• عادات تبتعد بالناس عن فلسفة الشهر الكريم
  • التقوى ثمرة الصيام
  • كيف نحقق إرادة الله من الصيام؟

عادات تبتعد بالناس عن فلسفة الشهر الكريم

أَفرُع من الزينة بكل ألوان الطيف، فوانيس لامعة براقة مضاءة، أغنيات وتواشيح ترحب بقدوم ذلك الشهر الكريم، محلات وباعة متجولون يُلحون في عرض الزينات والفوانيس، آلاف الدكاكين التي تعرض أصناف الطعام والشراب التي لا تؤكل ولا تُشرب أيام الفطر والإباحة، وإنما فقط في رمضان، تتحول الشوارع وواجهات المنازل إلى ما يشبه السيرك أو الموالد الشعبية للأولياء ومشايخ الصوفية، يستدين التجار من البنوك قروضاً ربوية من أجل شراء مستلزمات شهر رمضان من أنواع الأطعمة والأشربة، فهو لهم موسم ربح وفير لا يأتي إلا في العام مرة، قال لي أحدهم ذات يوم: ربح العام كله في كفة، وربح تجارة شهر رمضان في كفة. كذلك يستدين البسطاء لمواجهة متطلبات هذا الشهر المرهقة، وترى أحد الرجال كاسف البال مغتماً، كأنه يحمل فوق ظهره جبلاً، فتسأله: مالك؟ فيخبرك أنه لا يعرف كيف يواجه شهر رمضان، كأنه عدوٌ كان يودّ أن يكون على أتم استعداد أن يبارزه، فللعام كله ميزانية مالية، ولشهر رمضان ميزانية تعدلها، ثم ترى الناسَ يدعو بعضهم بعضاً على موائد الإفطار، كأنها عادة، وليست عبادة.

وترى أحد الرجال كاسف البال مغتماً، كأنه يحمل فوق ظهره جبلاً، فتسأله: مالك؟ فيخبرك أنه لا يعرف كيف يواجه شهر رمضان، كأنه عدوٌ كان يودّ أن يكون على أتم استعداد أن يبارزه، فللعام كله ميزانية مالية، ولشهر رمضان ميزانية تعدلها، ثم ترى الناسَ يدعو بعضهم بعضاً على موائد الإفطار، كأنها عادة، وليست عبادة.

التقوى ثمرة الصيام

وترى الداعي يجتهد غاية الاجتهاد لتكون مائدته انعكاساً لحياة ترف يود أن يظهر بها أمام مدعويه، ليرسخ في أذهانهم أنه ترقى من طبقة اجتماعية متدنيةٍ كان عليها في الماضي، إلى درجة أرقى، وأرقى، ثم بعد أيام قلائل، يتحول الذين كانوا مدعوين إلى داعين، لكي لا يكون أحدٌ خيراً من أحد، إذ كيف يُطعمنا ولا نطعمه؟ وكيف يرينا من زُخرف منزله ولا نريه؟ وكيف تكون له يدٌ علينا وما لنا عليه من يد؟ وهم يتصورون أنهم بذلك يُطعمون الطعام، كما كان رسول الله يُطعمه، وهم لا يفعلون، لأن إطعام الطعام ينبغي أن يكون لمن هو في حاجةٍ إليه، ولا يجد إليه سبيلاً، أما إطعام من هو قادر أن يَطعَمَ ويُطعِم، فليس إلا ضرباً من العبث، والإسراف، والتفاخر المقيت، إن هؤلاء يُذنبون، حيث يظنون أنهم بسُنة رسول الله يستنون، وبقدوته يقتدون.

هذا حال المتدينين الذين يعظّمون الشهر، ويعرفون بركاته، ويحرمون حرماته، فضلاً عن أولئك المثقفين التنويريين، الذين لا يرون للشهر بركات، ولا يعرفون له حُرمات، وينظرون إلى تلك الصيام والسحور والإفطار وصلاة التراويح وكافة مظاهر الشهر الكريم، على أنها نوع من التراث الفلكلوري، الذي يجب أن تقف علاقة الإنسان به عند حد التفكُّه والتندُّر والسخرية، رغم كون هؤلاء في عداد المسلمين.

