سيرة المهدي - الجزء 1 الحلقة 38

__

251- بسم الله الرحمن الرحيم. حدثتني والدتي أن حضرته كان يقول: حدث في صغري لما كنت جالسًا قرب البئر أصنع الصمغ، أن احتجت لشيء من البيت وكان شخص يرعى الأغنام بالقرب مني فطلبت منه أن يجلب لي ذلك الشيء فقال: من سيعتني بغنمي؟ قلت له: اذهب فسأقوم بحراستها وأرعاها، فرعيت غنمه في غيابه، وهكذا حقق الله تعالى سنة الأنبياء فينا أيضا.

أقول: الصمغ المذكور هو مادة لَزجة تُصنع من صمغ الأشجار وغيرها وهي تستخدم لاقتناص الطيور وغيرها. وكانت والدتي تقول أيضا: كان حضرته يقول: كنا نصيد العصافير في الصغر ونذبحها بالقشرة الرقيقة للقصبة لعدم توفر السكين عندنا.

252- بسم الله الرحمن الرحيم. حدثتني والدتي أن حضرته كان يقول: كنا نصحب والدتنا في الصغر إلى هوشياربور، وكنا نتجول في جداول الماء هناك.

أقول: هناك جداول ماء أمطار كثيرة في محافظة هوشياربور ولا تجري إلا في موسم الأمطار وتظل جافة في بقية المواسم. لا تكون هذه الجداول غائرة بل تكون مستوية تقريبًا مع الحقول المجاورة. إن محافظة هوشياربور مليئة بمثل هذه الجداول.

253- بسم الله الرحمن الرحيم. حدثني المولوي شير علي أن حضرته كان يقول: حدث مرة أثناء تعلّمنا على يد أستاذنا أنه ذكر: رأى أحد في الرؤيا بيتًا يملؤه الدخان من الداخل والخارج، ويبدو وكأن النبي جالس فيه، والمسيحيون يحاصرون هذا البيت من جميع الجوانب. ثم قال أستاذنا: لم يستطع أحد منا أن يعبّر هذه الرؤيا. فقلت: تعبيرها أن ذلك الشخص سيتنصر، وذلك لأن شخصية الأنبياء مثل المرآة، وما رأى عليه النبيَّ في رؤياه كان يعكس حالته.

فرح أستاذي بسماعه جوابي هذا، وتعجّب أيضا ثم قال: لقد تنصر ذلك الشخص حقيقةً فيما بعد، ثم قال: ليتنا عرفنا تفسير رؤياه فأفهمناه ونصحناه لعله كان من الناجين.

أقول: لم يُعرف بعد من كان هذا الأستاذ. كان عمر حضرته صغيرًا عند تلقيه العلم على يد المولوي فضل إلهي، لذلك فالأغلب أنه إما المولوي فضل أحمد أو المولوي غل علي شاه.

أقول: كتب شيخ يعقوب علي العرفاني: كان المولوي فضل إلهي من سكان قاديان وكان حنفي المذهب. أما المولوي فضل أحمد فكان من سكان “فيروز والا” في محافظة “غجرانواله”، وكان ينتمي إلى فئة أهل الحديث. وهو والد المولوي مبارك علي السيالكوتي الذي بايع على يد المسيح الموعود ولكنه انجرف مع تيار الفتنة بعد وفاة الخليفة الأول .

أما الأستاذ الثالث فهو المولوي غل علي شاه وكان من سكان بطاله وكان من المتشيعين.

254- بسم الله الرحمن الرحيم. حدثني المولوي شير علي وقال: كان لي زميل في الصف يُدعى محمد عظيم وهو من أتباع “بير جماعت علي شاه السيالكوتي”، وحدثني أن أخاه قال له: كان المرزا المحترم في أيام شبابه يأتي أمرتسر أحيانًا، وكنت أراه يفيض حماسًا ضد القسس الذين كانوا يلقون في الأسواق وعظهم عن المسيحية وينفثون سمومًا ضد الإسلام. كان المرزا المحترم يمتلئ حماسًا برؤيته لهم ويتصدى لهم.

يقول المولوي شير علي: لا يزال محمد عظيم على قيد الحياة ولعله من أقارب المولوي عبد القادر الأحمدي اللدهيانوي.

255- بسم الله الرحمن الرحيم. حدثني المولوي شير علي أن الليلة التي ولدت فيها كريمة حضرته “أمة النصير” جاء حضرته إلى غرفة المولوي محمد أحسن فطرق الباب؛ سأل المولوي محمد أحسن: من بالباب؟ قال حضرته: غلام أحمد. قام المولوي محمد أحسن فورًا وفتح الباب فقال له حضرته: لقد ولدتْ لي بنت، وتلقيت بخصوصها وحي: غاسق الله.

