وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (الإسراء 80)

شرح الكلمات:

تَهجَّدْ: هَجَدَ الرجلُ يهجُد هُجودًا: نامَ بالليل؛ سهَر (الأقرب). تهجَّدَ القومُ: استيقظوا للصلاة أو غيرها (اللسان).نافلةً: نفَل الرجلُ ينفُل نَفْلاً فلانًا: أعطاه نافلةً من المعروف مما لا يريد ثوابَه منه. نفَل الإمامُ الجندَ: جعَل لهم ما غنِموا. النافلة: الغنيمةُ؛ العطيةُ؛ ما تفعله مما لا يجب؛ ولدُ الولد (الأقرب).

التفسير:

اعلم أن ضمير الغائب في قوله تعالى فتَهجَّدْ به عائد على القرآن الكريم، والمراد: على الإنسان أن يهتم بقراءة القرآن الكريم في صلاة التهجد اهتمامًا خاصًّا.التهجد يعني الاستيقاظ من النوم. وهذا يعني أن النوم قبل صلاة التهجد ضروري. فالذين يرهقون أنفسهم ساهرين الليالي فإنهم لا يقومون بالعبادة، وإنما يُبطِلون ما يريده الشرع، ومثل هذه العبادة منافية لما يهدف إليه القرآن الكريم. كان النبي ينام دائمًا في أول الليل ويقوم آخرَه لصلاة التهجد (البخاري: التهجد).

لقد أوضح الله تعالى هنا أن إتاحة فرصة العبادة منّةٌ ربانية على العباد. فيا أسفا على الذين يؤدّون الصلاة وكأنها غرامة عليهم. لقد قال النبي إنما الصلاة زيارة العبد لربه؛ وزيارة الرب إنعام، إذ ليس هناك من عاقل يعتبر زيارة المحبوب غرامةً. لقد عرّف النبي العبادة قائلا: «أن تعبدَ اللهَ كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (مسلم: الإيمان).. أي إنما الصلاة الحقيقية أن تتمكن من رؤية الله، أو أن تكون على يقين – على الأقل – أنه يراك. إذَن فمن الظلم العظيم أن يُعتبر مثل هذا الإنعام العظيم غرامةً. والحق أن الصلاة مِن أعظم النعم الإلهية، بل أؤمن أن الذي يترك صلاة واحدة لا يمكن أن يُعَدّ من المصلِّين، لأننا مأمورون بإقامة الصلاة، وإن إقامة الصلاة تستلزم المواظبة عليها؛ ولكن إذا تُركت صلاة واحدة لم يبق أي دوام ولا مواظبة.

وقوله تعالى نافلةً لك يمثّل إعلانًا من الله تعالى أن إتاحة فرصة العبادة منّةٌ إلهية على العباد. أو من الممكن أن صلاة التهجد لم تكن واجبةً على الأنبياء السابقين، وعليه فيعني قوله تعالى لنبيه نافلةً لك أن فرصة هذه العبادة إنعام خاص لك.

أما قوله تعالى عسى أن يبعَثَك ربُّك مقامًا محمودًا فيتضمن نبأً عظيمًا. ذلك أنْ لا أحد في الدنيا تعرَّض للسباب والشتائم بقدر ما تعرض لـه نبينا ، بل ربما لم يتعرض حتى أكبر اللصوص والصعاليك والفَسَقة والفَجَرة في التاريخ الإنساني إلى واحد بملايين الملايين من السباب الذي تعرض له الرسول الكريم إلى اليوم؛ وجزاءً على ذلك قد آتاه الله تعالى هذا المقام المحمود. يقول عزَّ مِن قائل: يا محمد، كما أن العدو لا يملّ مِن سبِّك، كذلك سوف أجعل المؤمنين يصلّون عليك على الدوام، بالإضافة إلى ثنائي عليك من العرش. فما قيمة سباب العدو إزاء هذه الصلوات والثناء.

