الله جل وعلا.. هو الذي يولّي الخلفاء

الله جل وعلا.. هو الذي يولّي الخلفاء

الأستاذ المرحوم مصطفى ثابت

الخلافة في الإسلام موضوع هام واسع لا يمكن تناوله في مقالة واحدة.. لذا سأتناول اليوم جانبين منه.

أولهما: أن الخليفة يوليه الله تعالى.

والثاني: أنواع الخطأ الذي يمكن أن يقع من الخليفة.

أهمية الموضوع

هذا الموضوع عظيم الأهمية، ويجب أن نتفهمه جميعا. فهو هام لشبابنا وأجيالنا الناشئة، خصوصا لمن ولدوا ونشأوا في هذه البلاد الغربية. وهو هام للقادمين الجدد إليها حيث يمارسون الديمقراطية الحقة.. ربما لأول مرة في حياتهم. وهو هام لمن يشعرون بالخجل من طرح الأسئلة.. ويقولون في أنفسهم كيف يكون الله تعالى هو الذي يولي الخليفة بينما نرى الناس ينتخبونه؟

وعلى العموم، الموضوع هام جدا لنا معشر المسلمين الأحمديين، لأن الخلافة الإسلامية الأحمدية، قد عادت واستقرت في هذه الجماعة، ونقدم ببيعتنا على يد الخليفة. ومن الأهمية بمكان عظيم أن نفهم مقام الخلافة، ومن الذي يولى الخليفة حقا.

أسئلة تحتاج إلى إجابات

ربما كانت هناك أسئلة كثيرة تتردد في أذهاننا حول هذا الموضوع، وقد ترد على أفكارنا أسئلة أخرى عندما نتناوله. والسؤال الهام: هل من الممكن أن ينتخب الناس شخصا.. وفي نفس الوقت يكون الله هو الذي عينه؟ وهل يعني ذلك أن كل من ينتخبه الناس يكون معيَّنًا من الله تعالى؟ هل يمكن القول بأن مستر بوش في أمريكا ومستر ميتران في فرنسا ومستر ملروني في كندا، وسائر رؤساء الدول الذي ينتخبهم الشعب، معينون من قِبل الله تعالى؟ وإذا ادعينا أن خليفة المسلمين الذي ينتخبه الجمهور هو وحده الذي يوليه الله تعالى.. فما هي الأدلة التي نثبت بها للآخرين أن قادتهم المنتخبين لم يولهم الله تعالى؟

ثم لو سلمنا بأن الخليفة يوليه الله تعالى، فلماذا لا يوليه بدون عملية الانتخاب؟ لما يختاره الناس أولا؟

إن الله تعالى هو الذي يصطفي الأنبياء ويبعثهم، ولا يشارك الناس في انتخاب الأنبياء، وإنما يختارهم ويعينهم الله تعالى.. فلماذا لا يولي الله الخليفة دون أن يشترك الناس في عملية الانتخاب؟

وأخيرا.. لو أقررنا بأن الله تعالى هو الذي يولي الخليفة.. فما هي الأخطاء التي يحتمل وقوعه فيها؟ وهل الخليفة معصوم مثل الأنبياء؟ وهل من الممكن أن يخطئ في أمور الشريعة، فضلا عن الأخطاء التي تتصل بتقدم الجماعة ومصالح الناس؟

حل المسألة لا يكون بتجاهلها

كل هذه التساؤلات حقيقية، تراود أفكارنا، ويجب إخراجها إلى النور، والبحث عن أجوبة لها. هناك من يستحي أن يسأل والده: أبي، ما دليلك على أن الخليفة معين حقا من لدن الله تعالى؟ قد يستحون، وقد لا يسألون، ولكن السؤال لن يختفي من أذهانهم. قد يكتمونه، أو ينحونه جانبا أو يدفعون به إلى خلفية العقل.. ولكنه يبقى دائما هناك، وقد يتحرك ويرد على البال عندما يدرسون موضوع الديمقراطية في المدرسة أو الجامعة، وعندما يناقشون مع أصحابهم نظام الانتخاب في الإسلام بإزاء نظامه في الغرب. إن تجاهل مثل هذه الأسئلة الهامة لا يحل مشكلة، وقد يعرض شبابنا الذين يعيشون في الديمقراطيات الغربية إلى خطر حقيقي. ثم لا يليق بمسلم أحمدي ألا يعرف الجواب على هذه الأسئلة الهامة.

