شَهْرُ رَمَضَانِ.. رَبِيْعُ وَحْيِ السَّمَاءِ

حلمي مرمر

كاتب
  • رمضان.. الموسم الذي تتدلى فيه رحما الله.
  • الصيام هو تدريب على التخلي عن كافة المتع.
  • الذين ينضمون إلى الجماعة ينخرطون في عائلات ربانية.

تمر الأيام، وتتوالى الأعوام، وفي كل عام يأتينا رمضان كالربيع ينشر الخضرة في أرجاء القلوب، وتنمو أشجار الإيمان، وتُكسَى بالخضرة فروعها، وتخرج براعم أوراقها من مكامنها، وتتفتح أزهارها، وينتشر عبقها وعبيرها، ويفوح شذاها، فتسارع أنوف القلوب تنشق عبيرها، وتعيد الحياة لما كان قد ذبُل من أعشابها، يأتي رمضان.. اقرأ باسم رب، يذكرنا بأيام الله، وشوق رسوله وحنينه لوصال ربه، وكأن آيات القرآن تتنزل من جديد، وكأن جبريل يعاود تدلياته، وكأنه يعاود ما كان قد خاطب به رسولَ الله قائلاً لكل آدميٍّ من ذرية آدم:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (1)

إن معاودة قدوم رمضان هي معاودة تلاقح السماء ذات الرجع مع الأرض ذات الصدع، فتعاود أفضال الله وغيثه وعونه وربوبيته السرمدية التي لا تفتُر ولا تنقطع، فما دامت البشرية في حرقة ومصاعب وآلام، فإن القرآن يتنزل في حُلة جديدة بشفاءٍ لما في الصدور، فيكون بلسماً لحُرقتهم، ومُيسراً لمصاعبهم، ومداوياً لآلامهم وجراحهم، فإن لكل شيء موسماً يزدهر فيه، وينشط ويبلغ أعلى ترقياته، وإن موسم تدلي رحمات الله وأفضاله وبركاته على عباده في رمضان.

فإن لكل شيء موسماً يزدهر فيه، وينشط ويبلغ أعلى ترقياته، وإن موسم تدلي رحمات الله وأفضاله وبركاته على عباده في رمضان.

ولقد كتب الله تعالى علينا الصيام كما كتبه على الذين من قبلنا، ولكن بكيفيات مختلفة، وماهيات متباينة، حسب أمراض كل قوم وما يناسبها من دواء، فليس كل مريض يتداوى بدواء واحد، وإنما لكل داء دواء، فمن يكون في طبعه لين وطراوة، وخنوع وجُبنٌ، ومذلة وخضوع، كان صيامه بالكف عن تناول الخضروات والبقول، ومن كان في طبيعته شدة وقسوة، وعنف وضراوة، كانت المصلحة تقتضي أن يكون صومه في الكف عن تناول اللحوم، ومن كان وسطاً بيْن بيْن، كان صومه عن الصنفين معاً، ولا بأس أن يكون إفطاره عليهما معاً، فإنه في حاجة إلى تنمية الرحمة والمواساة، كما أنه في حاجة إلى إشعال جذوة الحماسة والشجاعة والإقدام في نفسه أيضاً، وكذلك كان الصوم في شريعة الإسلام.
والمتدبر في آيات الصيام في القرآن الكريم، يجد الله تعالى يقول بعدها:

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ (2) ،

مما يوحي أن الصائم لا محالة قد نال شرف العبودية لله، واستنزل عطفه عليه، واستحق استدرار رحماته، ونوال قُربه، والتنعم بجواره.
شرع الله في الشريعة الخاتمة ألاّ يصح الصيام إلا بالامتناع عن المباشرة الجنسية، ليسود شعور بين المؤمنين أن في الامتناع عن مباشرة الزوجة طاعةً لله وامتثالاً لأوامره، فما بالك بالعلاقات المحرمة؟! كذلك فإنه يتخلى كلياً عن الطعام والشراب الذي هو في الأصل من المباحات، ويعاني المخمصة والظمأ رغم توافر تلال من الخبز، وأنهار من ماء زلال.

… الصيام كأنه تدريبٌ على التخلي عن كافة المُتع، الأمر الذي من شأنه أن يجعل الحياة والموت سواء عنده، فما قيمة الحياة عند من كانت الحياة عنده هي مجموع تلك المُتع ثم يُحرم منها جميعاً؟