ويعني «المقام المحمود» مقام الشفاعة أيضًا، إذ الثابت من الحديث أن كافة الأمم سوف ترجع إلى النبي يوم القيامة يائسةً من أنبيائها، وتتوسل إليه، فيشفَع لها. (البخاري: التفسير، الإسراء، قوله تعالى: ذرية من حملنا مع نوح). وكأن الله تعالى سيدفع هكذا سائرَ الأمم التي كانت تسب النبي إلى تعظميه . ولا شك أن هذا مقام سامٍ جدًّا.

وعندي أن «المقام المحمود» إشارة إلى ظهور الإمام المهدي أيضًا. ذلك أن من علامات زمن ظهور الإمام المهدي إعراضَ المسلمين عن تعاليم الإسلام وتمادِي الكفار في كفرهم، وفي مثل ذلك الوقت سيبعث الله ذلك البطلَ الذي سيوقف مجرى تلك الشتائم والسباب ضد النبي ويحوّلها إلى المدح والثناء، تحقيقًا للوعد الإلهي لنبيه : عسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا . وللإسهام في هذه الخدمة المباركة قد حدّدتُ يومًا في السنة للاحتفال بالسيرة النبوية، حيث يعبّر فيه الخطباء من شتى الديانات والمِلل عن انطباعاتهم القلبية حول سيرة الرسول الكريم .

لقد ذكَر الله تعالى هنا المقامَ المحمود بعد الصلوات الخمس والتهجد، وفي هذا إشارة إلى أن الذي يرى أن أعداءه قد كثروا وأن الأشرار قد ازدادوا فليعلم أن علاج ذلك ليس أن يشتبك معهم، وإنما عليه أن يدرك أن هذه الفتن لن تزول عنه إلا بالإنابة إلى الله تعالى والابتهال على العتبة الإلهية؛ بل الواقع أن الابتهال أمام الله تعالى إذا بلغ المنتهى حوّل اللوم مدحًا والسبَّ دعاءً. وهذا ما حدث في زمن النبي ، حيث أصبح الذين كانوا يسبونه محبّين له صادقين. وأروع مثال على ذلك من بين الرجال هو مثال عمرو بن العاص وخالد وعكرمة، ومن بين النساء هند، إذ لم يذعن هؤلاء للنبي إلا نتيجة أدعيته وابتهالاته، إذ كان من المحال لأي إنسان أن يمحو من قلوب هؤلاء ما انطوت عليه من الحقد والبغضاء ضده .

يقول بعض الجاهلين: يبدو أن الناس كانوا يسبّون النبي ( ) لهذه الدرجة لوجود عيبٍ فيه – والعياذ بالله!

وأقول: كلا. إنهم ما كانوا يسبونه لعيب فيه، وإنما لشمائله ومحاسنه. ذلك أنه لم يأت في الدنيا أي نبي جُعل أُسوةً حسنةً للناس أجمعين، ولذلك لم يتم حفظُ وقائع حياة أي من الأنبياء حفظًا كاملاً. هناك شخص واحد فقط بين زعماء أديان العالم كلها لا تزال وقائع حياته محفوظةً بكل تفاصيلها، وهو رسولنا الكريم . كل حادث من حياته الشريفة من أكلٍ وشرب، ومشي وجلوس، وكلام وحديث، وحركة وسكونٍ.. مسجَّلٌ في التاريخ. وكما أن الناس يبالغون في البحث والتنقيب عن تفاصيل حياة أحد كذلك ضبط الله تعالى أفكار النبي وأعماله ضبطًا دقيقًا، وقدّمها للعالم. أليس صمودُه أمام الأعداء وإحرازُه التعظيمَ والاحترام في نظر العقلاء معجزة عظيمة؟ وإذا كانت هذه العزة التي حازها بعد اختبار تام لا يمكن أن تسمَّى مقامًا محمودًا فليس في الدنيا أي عزة يمكن أن تسمّى مقامًا محمودًا!