أقول: المراد من “غاسق الله” هو الذي يموت قريبًا، وهذا ما حصل إذ توفيت هذه البنت بعد فترة وجيزة.

256- بسم الله الرحمن الرحيم. أقول: كان من سكان غجرانواله شخص يدعى محمد بخش وكان يعمل مديرَ مخفر شرطة. كان معارضًا شديدًا للجماعة ويطل مستعدًّا دائمًا لعداء الجماعة. عُيّن هذا الشخص مديرًا لمخفر الشرطة في بطالة في عام 1893 وظلّ لعدة سنوات. ولما كانت قاديان تخضع لمخفر بطالة لذلك فقد وجد فرصة سانحة للإيذاء والمعارضة. لم يدّخر هذا الشخص وسعًا في إيذائه الجماعة وفي معارضته لها. لقد بُتّ في قضية الشغب في عام 1899 بناء على تقرير هذا الشخص.

وفي نهاية المطاف مات هذا الشخص بالطاعون. ومن عجائب قدر الله تعالى أن ابنه أحمدي الآن وهو مخلص واسمه ميان نياز محمد وهو أيضا مدير مخفر شرطة في إقليم السند.

(أقول عند نشر الطبعة الثانية لهذا الكتاب: قال لي الدكتور غلام أحمد ابن ميان نياز محمد أن جدّه لم يكن معارضًا شديدًا في البداية ولكنه تأثر بتأليب الناس له فاشتد عداؤه. وكان نادمًا على هذه المعارضة في مرضه الأخير. وقال الدكتور أيضا: إن جدّه لم يمت بالطاعون بل مات بسرطان في يده. أقول: ذكر المسيح الموعود في حقيقة الوحي أنه مات بالطاعون. ولكن إذا كان قول الدكتور صحيحًا فبما أن الطاعون كان على أوجه في تلك الأيام فلعل أحدًا اعتبر دمّل اليد طاعونًا، وذكره للمسيح الموعود . والله أعلم)

257- بسم الله الرحمن الرحيم. أقول: كان حضرته يدأب على مطالعة الحالة الدينية لأفراد جماعته، فإذا رأى في أحدٍ نقصًا عقديًا أو عمليًا أو أخلاقيًا لم يقل له مباشرة وإنما ذكر ذلك الأمر في خطابٍ عامٍ أو ذكره خلال حديثه بطريق يهدف إلى إصلاحه، ثم كرّر ذلك الأمر في مناسبات عدة بطريق مناسب. كان حضرته كثير الاهتمام بالإصلاح الداخلي للجماعة، وكان يتبع طرقًا عديدة لتحقيق ذلك إلا أنه كان يركز أكثر على الدعاء. وكان يقول أحيانًا أن الوالد الذي ينهر ابنه على كل حركة وسكون ويلاحقه دومًا ويأخذ الحذر في هذا المجال أكثر من اللازم فإنه أيضا يرتكب نوعًا من الشرك، لأنه يصبح إلهًا لابنه إذ يربط الهداية والضلال بإشرافه أو عدمه في حين أن الهُدى بيد الله. عليه أن يراقب ولده عمومًا ويركز أكثر على الدعاء ويسأل الله الهداية له. كذلك كان دأب حضرته أنه كان يهتم بالأصول والجذور ولم يكن يولي الفروع اهتمامًا أكثر من اللازم، لأنه كان يقول: إذا صلح الأصل صلحت الفروع تلقائيًا، وكان يقول أيضا: الشيء الأساس هو إيمان القلب، فإن تحقق هذا الإيمان صلحت الأعمال تلقائيا.

ذكر له أحد بأن كثيرًا من الناس يأتون إليك ولحاهم محلوقة. قال حضرته: إنك تهتم بلحاهم في الخطوة الأولى أما أنا فأهتم بإيمانهم.

كذلك كان يقول: من يؤمن بي بصدق القلب ويؤمن بي مرسلا من الله حقيقة ثم إذا رآني معفيا لحيتي فإن إيمانه أيضا يضطره لإعفاء لحيته تلقائيا.

كان حضرته يؤكد على الأخلاق كثيرا، ومن بين الأخلاق كان يركز على المحبة والتواضع والحلم والرفق والصبر ومواساة خلق الله، وكان يكره التكبر والقسوة القلبية والشدة والخشونة. كان ينفر من التنعم والترف، ويحب البساطة وبذل الجهد.

Share via
تابعونا على الفايس بوك