نعم، إنها ليست أسئلة سهلة، والجواب عنها ليس سهلا. لا بد أن يفكر المرء، ويلتمس من الله تعالى، ويفتش عنها في القرآن الكريم. ولقد فشل كثير من الناس في إدراك الإجابة على هذه الأسئلة، وهناك من بين أتباع سيدنا المهدي والمسيح الموعود من عجزوا عن إدراك هذه المفاهيم، فضلّوا وخرجوا بعيدا عن مسار الجماعة. وهناك بين الذين دخلوا في الإسلام زمنَ صحابة النبي المصطفى من لم يفهموا أن الخليفة يوليه الله تعالى، وبجهلهم هذا ثاروا على الخليفة الثالث، سيدنا عثمان . ونعلم أن الخليفتين الثالث والرابع رضي الله عنهما، قتلهما بعض المسلمين.. فحُرموا من نعمة الخلافة. ولو أنهم أدركوا هذا المفهوم ما ارتكبوا هذه الجرائم في حق الخلافة.

انقدْ وفكِّرْ

الموضوع بالغ الأهمية حقا.. ولذلك أرجو أن تصبروا معي هذه الساعة، وأعيروني آذانا صاغية وأذهانا متفتحة. لا تأخذوا كلامي قضية مسلمة! بل استمعوا إليّ بعقل ناقد، وتفحصوا ما أقول.. وإذا عنَّ لكم أسئلة في نهاية الحديث فيسرني أن أتمكن من الإجابة عليها، وإن لم يكن اليوم لضيق الوقت فغدّا إن شاء الله. ويسعدني أن آتي إليكم.. ادعوني إلى حلقتكم، وادعوني إلى بيوتكم إذا شعرتم أن الموضوع حساس، وتحرجتم من السؤال علنا. وأنا على استعداد للحضور إليكم لمناقشة الموضوع من جميع جوانبه. فقط أرجوكم تلقّي ما أقول بطريقة ناقدة. أحب أن تنتقدوه.. لأنكم عندما تنتقدون شيئا تفكرون فيه بعمق، وعندما تفكرون يمكن أن تصلوا إلى الحقيقة. وأعتقد اعتقادا راسخًا أني أقدم لكم الحقيقة. ولما يكون أحد على حق فإنه يقتنع ولا يخشى مناقشته. وأريدكم أيضا أن تقتنعوا بالحق عندما يتبين لكم، وإني على يقين من أنكم سوف تقتنعون.. إن شاء الله تعالى.

مدخلان

المسألة المطروحة هي: كيف يعتبر الخليفة الذي يختاره الناس، معينا من لدن الله تعالى؟ ولهذه المسألة مدخلان؛ الأول: بيان أن هناك أعمالا يقوم بها الإنسان ومع ذلك يعدها الله تعالى أعماله.. هو الذي يعلِّمها ويُجريها على أيدي الناس. والمدخل الثاني: إثبات أنه في عملية اختيار الخليفة يختار الله تعالى بنفسه، أما الإنسان فإنه يلقي بصوته فحسب لتتجلى مشيئة الله. ولسوف نتناول هذين المدخلين بالتفصيل.

أدلة من القرآن الكريم

وفي المدخل الأول نلتمس الهداية من القرآن الكريم. يقول تعالى:

أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (الواقعة: 64-65)

يتحدث الفلاحون فيما بينهم عن المحاصيل التي يزرعونها. يقول أحدهم زرعت قمحا وقطنا، وزرعي كان طيبا في هذا العام. فالفلاح هو الذي يحرث الأرض ويبذر الحب ويزرع المحصول.. ولكن الله تعالى يقول: نَحْنُ الزَّارِعُونَ . ومعنى ذلك أن العمل الذي قام به الإنسان منسوب إلى الله تعالى. لماذا؟ لأن الفلاح قد اتبع النظام الذي خلقه تعالى لنمو المحصول. وإذا لم يتبع الفلاح هذا النظام فلن ينبت المحصول. فالزارع الحقيقي هو الله. هو الذي خلق النظام، ومتى اتبع الإنسان النظام الرباني في اختيار التربة المناسبة، وغرس البذور المناسبة، والغرس في الوقت المناسب للزراعة.. فإنه سوف ينبت بإرادة الله تعالى.

