المرأة والحجاب

آيات المصري

يقول الله تبارك وتعالى في محكم تنـزيله:

قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُـوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ الله خَبِيـرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ… (النور: 31-32)

كلما قرأنا هذه الآيات العظيمة من سورة النور أو سمعناها تتلى، أدركنا روعة وعظمة هذا الدين الحنيف، إنه يضع حدودا ومبادىء وقيمًا اجتماعية لو التزم بها المجتمع لعاش بطُهر وعفاف ولانعدمت الانحرافات والشذوذ.

«… غالبًا ما يُزعم أن الحجاب ينتقص من حقوق المرأة ولكن، نحن نعلم أن الحال ليس كذلك، والحقيقة هي أن الحجاب يؤسس في الواقع لكرامة المرأة واستقلالها وحريتها الحقيقية. الحجاب لا يعطي النساء الأمن المادي فحسب بل هو أيضًا وسيلة رئيسية لمنحهن الأمن الروحي ونقاء القلب”. (حضرة مرزا مسرور أحمد أيده الله)

إن الحجاب المفروض شرعا يلقي بالمسئولية على المرأة والرجل على حد سواء، وكثير من المسلمين حصروا موضوع الحجاب في أن تغطي المرأة رأسها أو أن تُعزل عزلة مطلقة تصل درجة السجن من التضييق عليها. ولكن انظروا إلى الآية الكريمة التي بدأتْ موضوعَ الحجاب بالمؤمنين قبل المؤمنات، وأمرتهم بغض البصر لتزكية النفس، ومن ثم أمر الله عز وجل المؤمنات بغض البصر أيضا. وهنا يبدأ أول جزء في مفهوم الحجاب، ألا وهو غض البصر. إذا قد أمر دين الإسلام الحنيف المؤمنين والمؤمنات بغض البصر ولم يسمح بإطلاق النظر دون رادع وبذلك يكون قد قضى على أساس مشكلة الاختلاط ولم يجعل نظرا طاهرا ونظرا غير طاهر بل أمر بغض البصر في كل حال. وقد بين علم النفس أن بوادر العلاقات بين الجنسين تكون بتبادل النظرات، فجاء الأمر القرآني بغض البصر للمؤمنين والمؤمنات على حد سواء. يقول المسيح الموعود :

“الغرض من أمر الإسلام أن يحتجب الرجل من المرأةِ والمرأةُ من الرجل هو أن يتجنب الإنسانُ العثار والزلة، لأن الإنسان في بادئ الأمر يميل إلى السيئات وينقضّ أو ينهال عليها لدى أدنى إشارة سقوط الجوعان على الطعام اللذيذ. فعلى الإنسان أن يصلح نفسه. هذا هو السر في الحجاب الإسلامي الذي بينته خاصة لهؤلاء الذين لا يعرفون حقيقة أوامر الإسلام”. (تفسير المسيح الموعود، قوله تعالى: “قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم”)

والجزء الآخر من الحجاب الذي خص الله تعالى به النساء وألقى عليهن مسئولية الالتزام به هو:

وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ.. ،

إذ عُدّت المرأة كالجوهرة الثمينة التي لا يجوز أن يرى بريقها كل من هب ودب. ما أروع هذا التعليم الذي رفع مكانة المرأة وأعزها بالحجاب ليحفظها من نظرات الأذى ونظرات الشهوة.

فالحجاب ليس إساءة إلى المرأة أو انتقاصا من حقوقها كما يعتقد بعض الجاهلين بهذا التعليم العظيم، إنما فُرض صونا وحماية لها. وقد بين أمير المؤمنين الخليفة الخامس نصره الله هذه النقطة في أحد خطاباته قائلا:

“اليوم، تحدثت بشكل خاص عن الحجاب لأنه غالبًا ما يُزعم أن الحجاب ينتقص من حقوق المرأة ولكن، نحن نعلم أن الحال ليس كذلك، والحقيقة هي أن الحجاب يؤسس في الواقع لكرامة المرأة واستقلالها وحريتها الحقيقية. الحجاب لا يعطي النساء الأمن المادي فحسب بل هو أيضًا وسيلة رئيسية لمنحهن الأمن الروحي ونقاء القلب”.

