سيرة المهدي - الجزء 2 الحلقة 55

سيرة المهدي – الجزء 2 الحلقة 55

حضرة مرزا بشير أحمد

__

الرواية 471-

محاكاة أسلوب القرآن الكريم

في اعتراضه الخامس على كتابنا «سيرة المهدي» يدعي المعترض الدكتور بشارت أحمد اللاهوري أنني في تسجيلي روايات سيرة المهدي انتقلت من محاكاة أسلوب رواية الحديث النبوي إلى محاكاة أسلوب القرآن الكريم. لم يقل المعترض ما قال إلا لأني كنت أستفتح كل رواية من روايات السيرة بعبارة البسملة، فما كان منه إلا أن وصف أسلوبي هذا بألاعيب الصبيان.

وأقول إزاء هذا الادعاء أنني أكتب البسملة قبل كل رواية تبركًا وتيمّنًا، الأمر الذي يحترق بسببه الدكتور فيتحرق غضبًا وكمدًا. وأقول بأنه لو نعتَنَا أحد بالمقلّد أو وصفنا باسم أسوأ من ذلك إلا أنه لا يسع أي مسلم أن يتخلى عن العمل بنموذج القرآن الكريم. إن كان القرآن الكريم –مع كونه كلام الله وبركة ورحمة متجسدة- نحتاج في قراءته إلى أن نبدأ بـ «بسم الله» قبل جميع سوَرِه فنحتاج إليه بدرجة أولى كوننا أناسًا ضعافًا يخافون الزلة عند كل خطوة. يقول النبي (فداه نفسي): «كل أمر ذي بال لا يُبدأ ببسم الله فهو أبتر». ولا يخفى على متبصِّر أن سيرة المهدي ليس بكتاب مرتّب بل أُدرجت فيه روايات مختلفة بصورة مستقلة بلا أي ترتيب يذكر، لذلك كان لا بد أن أبدأ كل رواية من رواياتها بالبسملة.

سوء الظن، ومدى فائدة روايات «سيرة المهدي» للمبايعين وسواهم

وفي اعتراضه السادس علينا، يزعم الدكتور أن هذا الكتاب ما أُلِّف إلا ليقرأه المحموديون (يعني أتباع الخلافة) وأنه لا يصلح لغيرهم ولا للأحمديين اللاهوريين، ولا حتى لأي باحث، ويعلل زعمه هذا بدعوى أن بعض الروايات تسيء إلى المسيح الموعود صراحةً، ولما كان الكتاب يشوه صورة الأحمديين اللاهوريين فيبدو أن مؤلفه يسعده تقديم بعض الروايات الباطلة بأسلوب مؤثر» إلخ…

الحق أن هذا الاعتراض تفوح منه رائحة سوء الظن، فصاحبه يهاجم بمنتهى البساطة نوايا الناس، أتذكر بهذه المناسبة القصة المشهورة عما وقع لأسامة بن زيد مع رسول الله ، ورد أنه في إحدى المعارك بارز أسامة جنديا حتى كاد أن ينال منه، فلما رفع سيفه ليجهز عليه نطق الجندي الشهادة، ولكن أسامة لم يكترث بقوله وأمضى سيفه فقتله. بعد ذلك أطلع أحد النبي بهذا الحدث فغضب غضبًا شديدًا حتى احمرّ وجهه ثم قال: أقتلته بعد إسلامه؟ كرر هذه الكلمات ثلاث مرات. قال أسامة: يا رسول الله إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنْ السِّلَاحِ قَالَ : أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا. يقول أسامة بأن النبي قال هذه الكلمات بغضب شديد حتى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، بل أسلمت اليوم حتى لا أرى غضب النبي هذا. وبالمثل فإنني لا أجد غضاضة في محاكاة أسلوب حديث رسول الله ،  فأقول للدكتور المذكور: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِي».

سيرة المهدي ومعايير أصول الدراية

وأخيرًا، نأتي على الاعتراض السابع للدكتور، والذي زعم فيه أن بعض روايات سيرة المهدي تبدو باطلة بحسب معايير أصول الدراية، والباطل درايةً لا يُقبل مهما كان قويًّا سندًا وروايةً، يقول الدكتور وهو يضرب مثالاً على قوله: «اشتمل كتاب سيرة المهدي على روايات تعارض كتابات المسيح الموعود معارضة صريحة، بل تسيء إلى مكانته، لا يمكن في هذه الحال لمن يؤمن بصدقه أن يقبل مثل هذه الروايات. يمكن أن يُعدّ بيان الراوي خاطئًا ولكن لا يقبل ضميرنا وإيماننا الإساءة إلى المسيح الموعود .

