حسدا من عند انفسهم

التحرير

سنأخذك عزيزي القارئ عبر هذه السطور في رحلة استطلاعية في عالم حالك الظلام يحوي داءً عضالاً، وخصلة ذميمة ابتُلي بها الإنسان منذ نشأته. إنها خصلة مذمومة، شرها فتاك وأذاها لا حدود له.. الحسد، صفة إبليس اللعين التي تسببت في أول معصية ارتكبها الإنسان على وجه الأرض من خلال أول جريمة قتل:

فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (المائدة: 31)

الحسد مرضٌ خطير يُصيب القلب، وغالبا ينشأ نتيجة تفاوت الناس في الأرزاق والمناصب والجَمال وهلمَّ جرا من مقاييس التفاوت. وينتج عنه إثارة النفوس وانفعالها، حيث يتسرب هذا الداء إلى قلب مَن يُراقب الناس ويحسدهم على ما آتاهم الله من أفضاله في حال أنه لا يحظى بشيء من ذلك فيتضجَّر وينفعل. فيتربع الشيطان على عرش قلبه العليل ويتمركز فيه ويجعله مركزا للفساد. وهكذا يُخرجه من فضاء هدوئه واستقراره إلى عالم الغضب والانفعال ثم يدفعه تحت تأثير ثوائر النفس العليلة إلى سلوك لا تحمد عقباه تجاه مَن يحسدهم. ولا شك في أن الحسد نار ضارية كما بين المصطفى :

“إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ”،

وحقد دفين على وشك الانفجار. فهو كالسهام المصوَّبة نحو الكرم والنبل والشهامة والفضيلة، التي يستحيل على الحاسد أن يحصل عليها أو يتحلَّى بها أو يفقه كنهها، فهو انفعال نفسي إزاء نعمة الله على بعض عباده يتمنى الحاسد زوالها، وقد يحاول إزالتها تحت تأثير الحقد والغيظ بفعل يديه، فيمكر ويخطط وينفّذ لإحداث الضرر بمن يحسده.وكما لا يخفى على اللبيب المطلع فإن للحسد أقسامًا وأبعادًا ولكننا سنركز هنا على الحسد الذي تواجهه جماعة المؤمنين.. تلك الجماعة التي غرسها الله بيده كي تُحيي الإسلام في هذا العصر. فالجماعة الإسلامية الأحمدية منذ فجر تأسيسها تقبلت بعقلية إيمانية منفتحة حسد الحاسدين وعدوان الكائدين. وفي هذا الأمر إشارة روحانية خفية يجدر الإشارة إليها، وهي أن نار الحسد هي بمثابة وقود سفينة نجاة جماعة المؤمنين. فالجماعات الربانية تتقدم بعد أن تتعرض لحسد وعدوان الكائدين. وفي هذا الأمر البليغ حكمة ربانية تهب لها التقدم بشكل مذهل قد وضحه البارئ من خلال وحي لسيدنا الإمام المهدي :

“بشرى لك يا أحمدي، أنت مرادي ومعي، غرست كرامتك بيدي. أكان للناس عجبا؟ قل هو الله عجيب. يجتبي من يشاء من عباده، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وتلك الأيام نداولها بين الناس. وإذا نصر الله المؤمن جعل له الحاسدين.” (التذكرة ص 240)

ولو فكر معارضو الجماعة من المسلمين في فلسفة هذا السر ووعوا مغزاه لتوقفوا عن الكيد لسفينة السماء. وأنَّى لهم ذلك وقد أخلدوا إلى الأرض الدنية ولم يتطلعوا لمعارف الحضرة الإلهية؟! صحيح أن المسلم الأحمدي يتأذى ويتألم من جراء ما يُرتكب ضده من المظالم إلا أنه بصبره وثباته يُلحق بزمرة جماعة الصحابة الأولين من باب تطابق الحال والأحوال وما يتعرض له من اعتداءات لمجرد شهادته بـ لاإله إلا الله محمد رسول الله. وهكذا يتم الربط الروحاني بين صحابة البعثة الأولى والثانية لنشأة الإسلام حيث وعد الله الأتباع المخلصين لسيدنا أحمد :

“سأزيد جماعةَ محبّيك المخلصين، وأبارك في نفوسهم وأموالهم، وأكثّرهم تكثيرًا، وستكون لهم إلى يوم القيامة الغلبة على المسلمين الآخرين الذين يحسدونك ويعادونك. لن ينساهم الله ولن يغفل عنهم، بل لهم أجرهم على حسب إخلاصهم.” (التذكرة ص 140)

ولا يتوقف حسد وعدوان الكائدين على المتفهقين من المسلمين بل يمتد إلى طوائف دينية عديدة ويتعداها ويصل إلى المنظمات السياسية الكبرى التي أوجست خيفة من زحف وتقدم الجماعة المذهل. لأنها تشعر بعدم الاستقرار وفقدان النفوذ والهيمنة حيث تظن أن الجماعة ستستحوذ على الربوع والأقطار والموارد والثروات التي يكيدون للحصول عليها. ويا حسرتاه فأنى لهم أن يفقهوا أن حكومتنا ونفوذنا يتمركزان في القلوب الطاهرة لا في الأرض الدنية والمكاسب القذرة الدونية. وقد تلقى سيدنا أحمد ضمانا من الله أنه ليس هنالك قوة على وجه الأرض يمكنها أن تضر بحضرته أو بجماعته من خلال وحي جلي: “لن يُسلَّط الماسونيون لِيُهلكوه”. ولقد ألقى حضرته الأضواء على هذا الوعد مباشرة بعد تلقي هذا الوحي قائلا: وقد أُلقيَ في قلبي بشأن الماسونيين أنهم قوم ذوو نيَّات خفية. (التذكرة 418)ومن هنا نستنج أنه بناء على تغلغل أعضاء هذه المنظمة في دوائر اتخاذ القرارات العالمية، فإن نياتهم المعلنة والخفية لن تقدر على النيل من الجماعة التي ضمن الله لها العصمة من يد الناس والمنظمات والحكومات. يطول الحديث بهذا الخصوص إلا أننا نكتفي بهذا القدر ونود أن نتطرق ونلقي بعض الأضواء على خسارة مادية تعرضت لها الجماعة مؤخرا من خلال حريق شبَّ بمكاتب المجمع الإداري في مسجد بيت الفتوح- لندن .. أكبر مسجد في غرب أوربا، حيث أبدى بعض المعارضين شماتتهم وفرحتهم وبهجتهم. والحمد لله الذي خيَّب آمالهم حيث لم تصل ألسنة النيران إلى المسجد ولم تَنَلْ منه ولم يُصب أحد بأي مكروه. وقد ألقى حضرة أمير المؤمنين –أيده الله- خطبة بهذا الصدد وقف من خلالها على معالم الإيمان اليقيني الذي يشحن عزيمة وقوى أبناء الجماعة لمواصلة الدرب، ويخيب آمال وأحلام المغرضين. تجد عزيزي القارئ نص هذه الخطبة داخل هذا العدد، ونتمنى لك قراءة مفيدة لكي تحكم بنفسك على مجرى أحداث هذا النبأ العابر. ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نصرح بأن لسان حال المغرضين قد عبر عنه القرآن الكريم:

…حسدًا مِنْ عِنْدِ أنْفُسِهِم..

فما زاد هذا الحسد المؤمنين إلا إيمانا ويقينا وتثبيتا لعزائمهم. ثبتنا الله وإياكم على سبل الحق ووفقنا لخدمة دينه الحنيف. وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ومولانا محمد المصطفى وعلى آله وصحبه أجمعين، آمين.