهلية، بيروت، 1934م.
- (الأَنعام: 152)
- ينظر: أبو الفضل الميداني، مجمع الأمثال، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، ج1، ص125، بيروت، 2003م.
- ينظر: ابن كثير، البداية والنهاية، ج7، ص156، دار إحياء التراث.
- مستدرك الحاكم
- رواه البزار.