وإنني أتفق مبدئيًّا مع الدكتور على أنه لا يمكن أن تقبل بحال من الأحوال تلك الروايات التي تنافي طريق عمل المسيح الموعود وكتاباته منافاة صريحة، ولا بد من القول تجاهها بأنه إذا كان الراوي لمثل هذه الروايات معروفًا بالصدق فلعل ذاكرته خانته أو أنه التبس عليه الأمر عند سرد هذه الرواية، أو حصل خطأ آخر في روايته ما أدى إلى إخفاء حقيقة الأمر. فلا يستفاد من الروايات القولية سوى العلم الغالب أما درجة اليقين الكامل والقطعية التامة فلا يمكن الوصول إليها من خلال مثل هذه الروايات اللهم إلا إذا بلغت حدّ التواتر. فلا شك أنه إذا كانت هناك رواية قولية تنافي عملا ثابتًا للمسيح الموعود وتعليمًا واضحًا وكتابات ثابتة فلا يمكن أن يخطر ببال عاقل أن يقبلها، ولكنني أقول إضافة إلى ذلك بأن هذا الأمر ليس سهلا من الناحية العملية كما يظنه الدكتور. لأن أمر الدراية معقّد للغاية، وإن وضعَ القدم في هذا الميدان بكل جرأة يمكن أن يسفر عن نتائج سيئة جدًّا. الحق أنه كلما طرحت قضية الاستدلال والاستنباط والقياس والاستخراج فُتح معها باب الاحتمالات والخلافات الخطيرة. وهناك قول شهير: تتعدد الأقوال بتعدد الألسن، وإن تجربة الناس تؤكد هذا، فالجميع متفقون على هذا الأمر من حيث المشاهدة والواقعة ولا يوجد هناك أي خلاف بينهم، والشاذ كالمعدوم، ولكن عندما ينشأ سؤال الاستدلال والاستنباط واستخراج النتائج من خلال تحديد معنى معين لها يتفرق الجميع إلى سبل مختلفة لدرجة يصعب التفريق بين الحق والباطل.

ثم أتعجب من أن الدكتور يتهم كتابي من ناحية بأنه لا يفيد إلا ذوي الأفكار «المحمودية» ولا يصلح لمطالعة الباحثين اللاهوريين؛ ومن ناحية ثانية يعترض بأنه يفتقر إلى جانب الدراية، في حين أنه لم يكن للدكتور حق في هذا الاعتراض عليّ وفق الأصل الذي فرضه هو نفسه، وذلك لأنني لو أخذت فقط تلك الروايات التي هي مؤيدة لعقيدتي فلم أقم بشيء سيء بل وفق قول الدكتور عملت متماشيًا مع أصول الدراية، لأنني رددت ما رأيته مخالفًا لطريق العمل للمسيح الموعود ومنافيًا لكتاباته ولم آخذ إلا تلك الروايات التي كانت متوافقةً – حسب ظني – مع طريق العمل للمسيح الموعود وكتاباته، وأنى لي أن أقبل أية رواية مخالفة لها؟!

لقد ذكرت كل ذلك بناء على الأصول التي قدمها الدكتور وإلا فالحق هو أنني راعيت -حسب استطاعتي ملتزمًا بكل أمانة- جانبي الرواية والدراية على درجاتهما، ولم أتبنّ موقف أخذ بعض الروايات لأنها توافق معتقداتنا، وترك بعضها لأنها توافق معتقدات الجماعة اللاهورية. كلا، بل كل ما رأيته مقبولا روايةً ودرايةً، ولم أجده مخالفًا لكتاباته الصريحة المحكمة التي لا خلاف فيها، ولم أجده جديرًا بالرد إزاء طريق عمله الواضح والجلي غير المشكوك فيه، فقد أخذته. وأرى أن ما فعلته أقرب إلى الاحتياط، ولكن الأنسب لجامع الروايات أن يقتصر على أصول الرواية، ولينقل كل ما هو مقبول وفق أصول الرواية، وينبغي ألا يتدخل كثيرا في مجال الدراية، بل يترك ذلك للذين يبحثون في مضمون الروايات عند الحاجة إلى الاستنباط والاستدلال، وإلا فستكون النتيجة أن كثيرا من الروايات الصحيحة والمفيدة تُترك لمخالفتها المعتقدات الشخصية لجامع الروايات أو المذاق العلمي الشخصي له، وبالتالي ستحرم الدنيا من ذخيرة علمية مفيدة.

هذا هو رأيي النابع من الإخلاص والصدق، وإنني إلى الآن متشبث برأيي هذا على وجه البصيرة. والله أعلم ولا علم لنا إلا ما علمنا.

العبد المتواضع

مرزا بشير أحمد من قاديان

14 نوفمبر/ تشرين الثاني 1927

انتهى بفضل الله وعونه هنا الجزء الثاني من سيرة  المهدي.

Share via
تابعونا على الفايس بوك