• كل فساد مادي تتراءى صورته في عالم الروح.
  • منشأ نشوب الحروب الفساد الروحي والأخلاقي.
  • إلقتء حطاب حضرة المسيح الموعود “فلسفة تعاليم الإسلام” في مؤتمر لاهور للديانات.

إن كل اختلال في نظام الكون الروحاني يقابله مثله في الشدة والزمن اختلال ملموس في الكون المادي، والعكس صحيح أيضا، بمعنى أن كل فساد مادي تتراءى صورته في عالم الروح كذلك، وهذا التقابل العجيب من منطلق أن الروح والجسد يؤثران ويتأثران ببعضهما البعض (1)، بحيث يتنبه المرء من خلال مقاساة التأثير السيئ لفسادِ أي من العالمَين إلى وجود الفساد المقابل له في العالم الآخر المناظِر. ويبدو بيان هذا الأمر في القرآن المجيد بأعظم تجلٍّ بوصفه سنة كونية فطر الله تعالى عليها الخليقة بأسرها، بحيث أوجد للإنسانية مؤشرا على مدى رقيها أو انحطاطها، تماما كمؤشر الحرارة في الترمومتر الطبي، بل لعل توصل الإنسان مؤخرا إلى ابتكار أساليب القياس على تعددها واختلافها يرسخ في أذهاننا فكرة أن الخلاق العظيم سبحانه ما كان ليترك خليقته دون أن يخلق فيها مؤشرات الحالة تلك. وحين نستقرئ أصداء تلك السنة الكونية نجدها مبثوثة في القرآن المجيد في عدة مواضع، منها على سبيل المثال لا الحصر قوله تعالى:

ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (2)،

والفساد المذكور هنا يشمل كل أنواع الخلل المتصورة وغير المتصورة، ولِطَفْوِ ذلك الفساد على سطح الحياة حكمة بالغة، إذ يتنبه المريض إلى أصل الخلل، تماما كما هو معلوم في العلوم الطبية من أن لكل مرض أعراضه التي يستدل عليه من ظهورها، فيخطئ من يتوجه إلى علاج الأعراض مغفلا المرض الأصلي المسبب لها.
في هذا المقال نتوجه إلى بيان ارتباط مآسٍ عالمية دامية بأحداث روحية تم تجاهلها، بحيث اقتضى تجاهلها صدمة كهربية لأجل الإفاقة، من هنا كان بعد المأساة.

الكوارث الطبيعية والإنسانية بما كسبت أيدي الناس
قد يبدو عنوان هذه الفقرة مبالغا فيه في نظر البعض، لا سيما أولئك الذين يقيسون كل الأمور بمقياس مادي بحت، ولا يثقون في غير التجارب الواقعية، وبالتالي لا يتمكنون من رؤية العلاقة الخفية بين الفساد الأخلاقي والفساد المادي بكافة مظاهره طبيعية كانت أم بشرية، حتى أنه لو ذكرت أمامهم علاقة وباء ما أو زلزال ما أو فيضان ما بفساد في أخلاق أولئك المنكوبين بالكارثة لعدوا ذلك ضربا من الجنون والخرافة. إن مثل هؤلاء معذورون كونهم لا يبصرون العلاقة الخفية المذكورة، وذلك على الرغم من أن الاستنتاج العقلي يؤكدها. نعم، كل كارثة مهما كان شكلها أو حجمها هي انعكاس طبيعي لخلل روحاني أو أخلاقي ما، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع أو الإنسانية جمعاء، وهذا أمر يكاد أن يكون متفقا عليه بين أتباع الأديان جميعا، أما أصحاب النظرة المادية فإقناعهم يكون بسلوك مسلك علمي، فمثلا لا يخفى الآن على أحد أن كثيرا من الأمراض العضوية منشؤها نفسي، والعكس صحيح، فكثيرون يصابون باضطرابات نفسية نتيجة مرض عضوي ما، الأمر الذي حدا بالطب الحديث أن يأخذ فكرة التأهيل النفسي قبل وبعد العمليات الجراحية في الحسبان.