“الحجاب الشرعي هو أن تغطي المرأة شعر رأسها وجانبا من جبينها وذقنَها وكل مقام الزينة أيضا. أي تلف الرداء حول الوجه بحيث تبقى العينان والأنف مكشوفا. وهذا النوع من الحجاب يمكن أن تقوم به السيدات في إنجلترا أيضا ولا حرج في ذلك، لأن العينين تبقيان مكشوفتين.» (تفسير المسيح الموعود، قوله تعالى: «وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن»)

وقد قال البعض أن الحجاب يعيق تقدم النساء، فبالله عليكم ما هو الإنجاز الذي تحققه النساء السافرات ولا تحققه النساء المحجاب؟! إذ يمكن للنساء أن يحرزن الرقي والتقدم في كافة المجالات مع مراعاتهن الحجاب الإسلامي ولا يقف شيء بوجههن. أما إذا خيرت المرأة بين حجابها الذي هو أمر إلهي وبين تركه لأي سبب كان فعليها هنا التمسك بحجابها وإيثار دينها على أي شيء آخر. وقد بين أمير المؤمنين نصره الله هذه النقطة قائلا:

“إذا كنتن تعشن في مجتمعٍ يُنظر فيه إلى بعض تعاليم الله بازدراء أو سخرية، ومع ذلك استمررتُن باتباع أمر الله فإنكن سوف تكسبن المزيد من النعم والمكافآت منه بسبب ثباتكن. وهكذا ففي هذا المجتمع سوف تكافئن إلى حدٍ كبير بالتأكيد بسبب تقيدكن بالمعايير الصحيحة للحجاب “.

فكيف للمرأة أن تتنازل عما يحميها ويصونها ويحفظ كرامتها؟! والأهم من ذلك كيف لها أن تتنازل عن أمر من أوامر الله عز وجل الموجه إليها.اختلفت كيفية الحجاب كثيرا بين الأقوام المسلمة وارتبطت بعاداتهم وتقاليدهم ولكن هناك أسس عامة للحجاب فيقول المسيح الموعود عن كيفية الحجاب ما يلي:

“الحجاب الشرعي هو أن تغطي المرأة شعر رأسها وجانبا من جبينها وذقنَها وكل مفاتنها أيضا. أي تلف الرداء حول الوجه بحيث تبقى العينان والأنف مكشوفا. وهذا النوع من الحجاب يمكن أن تقوم به السيدات في إنجلترا أيضا ولا حرج في ذلك، لأن العينين تبقيان مكشوفتين. (تفسير المسيح الموعود، قوله تعالى: “وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن”)

إذا على المسلمات أن يخفين كل مقام للزينة إلا ما ظهر منها ولا يظهرن مفاتنهن. كم كثرن في هذا الوقت مَن وصفهن الرسول بالكاسيات العاريات؛ فقد تجدهن محجبات على حد زعمهن ولكن بلباس ضيق وكل مفاتنهن وزينتهن ظاهرة، ولا شك أن أمثال هؤلاء لم يدركن المعنى الحقيقي للحجاب الإسلامي ويتعاملن معه كتقليد أو موضة. وعلينا كأحمديات خاصة أن نلتزم بحجاب ولباس محتشم عند خروجنا من منازلنا وقد قال أمير المؤمنين نصره الله في إحدى خطب الجمعة:

“ثم نلاحظ أن المرأة لا تلبس لباسا محتشما، وعند الخروج من البيت لا تراعي الحجاب، وتخرج من البيت حاسرة الرأس وتتجول دون الرداء أو الحجاب ويكون لباسها ضيقا يُبرز المفاتن مع ادعائها بأنها مسلمة أحمدية.”

وعلى النقيض من ذلك نجد في بعض الأقطار من الناس من يتشددون جدا ويفرطون في أمر الحجاب، حتى إن منهم من يمنع المرأة من الخروج من البيت. لكن مثل هذا “الحجاب” هو من اختراع الناس أنفسهم ولا يمت إلى تعاليم القرآن الكريم العظيمة بصلة، بل هو ظلم صريح للمرأة وله انعكاسات سلبية على صحتها الجسمية والنفسية والروحانية أيضا. ومن الناس من وصل بهم التعصب إلى أن يلبسوا طفلات صغيرات الحجاب، بحجة أن عليهن الاعتياد على ارتدائه. ولكن هل المطلوب أن يكون الحجاب عادة أم هو أمر إلهي يهدف إلى ستر الفتاة البالغة وحفظها؟! يجب أن تلتزم البنت بالحجاب عندما تظهر فيها علامات الأنوثة وتبلغ، لا قبل ذلك. يقول المسيح الموعود:

“ليس المراد من الحجاب الإسلامي أن تُسجن المرأة كالأسرى، بل يهدف القرآن الكريم إلى أن تحتجب النساء ولا ينظرن إلى غير المحارم من الرجال. النساء اللواتي يحتجن إلى الخروج لضرورة اجتماعية فلا مانع لهن من الخروج من البيت. فليخرجن إن شئن ولكن لا بد من غض الطرف”. (الحكم، مجلد5، رقم15، عدد 24/ 4/1901م، ص3)