وعندي أن «المقام المحمود» إشارة إلى ظهور الإمام المهدي أيضًا. ذلك أن من علامات زمن ظهور الإمام المهدي إعراضَ المسلمين عن تعاليم الإسلام وتمادِي الكفار في كفرهم، وفي مثل ذلك الوقت سيبعث الله ذلك البطلَ الذي سيوقف مجرى تلك الشتائم والسباب ضد النبي ويحوّلها إلى المدح والثناء…

الحق أن ما سُجِّل في يوم واحد من حياته الشريفة من أحداث لم يُحفَظ مثلُه من حياة سائر الأنبياء مجتمعين. فماذا عسى أن نجد من أحوال هذه الشخصيات وقد اكتنف حياتَها الغموضُ والخفاء بمرور الزمن. إذًا فليس من المعقول أن يتباهى أحد من أتباع الملل الأخرى زاعمًا أن نبيه لم يتعرض للطعن بقدر ما تعرض له نبي الإسلام!وعندي أن الله تعالى قد قدّر لنبيه مقاماتٍ محمودةً عديدة، وأن أول مقام محمود تبوأه النبي بعد نـزول هذه الآية هو المدينة المنورة. ذلك أن استيطانه بالمدينة تسبب في ذيوع صيته وانتشار ثنائه في العالم. والدعاء المذكور في الآية التالية أيضًا يشير إلى الأمر نفسه.

وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (الإسراء 81)

شرح الكلمات:

مُدخَل: المُدخَل: مصدرٌ ميميٌّ يقال: دخَل يدخُل دخولاً ومُدخَلاً، وأيضًا: أدخَلته إدخالاً ومُدخَلاً. وهو أيضًا: اسمُ مفعول، وظرفُ زمان ومكان (التاج).

صِدق: الصدق: نقيضُ الكذب؛ الفضلُ؛ الصلاحُ؛ الجِدُّ؛ الشدةُ والصلابةُ. فإذا أضفتَ إليه قلتَ: رجلُ صدقٍ أي نِعْمَ الرجلُ (الأقرب). ويعبَّر عن كل فعلٍ فاضلٍ ظاهرًا أو باطنًا بصدق، فيضاف إليه ذلك الفعل الذي يوصف به (المفردات).

التفسير:

يقول الله تعالى لنبيه مشيرًا إلى أول المقامات المحمودة التي سينالها نتيجة دعائه وإنابته: سوف نخرج بك الآن – وفقًا للنبأ المذكور في حادث الإسراء – من مكة إلى مكان آخر سيكون مقامًا محمودًا لك؛ فعليك أن تنهمك من الآن في الدعاء والابتهال لهذا الأمر، وقل: يا ربِّ، أَدخِلْني تلك المدينة بحيث يكون دخولي إياها مباركًا في الظاهر والباطن، كما أَخرِجْني من هذا المكان الذي أنا مقيم فيه حاليًا أي مكة بحيث يكون خروجي أيضًا مباركًا ظاهرًا وباطنًا.. أي لا تدَعِ الكفار ينجحون في نواياهم لأنهم يريدون طردي من الوطن ذليلاً مهانًا بحيث لا يبقى لي أي تأثير وكرامة بين القوم.

وبالفعل استجاب الله هذين الدعاءين لنبيه ، إذ لم يتمكن الكفار من طرده على الوجه الذي أرادوه، وإنما هاجر هو بنفسه من مكة إلى المدينة في موعد مناسب بناءً على توجيه إلهي. كما أن دخوله «المقام المحمود» أيضًا كان دخولا مباركًا للغاية، حيث خلق الله تعالى هناك آلافًا من الفراشات الروحانية التي ما برحت تطوف حول طلعته البهية، وتتطلع دائمًا إلى وجهه النوراني، والتي بلغ وَلَهُها به حدًّا لا نجد له نظيرًا في العالمين.قد يعترض أحد على هذا المفهوم ويقول: كان خروج النبي من مكة قبل دخوله المدينة، فلماذا ذكر القرآن الدخول قبل الخروج؟ وجوابه: إن نبأ الخروج كان لا بد أن يؤلمه لعدم علمه بمقامه الجديد بعد خروجه من مكة؟ فقدّم الله خبَر الدخول على خبر الخروج رأفةً منه بنبيه الكريم، فزفّ له البشرى أوّلاً أنك ستصل إلى مقام مبارك عن قريب، ثم ذكر له الخبر المؤلم قائلاً: سوف تضطر للخروج من مكة.