الحروب نموذجا
لا شك أن نشوب خصومة ما بين اثنين يكون منشؤها فساد روحي وأخلاقي على أية حال، فأحد المتخاصمين أو كلاهما يكون مخطئا، وإن حتى لم يكن أي منهما مخطئا فلا بد أن سوء الفهم ومن ثم سوء الظن قد تسلل بينهما، وهذا أيضا في حد ذاته فساد روحي، فكافة أنواع الصراعات بلا استثناء مرجعها الأساسي فساد الروح والأخلاق، ولا يشذ عن هذه القاعدة أي صراع صغيرا كان أم كبيرا، بين أفراد أو دول أو تكتلات دولية. فما نشب وينشب من حروب منذ فجر التاريخ ليس استثناء من تلك القاعدة.
وعلى الرغم من مساعي الإنسانية الحثيثة لطي صفحات الحروب جميعها، بل وحتى إلغاء لفظة «حرب» من قاموسها لو تستطيع، إلا أنها لم تسلك بشكل عام مسلكا صائبا، وانتهجت العديد والعديد من الحلول، عدا الحل الوحيد الصحيح، فقد تعاملت الإنسانية في سبيل كبح جماح الحروب بأسلوب مادي بحت، فحيث كان الهدف الظاهري لنشوب حرب ما اقتصاديا مثلا، كان إيقاف تلك الحرب مرهونا برخاء اقتصادي، وهكذا، فكان يُنظَر إلى السبب الظاهري للحرب باعتباره السبب الوحيد، وبالتالي فانتفاء السبب يعني انتفاء النتيجة.
غير أن وجهة النظر تلك ثبت خطؤها عبر الزمن، ومُنِيَت الإنسانية بأفدح صور فشلها جراء نشوب حروب طاحنة أودت بحياة ما يتعذر إحصاؤه من بني نوع الإنسان. فعلى ما يبدو أن الإنسانية كانت تسلك المسلك الخاطئ في الحيلولة دون نشوب الحرب، فماذا تراه المسلك الصحيح إذا؟!
لم يخلق الله تعالى خلقه ليتركهم عرضة للمصائب والكوارث التي لا دخل لهم فيها، ولكن كل سيئة يُمنى بها الفرد أو المجتمع يكون هو نفسه المتسبب فيها لنفسه بشكل مباشر أو غير مباشر، بحيث يتجلى هاهنا مضمون قوله تعالى:

مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ (3)

وأيضا:

وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْــــفُو عَنْ كَثِيرٍ (4)

عدا ذلك، فإن أقدار الله تعالى خير في المجمل بكل المقاييس، وحتى بوقوع الشر نتيجة أفعال الفرد أو المجتمع فإنه سبحانه وتعالى بقيوميته يتدارك تلك الأخطاء بالإصلاح بواسطة بعث النبيين وإقامة الخلفاء. وتشهد القرون الأخيرة بدءا من القرن التاسع عشر على أن هذا العصر قد بورك غير مرة بتحقق هذه السنَّة الثابتة أكثر من مرة في ظروف قياسية ومفارقات عجيبة.
من الدروس القاسية التي تُلَقَّنُها الإنسانية منذ نشأتها الحروب المدمرة، ومن لا يتعلم الدرس من المرة الأولى حق عليه أن يتحمل قسوته مرارا حتى يرسخ في ذهنه، وهكذا الحال تماما مع الإنسانية وحروبها. وبطبيعة الحال ما من حرب اتسعت دائرتها أم ضاقت إلا ولها جذور ما، فما من حرب نشبت فجأة، لأن الإنسان ميال بفطرته إلى السلم. وفي اللحظة التي تبدأ الأحداث تتخذ فيها وضع التوجه نحو نشوب أية حرب، فإن قيومية الله تعالى تتحرك في سبيل خير الإنسان بأن تحول دون نشوب تلك الحرب، ما لم يصر الإنسان بنفسه عليها، وذلك بناء على منطوق السنة الكونية الواضحة في آيتي (النساء: 80) و(الشورى: 31). ومن أمثلة تلك التدابير الإلهية التي لو سارت الإنسانية بمقتضاها لكانت في مأمن من ويلات جميع الحروب.. بعث النبيين كما ذكرنا من قبل. فالتاريخ يحكي لنا أنه في عام 1896م أقيم مؤتمر كبير للأديان في لاهور دعي إليه مندوبو الأديان المختلفة في الهند آنذاك، وقد اشترك حضرة المسيح الموعود في هذا المؤتمر بخطابه المعنون فيما بعد بـ «فلسفة تعاليم الإسلام» والذي كان من شأنه أن يحول كلية دون وقوع أية حرب لو وُضعت تعاليمه في الحسبان، ولكن وعلى الرغم من التقريظ واسع النطاق الذي لقيه الخطاب الجليل، حتى أن أصداءه عبرت القارات وتلقفتها الصحف العالمية، غير أنه لم يتم التطبيق العملي من قِبل العالم لما جاء فيه، فماذا يا ترى كانت النتيجة؟! النتيجة المأسوف لها حرب عالمية طاحنة دارت رحاها بضع سنوات فقدت الإنسانية خلالها زهرة شبابها وذخيرة ثرواتها ناهيك عما خلفته من مآس إنسانية عديدة من ضغائن وأحقاد تعد وقودا مُدَّخرا لحروب تالية مخبوءة في طي المستقبل.
لقد انكوت الإنسانية بلظى الحرب العالمية الأولى التي اشتعلت شرارتها سنة 1914م جراء سوء أدبها مع مبعوث الله تعالى، سوء الأدب هذا تمثل في تجاهل أمور ما كانت الحرب العالمية الأولى لتنشب لو وضعتها الإنسانية نصب أعينها. فالمبعوثون عموما لا يتكلمون لمجرد الرغبة في الكلام، ولا تغريهم شهوة الشهرة وذيوع الصيت، ولا ينطقون إلا بإنطاق الله تعالى فلنا أن ندرك أنهم لن يقولوا إلا حقا ولن يتفوهوا إلا بقيمة ثمينة. فإذا ما ضرب بكلامهم عرض الحائط فذلك هو الخسران المبين. والملاحظة التاريخية تشهد.
والعجيب أنه على الرغم من بعد المأساة وانكواء العالم بنيران الحرب العالمية الأولى، إلا أنه لم يتعلم من أخطائه السابقة، وأصر على أن يتجاهل رسالات السماء مجددا، وهذه المرة في الربع الأول من القرن العشرين، وتحديدا عام 1924 والذي باركه الله تعالى بعقد مؤتمر الأديان العالمي في ضاحية ويمبلي بلندن.