الحق أن هؤلاء المتدينين ينطبق عليهم قول رسول الله :

«ارجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»(1)،

أما المثقفون التنويريون فقد قال عنهم المسيح الموعود أنهم يعيشون عيشة إلحادية، تنطق ألسنتهم بالشهادتين، وتنكرها قلوبهم. يمتنع الناس عن الطعام والشراب والنكاح نهاراً، ثم إذا جاء الليل يستبيحون ذلك كله أضعافاً مضاعَفة، حتى عن الحد الذي كانوا يأكلون ويشربون طيلة أحد عشر شهراً أُخَر، وترى الجميع يعرفون وقت أذان المغرب والفجر بالدقيقة والثانية، رغم أنهم من قبل لم يكونوا يعرفون إن كان الوقت وقت الأذان، أم أقل بساعة، أو أكثر بساعتين، ذلك ليعلم متى سيلتهم الطعام والشراب، ومتى سوف يُحرَم منه، فيخرج من رمضان وقد أصابته تُخمة، وعلاه شحم ولحم يئن من ثِقله، لقد سمن وكان ينبغي أن ينحف، لقد ثقل وكان ينبغي أن يخف، ذلك أن من غايات الصيام أن يخف البدن وينحف، لتُحلق الروح وتسمو، فلم يؤدِّ الغاية، إنما ضِدها، ثم إنه لا يزال ـ وهو صائم ـ يقاطع أقاربه، ويجافي صديقه، ويخاصم جاره، ويختلس النظر إلى مفاتن النساء، ويخونه لسانه فينُم ويغتاب، ويخالف القانون، ويغافل رجل المرور ويكسر الإشارة، ويعطّل أعمال الناس ولا يسيّرها إلا برشوة، وإن ذهب إلى عمله يتكاسل، ويتململ، ويتثاءب، متعللاً بالصيام، ويتشاجر مع الناس بداعٍ وبغير داعٍ، ملقياً بالمعتبة على الصيام الذي يجعل الصدور حرِجة، والأرواحَ في المناخِر، إن ذلك لو صام قلبه واستقام، لصام عن ذلك كله واستقام أيضاً، ليس في رمضان وحده، بل لاستحال العام كله عنده رمضان وصوماً واستقامة. كيف نحقق إرادة الله من الصيام؟إن الناظر ـ حتى غير المتأمل ـ في صوم الناس يُدرك انحراف نهجهم الذي ينهجون عن النهج الذي أراده الله لهم، حيث أنه ما أراد بهم جوعاً وعطشاً وحرماناً، كما يقول تعالى:

يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (2)،

بل أراد أن تتولد في قلوبهم تقوى، لم تكن لتتولد فيها إلا بالصيام:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (3)،

وجدير بالذكر أن قوله تعالى (كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم) فيه إعلام أن الصيام كان وسيلة التحلي بالتقوى عند الأمم جميعاً، وأن الله تعالى كان يهدف من وراء الأمر بالصيام منذ أول تشريع نزل على آدم ، وصولاً إلى خاتم النبيين محمد إلى أن يصل الناس جميعاً إلى درجة التقوى، وفي هذا المقام يقول المصلح الموعود حضرة مرزا بشير الدين محمود رضي الله عنه في التفسير الكبير تحت هذه الآية أن الله تعالى: «نبّه المسلمين أن الصيام عملُ خيرٍ وثوابٍ وتضحيةٍ مشتركٌ بين جميع الأديان، ولقد قام أتباعها بهذا العمل طاعة لله تعالى. ومن المؤسف جدا أن تفرُّوا من عمل خير وتقوى حاولت كل الأمم الحصول عليه» (4). وقال رضي الله عنه تحت هذه الآية أيضاً: «فيقول الله: أيها المسلمون، احذروا. لقد فرضنا عليكم الصيام، ونخبركم أيضا أنه كان مفروضا على الأمم السابقة، وأنهم قد أدُّوا هذه الفريضة قدر المستطاع. ولو أنكم قصَّرتم في أدائها لاعترض عليكم أهل الأمم السابقة وقالوا: لقد فرض الله علينا الصيام، وعملنا بالأمر الإلهي. ولما فرض عليكم لم تستجيبوا لأمر الله كما ينبغي. كأن الله قد استثار بهذه الطريقة غيرة المسلمين ورفع همتهم (5) ، ويزداد هذا الأمر وضوحاً عندما تطالع القرآن الكريم، فتجد كل نداء (يا أيها الناس) مقروناً بالكلام عن التقوى، وكأن الغاية العظمى من وحي الله وأنبيائه وكتبه أن يتحلى الناس بالتقوى، مما يؤكد أن الصيام كان عبادةً مشتركةً بين كافة أتباع الأديان السماوية، وكأن الصيام في أصله الأصيل وسيلة تبلّغك إلى التقوى، فصببْت كل جهودك على الوسيلة وأهملت الغاية كل الإهمال، كمن اشترى سيارة ليحمل عليها بضاعته إلى التجار في الضواحي، فأعجبه لونها، وفخامتها، ووجاهتها، فراح يبالغ في الحفاظ عليها، ويطمئن كل حين على سلامتها، ويتردد بها على أماكن الصيانة المختلفة، حتى غافلتْه عن الغاية التي من أجلها كانت، فأصبح وعنده سيارة، ولكن ليس عنده عمل تُبلِّغُه إياه.