وهناك معنى آخر محتمل لهذه الجملة، وهو أن يكون الدخول إشارة إلى دخوله مكة فاتحًا، بينما يعني الخروج هِجرتَه منها. وهنا أيضًا يواجهنا نفس الاعتراض عن الترتيب لأن الهجرة كانت قبل الفتح لا بعدها؟ والجواب هو الجواب نفسه أنه تعالى زَفَّ له بشرى الفتح أوّلاً ليخفف عنه وطأة صدمة الهجرة. وسيعني المقام المحمود- على ضوء هذا المعنى- أنه بعد الفتح ستزول كل مطاعن الأعداء، وسيتجلى صدقه على العرب. وهذا ما حدث بالضبط.

وقوله تعالى واجْعَلْ لي مِن لدنك سلطانًا نصيرًا .. أي هَبْ لي من لدنك غلبةً تعينني على إنجاز مهماتي، ولا تعوقها.ذلك أن من الانتصارات ما يجلب على صاحبها الأضرارَ بدل المنافع؛ فعُلّم دعاء: يا ربِّ، أَعْطِني الغلبة التي تعينني على إنجاز مهمّاتي ولا تعوقها.

هذا الدعاء يؤيد ما بيّنتُه من قبل من معنى الإسراء النبوي، ويوضح أن من تعبير هذا الإسراء هجرة النبي إلى المدينة.

وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (الإسراء 82)

شرح الكلمات:

زهَق: زهَق الباطلُ: اضمحلَّ. زهَق الشيءُ: بطُل؛ هلَك (الأقرب)

التفسير:

تضمنت هذه الآية الإشارةَ إلى أنه ببداية الفترة المدَنية سيزداد النبي قوة إلى قوة، والعدو ضعفًا إلى ضعف، وسيضمحلّ الباطل يومًا بعد يوم حتى يهلك، وسيُقضَى على الوثنية في الجزيرة العربية بفتح مكة قضاء نهائيًّا؟

من مزايا القرآن الفريدة أنه في كل مناسبة يختار كلماتٍ ذاتِ مدلولات عميقة بعيدة المدى. فمثلاً اختار هنا فعل زَهَقَ ، بدل (هلَك) أو (بطُل)، لأن الفعلين الأخيرين لا يدلان على دمار تدريجي للباطل كما يدل عليه زهَق ، إذ يدل الزُّهوق على تطرق الضعف والاضمحلال شيئًا فشيئًا، إلى أن يتم الهلاك. وهذا بالضبط ما حصل بأهل مكة، إذ لم يصبهم الدمار دفعة واحدة، بل دب فيهم الضعف بالتدريج، إلى أن هلكوا تمامًا. إذن فكلمة زهق تبين أسلوب هلاكهم.

لما كسر النبي الأصنام الموضوعة في الكعبة يومَ الفتح قرأ هذه الآية نفسها. كان يوجّه الضربات إلى الأصنام صنمًا بعد صنم ويردد: جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا . (البخاري: كتاب المغازي، باب أين ركز النبي الراية يوم الفتح)

إنه لمن معجزة الفصاحة القرآنية أن الآية التي نزلت بصدد إزاحة الأصنام من الكعبة المشرفة جاءت موزونةً كالشعر، مما يتلاءم مع تلك المناسبة تمامًا، لأن الإنسان يميل بطبعه إلى الشعر في المناسبات السارة. مما لا شك فيه أن القرآن الكريم ليس بشعر، ولكن هناك أجزاء من آياته هي موزونة كالشعر. فهذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها إذا حذفنا منها كلمة قُلْ صارت شعرًا موزونًا كالآتي: جاء الحقُّ وزهَق الباطلْ إن الباطل كان زَهوقًافكلمة قُلْ التي تكتمل بها الآية أخرجتها من صنف الشعر، ولكن لما حان وقت ترديدها كان على النبي أن يقرأها بدون قُلْ لتنفع – بالإضافة إلى معانيها الرائعة – ككلام موزون يتلاءم تمامًا مع مناسبة الفتح السارة.

تصوَّروا روعة المشهد حين يكون الصحابة قد أخذوا يرددون هذه الآية في نشوة روحانية عارمة وقد رأوا النبي يرددها، ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم. لا جرم أنه لا يمكن أن يقدر ذلك إلا صاحب ذوق رفيع.