الفرصة الثانية: مؤتمر لندن للأديان 1924م
في سفره التاريخي عام 1924 زار حضرة المصلح الموعود مرزا بشير الدين محمود أحمد لندن بغية المشاركة في مؤتمر الأديان العالمي، والمنعقد في ضاحية ويمبلي الشهيرة. لم يكن خطاب المصلح الموعود في مؤتمر الأديان ذاك يهدف إلى مجرد بيان محاسن الإسلام وأفضليته على سائر الأديان الحية، وإن كان هذا الهدف قد تحقق بالفعل على مدى الأيام التي ألقى فيها حضرته خطابه الموسوم بـ «الأحمدية، أي الإسلام الحقيقي»، نعم، لقد بين حضرته بأجلى بيان محاسن الإسلام كدين حي، ولم يكن بيانه هذا مجرد ادعاء أجوف، وإنما ثبت صدقه وحقيته وتفوقه على سائر أديان العالم.
إن أفضلية أي دين وتفوقه يثبتان من خلال تقديمه حلولا للمشكلات المعاصرة، وبناء عليه فقد ثبت من خطاب حضرة المصلح الموعود في لندن 1924م بما لا يدع مجالا للشك أن الإسلام هو الدين الحي الحائز على التأييد الإلهي وأنه الدين الحق، حيث يقدم حلولا ناجعة لجميع المشكلات الإنسانية التي بدت مستعصية لوقت طويل، الأمر الذي لم يتسنَّ للأديان الأخرى.
لقد شرع المصلح الموعود في إلقاء خطابه وكل كلمة من كلماته تشير إلى واقع الإنسانية المعاش، وقد ركز حضرته فيه على أمرين في غاية الأهمية، وهما:
الأمر الأول: صلة الإنسانية بخالقها (جل وعلا) وما يستتبع ذلك من استجابة الدعاء، وطبيعة الأعمال الصالحة، وطبيعة الوحي أو المكالمة الإلهية.
الأمر الثاني: العلاقات الإنسانية سواء كانت علاقات بين أفراد أو مجتمعات ودول أو مؤسسات، وكيف أن تلك العلاقات الإنسانية تصب بشكل أو بآخر في علاقة الإنسانية كلها بربها سبحانه وتعالى.
لقد كان من شأن هذا الخطاب القيِّم أن يحول دون نشوب أية حرب بمجرد إلقائه وذيوع خبره، فقط لو أصغى العالم لما تضمنه وما أشرنا إليه على استحياء في النقطتين سالفتي الذكر.