والحق أن الصيام هو نوع من أنواع التقرب إلى الله فريد في نوعه، فريد في أسلوبه ومنهجه، إذ إنه يصل بالعبد في نهاية المطاف إلى تحقيق غايات العبادات مجتمعة، فغاية العبادات أن يتشبه العبد بربه بصورة ظلية، والحق أن الصيام يصل بالمرء إلى تلك النتيجة تماماً، إذ إنه بامتناعه عن الطعام والشراب، فإنه يكون قد شابه ربَّه الذي ليس في حاجة إلى طعام ولا شراب، وفي تخليه عن النوم من أجل التعبد وتلاوة القرآن وقيام الليل والتهجد يكون قد شابه ربه الذي لا ينام، وفي كفِّه عن الغيبة والنميمة ولغو الحديث، فقد شابه ربه الذي لا يتكلم إلا بما هو خير، وفي امتناعه عن مباشرة النساء يكون مشابها لربه الذي ليس له صاحبة.
والمتأمل في فلسفة الصيام يصل إلى نتيجة مبهرة، وهي أن أنواع المُتع الإنسانية العليا التي لا يأباها أحد، ولا يعافها من بني آدم صغير ولا كبير، هي: الطعام، والشراب، والنوم والراحة، والمباشرة الجنسية، وبالتالي فإن الصيام كأنه تدريبٌ على التخلي عن كافة المُتع، الأمر الذي من شأنه أن يجعل الحياة والموت سواء عنده، فما قيمة الحياة عند من كانت الحياة عنده هي مجموع تلك المُتع ثم يُحرم منها جميعاً؟
ومن تعوَّد نوال جميع مراداته يكون تزلزُل أركانه وانهيار بنيانه في حرمانه منها، وفي الحيلولة بينه وبينها. والحق أنه ليس هناك ضمان لدوام النعم، وبحبوحة العيش، فكان لزاماً إقرار شريعة تغرس في أرض النفس أشجار الصبر، أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أُكلَها كل حين، ماؤها اليقين في وعود الله، وتنفُسها رجاؤه، وثمارها الثبات والتحمل وملاقاة الشدائد بوجه طلق، فيتولد في النفس التعايش مع الأوضاع كافة، فإن كان العيش هنيا لم يأكل من اللحم إلا الكتف، وإن كانت المعيشة ضنكاً ربط على بطنه الحجر.

وغرباء بين أهليهم وفي أوطانهم لانقطاعهم عن الدنيا وزهدهم فيها، وغرباء لانقطاعهم من أصولهم وعائلاتهم وانضمامهم لإخوانهم من الغرباء الآخرين في بيعتهم لربهم منخرطين في عائلات ربانية ممتثلين لأمر الله، فأيّ شرفٍ وأي فضل وأيّ أجرٍ ناله الفقراء الغرباء؟!

للفقراء نصيب من أجر الصيام الذي لا يعلمه إلا الله، وهو أنهم لو احتسبوا قلة طعامهم، وجوعَهم صياماً هم به راضون، صابرون عليه محتسبون، غير متضجرين، ولا شاكين، كان لهم من الأجر مثل أجر الصائمين. وكفاهم شرفاً أنهم الغرباء الذين كان منهم الأنبياء وأتباع الأنبياء في الأولى والآخرة، فلقد بدأ الإسلام غريباً بالفقراء، وقد عاد غريباً بالفقراء أتباع الإمام المهديّ والمسيح الموعود ، إنهم غرباء لأن مجتمعاتهم غير معنية بهم، لافظة إياهم، مسقطةً لهم من حساباتها، وغرباء بين أهليهم وفي أوطانهم لانقطاعهم عن الدنيا وزهدهم فيها، وغرباء لانقطاعهم من أصولهم وعائلاتهم وانضمامهم لإخوانهم من الغرباء الآخرين في بيعتهم لربهم منخرطين في عائلات ربانية ممتثلين لأمر الله، فيا له من شرفٍ وفضل وأجرٍ ناله الفقراء الغرباء؟!
الصيام يقدم للأمة التي يعسر عليها أن تتحد فرصة ذهبية للاتحاد في ثلاثين يوماً نتفق جميعاً على صيامها، فهي عبادة جماعية تهيئ لاستجابة الدعوات، وسماع الاستغاثات، والإنصات للتلهفات، وتنزل الرحمات من السماوات.
إن كان الصيام معاناةً ومتاعب، ومشقات ومصاعب، وحرماناً وآلاماً، فقد حُفّت الجنة بالمكاره، ولو لم تتصدع الأرض من الجفاف والظمأ لما أنزل عليها الله ماء السماء، ولو لم يكن القوم في ضلال وتيه ما أرسل إليهم هادياً رسولاً. ولا يبادر الزراع بسقي زروعهم إلا إذا ظهرت عليها آثار العطش والذبول، وما لم يتحمل الإنسان المتاعب والحرمان فلا يمكن أن ينزل عليه كلام الله، ولا تمسه أفضاله، ولا يجد ريح بركاته.
لم يذهب محمد إلى غار حراء متأملاً، ليس معه إلا ما يسد الرمق من الطعام كأنه في صيام إلا بعدما استبد به عدم الرضا عن الدنيا وشرورها، وتردِّيها وآثامها، فجدَّ في البحث عن ربه، واستبد به شوقه إليه، فاجتمع في قلبه لهيبان: لهيب رغبة شديدة في الإصلاح، ولهيب شوق إلى حبيب يستشعره قريباً، وتود أن تراه عيناه، وتسمعه أذناه، ويرتاح لقربه فؤاده، وتأنس به نفسه، فتزول وحشتها
فها هي فرصتنا تتكرر كل عام، فيأتينا رمضان، ربيع وحي السماء، ليكون كل منزل من منازلنا حراء، ويكون كل منا محمداً، وينزل على كل منا جبريل قائلاً له: «اقرأ باسم ربك الذي خلق».

1. (العلق: 2-6) 2. (البقرة: 187)