كمن اشترى سيارة ليحمل عليها بضاعته إلى التجار في الضواحي، فأُعجبه لونها، وفخامتها، ووجاهتها، فراح يبالغ في الحفاظ عليها، ويطمئن كل حين على سلامتها، ويتردد بها على أماكن الصيانة المختلفة، حتى غافلتْه عن الغاية التي من أجلها كانت، فأصبح وعنده سيارة، ولكن ليس عنده عمل تُبلِّغُه إياه.

إن أصل الصيام معاناة، لكنها كمعاناة الأم التي تضع مولودها، فتصرخ وتتوجع، وتتألم أشد الآلام، وتكاد تُزهَق روحُها، لكنها مع أول صراخ وليدها تستكين، وتهدأ، ولا تستشعر إلا لذة الإنصات لصوت وليدها الذي طالما كانت تحلم به، وتودُّ لو كان بمقدورها أن تتحمل أضعاف ما تحملت في سبيل متعة هذا اللقاء، لتحملت، أو كمعاناة الذي يعبر صحراء قاحلة بلا زاد ولا شراب ولم يُجعل له من دون شدة وهج الشمس سِترٌ، وليس له من قيظ رمال الأرض واقٍ، فيبحث جاهداً عمّا يقيه النارَ المنصبةَ من فوقه، والنار المنبعثة من تحته، ولا يكون له من أمل إلا بلوغ الغاية، والفوز بالنجاة، والخروج من حر الحياة الدنيا، إلى ظلال الجنات الوارفات، ومن متاع قليل، إلى نعيم مقيم، ومن زُخرف زائل، إلى رب باقٍ، ويدعوه الشعور بشدة الحاجة أن يتوجه إلى ربه قاضي الحاجات، فإذا طالت شدته، طال توجهه، حتى يتحول توجهه إلى ربه إلى طبيعة تطبَّع بها، وصبغةٍ اصطبغ بها، وتنعكس صورة الله في قلبه انعكاس الشمس على صفحة الماء، فيراه، ويحبه، ويخشى أن يطّلع عليه وهو يعصاه، فيمتنع عن المعصية، ويتقيه، حفظاً لنفسه من الوقوع في الآثام، ويصير خيراً كله، فيلتقي الرمض الناتج عن الألم والحرمان، بالرمض الناتج عن الشغف والاشتياق إلى مَن تُرفع إليه التضرعات، وتستجاب عنده الدعوات، وتلك هي الغاية من الصيام، لعلكم تتقون .

إن الذي يسلك الصحراء ولم يكن له باجتيازها سابق خبرة، يصطحب معه دليلاً، ليضمن نجاته، ويصل به إلى غاياته،كذلك العابد المتوجه إلى ربه، يجب عليه أن يراجع نفسه كل حين، وينظر: أهو على الصراط المستقيم، أم تفرقت به السبل، وانحرف إلى التيه والضلال؟ وكذلك الصائم، فإنه يتحتم عليه أن يسأل نفسه كل يوم في رمضان: هل صمتُ اليوم؟ وإن كنتُ قد صمتُ، فإلى أي قدر بلغتُ من التقوى؟ فإن كان مستواه في تقوى الله وخشية الوقوع في الذلل قد نما ولو مثقال ذرة، فقد صام اليوم مثقال ذرة، وإن نمت تقواه مقدار شِبر، فقد صام ما يقربه من الله مقدار شِبر، وإن أكثر، فأكثر، أما إن كان يتلوّى من الجوع والعطش كل يوم وليس فيه أثر لنماء تقوى، فذلك ممن قال فيهم رسول الله :

«رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ» (6).

الهوامش:

1)صحيح البخاري، كتاب الأذان

2) البقرة 186

3) البقرة 184

4) التفسير الكبير المجلد الثاني، سورة البقرة

5) التفسير الكبير المجلد الثاني، سورة البقرة

6) سنن ابن ماجه، كتاب الصيام