المفارقة العجيبة
لقد أوردنا ذكر مؤتمرين للأديان كان كل منهما بمثابة ناقوس خطر يُدقُّ محذرا من حرب تعقبه ببضع عشرة سنة، فمعلوم أن مؤتمر لاهور للأديان في زمن المسيح الموعود عقد عام 1896م وألقى خلاله المولوي عبد الكريم السيالكوتي مقال المسيح الموعود «فلسفة تعاليم الإسلام»، فلما كان من العالم ما كان، نشبت الحرب العالمية الأولى في 28 يوليو 1914م، أي بعد بضع عشرة سنة من إلقاء الخطاب الجليل، وتحديدا 17 سنة.
الأمر ذاته تكرر بالنسبة لخطاب المصلح الموعود في مؤتمر ويمبلي للأديان الحية بلندن عام 1924م، والذي سرعان ما نشبت الحرب العالمية الثانية بعده خلال بضعة عشر سنة كذلك، وتحديدا 15 سنة.
ألا تشير تلك المفارقة العجيبة إلى ضرورة التفات العالم لكلام أولئك الأطهار، ولو على سبيل الحياد؟! إن الأمور التي دُعي إليها الناس في كلا الخطابين للمسيح الموعود وخليفته الثاني (المصلح الموعود) لا يختلف على جمالها وجدواها اثنان، حتى من ألد أعداء الإسلام أو الجماعة الإسلامية الأحمدية، فما بال الأكثرين تجاهلوها؟! والنتيجة كانت تكبُّد البشرية الخسارة الفادحة مرتين، وتبدو الثالثة على الأبواب.
الحرب العالمية الثالثة، والعالَم لم يتعلم
الإنسانية على أعتاب حرب عالمية ثالثة، إن لم نقل أنها أوغلت بالفعل في جحيمها، وفي كل مرة تنشب حرب ما نجد المتسبب فيها يراجع نفسه في لحظات الندم متمنيا لو أنه لم يقدم عليها، ولكن بعد فوات الأوان، ولات حين مناص. وتظل الإنسانية تقاسي ويلات حروب طاحنة نتيجة أنها لم تتعلم من ماضي حماقتها، فبالأمس القريب طوى العالم سجل حرب عالمية ثانية، وإن لم يطوِ بعد سجل تبعاتها وآثارها الوخيمة. وعلى الرغم من هذا يبدو أن العالم لم يستقِ بعد العبرة من تلك الحرب الثانية، فبات يؤجج نار الثالثة كما نشاهد اليوم ونسمع.
وفي خضم الحروب الناشبة لا ينفك العالم يتساءل بلسان حاله عن سبب تلك المآسي وعن مكمن شرارتها الأولى، لعله يتجنب وقوعها مجددا. غير أن الإنسان طالما تخدعه الأعراض فيظن خطأ أن العرض هو نفسه المرض، فيحاول عبثا مقاومة العرض ومحوه، بينما يظل المرض يعيث فسادا في سائر جسده، فكذلك الحال عند الاطلاع على التحاليل السياسية للصراعات العسكرية الدولية بشكل عام، ومنها تقارير الحربين العالميتين، الأولى والثانية، اللتين طالما أُشيع عنهما أن أسبابا توسعية واقتصادية كانت المحرك الأساسي لهما بالدرجة الأولى. ففي خضم البحث في أرفف المكتبات التاريخية والصفحات الإلكترونية على الشبكة العنكبوتية عن الدوافع والأسباب المنطقية لاندلاع هاتين الحربين العالميتين، نجد أن المعلومات المتجمعة لدى الباحثين لا تكاد تخرج عن الأسباب المادية أو ما يتعلق بها. وقد اتضح بما لا يدع مجالا للشك أن تلك الأسباب ما هي مجرد أعراض، إن لم تكن أسبابا مضللة عن عمد، ناهيك عن أن تكون هي السبب والدافع الرئيس وراء اندلاع الحروب العالمية، بينما السبب الرئيس وراء تلك المصائب هو تجاهل العالم لرجال الله، ما لم يكن العمل ضدهم ومحاولة التخلص منهم في كثير من الأحيان. فالآن بات الأمر أكثر وضوحا، بحيث يمكننا القول بملء فينا أن السبب الرئيس لاندلاع الحروب العالمية كافة يكمـــــن في سنة قررتها الآية الكريمة:

وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (5).

المراجع:
1. يُرجع إلى كتاب «فلسفة تعاليم الإسلام» لحضرة مرزا غلام أحمد المسيح الموعود والإمام المهدي، الترجمة العربية، الطبعة الثانية 1997م، ص16، تحت عنوان «تفاعل الروح والجسد».
2. الروم: 42
3. النساء: 80
4. الشورى: 31
5. الزخرف: 37