فالاعتدال في هذا الأمر الإلهي هو المطلوب، لا إفراط ولا تفريط وهذا ما أكده أمير المؤمنين نصره الله تعالى في أحد خطاباته للجنة إماء الله قائلا:

“يجب أن تبقى أوامر الله فيما يخص الحجاب في حالة توازن واعتدال، لأن كلا الجانبين يميل نحو التطرف، ففي أوروبا وفي الغرب عمومًا، أصبح المجتمع متحررًا جدًا وبلا حياء حتى تفشى اليوم الزنا والفحشاء. وعلى الجانب الآخر، هنالك مسلمون متعصبون يمنعون نساءهم حتى من الخروج من منازلهن”.

أما المسيح الموعود عليه السلام فقد قال في الإفراط والتفريط وما ينتج عن ذلك ما يلي:

“هناك كثير من الإفراط والتفريط في موضوع الحجاب. لقد فرّط فيه أهل أوروبا والآن يريد بعض من أتباع مذهب الطبيعة أن يفعلوا ذلك تقليدا لهم، مع أن السفور قد أدّى إلى الإكثار من الفسق والفجور في أوروبا إلى حد كبير. ومقابل ذلك يقوم بعض المسلمين بالإفراط بحيث لا تخرج المرأة من البيت مطلقا… باختصار، إنني أرى كِلا الفريقين الـمُفْرِط والمفَرِّط مخطئا”. (الحكم، مجلد8، رقم6، عدد 17/2/1904م، ص5)

ليست الغاية من فرض الحجاب تقييد المرأة أو الانتقاص من مكانتها، بل فرض لحمايتها ولحفظ كرامتها، ولإنشاء مجتمع طاهر سوي متوازن أخلاقيا. ولو علم الغرب فلسفة هذا التعليم الرباني لما سنوا القوانين المعادية لحرية المرأة بارتداء الحجاب، ولَما شاعت الفاحشة وانحدرت المجتمعات للهاوية…

إذ ليست الغاية من فرض الحجاب تقييد المرأة أو الانتقاص من مكانتها، بل فرض لحمايتها ولحفظ كرامتها، ولإنشاء مجتمع طاهر سوي متوازن أخلاقيا. ولو علم الغرب فلسفة هذا التعليم الرباني لما سنوا القوانين المعادية لحرية المرأة بارتداء الحجاب، ولَما شاعت الفاحشة وانحدرت المجتمعات إلى الهاوية وأصبحت النساء فيها كالسلعة يتاجر بها، وتُنتهك حقوقهن في وقت تُرفع فيه شعارات عريضة بتحرير المرأة. ولكن ما من دين سماوي صان حقوق المرأة كما فعل الإسلام، لقد رفعها وأكرمها وحض الرجل على إكرامها والرفق بها وحسن معاشرتها، ليكون أفضل الرجال أكثرهم إحسانا إلى زوجته. وفي ذلك قال المسيح الموعود ما يلي:

“لم يصُن أيّ دين حقوق المرأة قط كما صانها الإسلام، فقد قال الله تعالى بكلمات موجزة: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ؛ أي كما للرجال حقوق على النساء كذلك أيضا حقوق مثلها على الرجال. نسمع عن بعض الناس أنهم يعدّون هؤلاء المسكينات كحذاءٍ، ويطلبون منهن القيام بأعمال مهينة جدا، ويسبّونهن وينظرون إليهن بازدراء واحتقار، ويطبِّقون عليهن أحكام الحجاب بطريقة خاطئة وكأنهم يئدونهن. ينبغي أن تكون علاقة المرء بزوجته كالعلاقة بين صديقَين حميمين صادقَين. الحق أن المرأة أول شاهد على أخلاق الرجل وصلتِه بالله، فإن لم تكن علاقته بها جيدة فكيف يمكن أن يتصالح مع الله تعالى. لقد قال رسول الله : “خيرُكم خيركم لأهله”، أي أن أفضلَكم من كان أكثرُكم إحسانًا إلى زوجته. (الحكم، مجلد7، رقم18، عدد 17/ 5/1903)

جعلنا الله تعالى ممن يدركون أهمية أوامر الله تعالى ويلتزمون بها للوصول إلى مجتمع أفضل مدركين واجباتنا، وأن نكون ممن يؤثرون الدين على الدنـيا في كل موقـف وممن ينالـون بركـات الامتثال لأوامر الله تعالى في كل مجال وفي كل حين. آمـيـن

Share via