• لماذا يُعد التجديد ضرورة بالنسبة للعقائد الدينية والمجتمعات الإنسانية على السواء؟
  • إذا كانت الفطرة الإنسانية تنفر من الحرب، فلماذا تخوضها؟!

ثمة ظاهرة طبيعية لا يقتصر ظهورها على المؤسسات الدنيوية، وإنما على المجتمعات الدينية أيضًا، تتلخص في أن أتباع معتقدٍ ما يأخذون بمرور الوقت في الانحراف عن تعاليمه الأصلية والابتعاد عن معتقداته الأساسية، ونتيجة لذلك، يأتي زمان على الجماعات الدينية تحتاج فيه إلى الإحياء. وإلا، فسوف تندثر في النهاية أو تتحول إلى مسخ مغاير تماما لما كانت عليه في حالتها الأصلية. وجميع المجتمعات المندثرة في الأمم الغابرة قد انطبقت على معظمها تلك السنة الكونية، فما من بلدة دُمرت أو قرية أُهلكت إلا وفق تلك السنة آنفة الذكر. ولكل قضية جذور، إن لم نقل «بذور»، بحيث إننا لو أمكن لنا تتبع الفرع وصولا إلى ذلك الجذر لأمكننا فهم الدافع والمنشأ لأي فعل يصدر وأي قضية تطرأ. وأكثر القضايا إلحاحا هذه الأيام هي قضية السلام العالمي، والذي بات مهددا بالزوال، وبالتالي فالإنسانية بغيابه معرضة لخطر الفناء، وهذا الأمر في حد ذاته مثير للرعب، ويستحث في المخلوق الطبيعي غريزة حب بقاء جنسه، بصرف النظر عن مسألة بقاء نفسه. وحين يقف المرء وقفة تأمل في قضية سلام العالم تلك، والمنشأ الأول للفتن والنزاعات والحروب في هذه الدنيا، فإنه يُضطر إلى العودة إلى الوراء، وتحديدا إلى عصر الألفية الأولى، حين صدر البيان الإلهي بإعمار الأرض في قوله تعالى:

إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (البقرة: 31).

فبُعيد إعلان ذلك البيان لم تلبث نار الفتنة أن اضطرمت بين صاحب الحق وبين من يرى نفسه الأحق. منذ ذلك التاريخ انطلقت الشرارة الأولى للحروب في العالم الإنساني، وصار الأمر سجالا عبر التاريخ، فتارة يعم ضياء السلام الأرض، وتارة أخرى يخفت نوره، وما نشوب الحروب العالمية عنا ببعيد. ولا شك أن الفطرة الإنسانية الطبيعية تميل إلى السلام والعيش بحرية دون مساس بحريات الآخرين، ومن الطبيعي أن نتوق إلى حياة يسودها السلام والرضا وتكون خالية من جميع أشكال الصراعات. وما من مجتمع من مجتمعات الدنيا إلا ويتطلع أفراده إلى تحقيق غاية منشودة، ألا وهي إرساء السلام والأمن، تلك الغاية التي لا بد لتحقيقها من بناء قاعدة واسعة من الرخاء الاقتصادي والرقي الأخلاقي والصحة الجسمانية والنفسية وما إلى ذلك من كافة مظاهر التقدم. فالسلام إذن تعبير واسع يتضمن في داخله مظاهر عديدة من التقدم على كافة الأصعدة، ومن السذاجة اختزال مفهوم السلام في مجرد أن يعيش الفرد أو المجتمع حرا دون أن يمسه شر عدو ما، وإلا فما جدوى أن يعيش الفرد أو المجتمع دون عدو ظاهر، بينما ينهش جسده أعداء آخرون، من فقر مدقع، أو مرض عضال، أو جهل مطبق؟! ألا نرى أن تلك المشكلات كلها أعداء كامنة؟! بل إنها بعينها منشأ كثير من العداوات والتناحرات والحروب الطاحنة منذ فجر التاريخ.. فباختصار، يرغب كل إنسان في أن يعيش مجتمعه في رخاء وتعمه الألفة ويسوده السلام.. وما من بلد في العالم إلا ويريد مواطنوه أن تنعم بلادهم بالسلام، وأن تزدهر وتتمتع بكل ما من شأنه جعل الحياة رغيدة. ولكن على الرغم من هذه الرغبة الفطرية آنفة الذكر في السلام، إلا أن الواقع يقول بنقيض ذلك، فالانقسامات والاضطرابات والصراعات قد امتدت أذرعه إلى كافة بقاع العالم، فعلى سبيل المثال، هناك دولٌ تمزقها الانقسامات السياسية كتلك الحادثة في ليبيا واليمن، أو تقاتل الجماعات المتمردة فيها بعضها بعضًا، أو يتم فيها استهداف الدولة، كما يحدث تماما في سوريا. وفي بعض البلدان البائسة ينقسم البلد الواحد على نفسه وتقوّض الخصومات المريرة والأعمال العدائية -بين سكان مختلف المقاطعات أو المناطق- السلام في مجتمعاتها متخذة شكل الحرب الأهلية، كمثل ما جرى في رواندا بين أبناء الوطن الواحد من التوتسي والهوتو في واحدة من أبشع الحروب الأهلية التي شهدها القرن العشرون على الإطلاق. علاوة على ذلك، ظهر مؤخرا في بلدان المهجر، حقدٌ وبُغْضٌ أبداه المواطنون الأصليون تجاه المهاجرين الوافدين إليهم بدوافع سياسية كاللجوء، أو بدوافع اقتصادية كالبحث عن لقمة العيش، علما بأنه مهما كان الدافع وراء الهجرة، فإكرام المهاجر المغترب يعد من أرقى القيم الإنسانية التي تقر بها الفطرة السليمة، ولا يكاد يسبق الإسلام الحقيقي في هذا المضمار أيُّ تعليم أخلاقي آخر.. فتركيزا على كل ما سبق ذكره في هذه الافتتاحية نُتحِف قارئ التقوى في شهر أغسطس / آب الجاري بخطاب ألقاه حضرة سيدنا أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) في ثاني أيام جلسة جماعتنا السنوية في ألمانيا على حشد من الضيوف الألمان، في بلد يكاد يضيق ذرعا بالوافدين إليه، مما يزعزع جانبا من القيم الإنسانية النبيلة ويهدد السلام فيه.كما ويتصفح القارئ الكريم مادة تُعنى بتصحيح الفكرة لدى غالبية المسلمين عن مجيء المسيح الموعود في آخر الزمان، عودة بهم إلى الأصل الصحيح الذي فهَّمَنَاه قرآننا الكريم، كذلك نأمل أن يستمتع القارئ الكريم بالعديد من المواد الأخرى والتي منها باقة شعرية، وكذلك الأبواب الثابتة.. نرجو الله العزيز أن تبلغ كل كلمة سطرت في هذا العدد وكل عدد غايتها المنشودة، وأن تنفع القارئ وتُمْتِعَه، آمين.