لا يمكنك أن تزرع المانجو في كندا أثناء الشتاء. لا يمكن ذلك أبدا ما لم تهيء مكانا مزودا بالظروف البيئية المناسبة لنمو المانجو من تربة وحرارة كتلك الموجودة في البلاد التي تزرع المانجو مثل الشرق الأوسط والقارة الهندية. ما لم يتوفر ذلك لن تستطيع زراعة المانجو في كندا. فإذا ما كانت أعمال الإنسان اتباعا للنظام الرباني لتحقيق نتيجة معينة كانت تلك النتيجة من فعل الله تعالى. ولذلك لا بد لك من اتباع النظام الذي وضعه الله لانتخاب الخليفة. وعندما تتحقق النتيجة ويتم اختيار الخليفة.. تكون هذه النتيجة من فعل الله تعالى.

دليل آخر

يقول القرآن الكريم:

قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ (التوبة: 15)

في هذه الآية يخاطب الله تعالى المسلمين الأوائل الذين كانوا في قتال ضد عدوان المشركين من أهل مكة. لقد أثار عدوانُهم وما اقترفوه من فظائع ضد المسلمين غَضبَ الله تعالى وأصبحوا مستحقين لعقابه. ولم يزل عقاب الله ينزل على مناهضي الأنبياء إذا ما تجاوزوا الحدود في اعتداءاتهم على المؤمنين. لقد حل عقاب الله على أقوام نوح وموسى وعاد وثمود. وكذلك الحال مع معارضي سيدنا محمد المصطفى .. فقد تجاوزوا كل حد في عدوانهم وبات العقاب الإلهي وشيكا. وفي الآية السابقة يواسي الله تعالى المؤمنين، ويخبرهم أن عقاب الله قريب النزول بأعدائهم، ولكن بدلا من أنه يصيبهم من السماء مباشرة كما كان الحال مع الأمم السابقة.. قدر الله تعالى أن يتخذ من أيدي المؤمنين أداة لعقابهم. فالفعل فعل الله، ولكنه يتجلى على أيدي المؤمنين. وهذا يوضح حقيقة أن الإنسان يقوم ببعض الأفعال طاعة لله، واتباعا لأوامره، وموافقا لمشيئته.. وهي في الحقيقة أفعال الله نفسه. وإلى هذا المعنى يشير الحديث القدسي: “لا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه. فإن أحببتُه كنتُ عينَه التي يرى بها، ورِجلُه التي يمشي بها، ويدَه التي يبطش بها..”

دليل ثالث

ويجد هذا المفهوم سندا آخر في القرآن الكريم في قول الله تعالى:

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ (الأنفال:18).

تخاطب هذه الآية أيضا المسلمين الأوائل مؤكدة لهم أن الله تعالى هو الذي قتل المعتدين من مشركي مكة يوم بدر. ومن الحقائق المعروفة أن المسلمين هم الذين قاتلوا بسيوفهم فقتلوا المشركين.. ولكن الله تعالى يقول إنه هو الذي قتلهم وبعبارة أخرى.. لقد عمل المسلمون ما عملوه انصياعا لأمر الله واتباعا لتعاليمه.. ولذلك نسبه الله تعالى إلى نفسه، وصار عملا لله تعالى.

وبالمثل يخاطب الله سيدنا المصطفى ويقول له: إنك رميتَ بسهامك ورماحك طاعة لله وابتغاء لمرضاته ونزولا على مشيئته، ومن ثم فرميك كله منسوب إلى الله جل وعلا.

مزيد من الدلائل

هناك آيات كثيرة في القرآن الكريم تؤيد هذا المفهوم، وبدراستها يتضح أنه عندما يقوم الإنسان بأعمال معينة طاعة لله جل وعلا، وعملا بأوامره وابتغاء لمرضاته.. فإنها تكون أعمالا لله. وما الإنسان في مثل هذه الحالات سوى وسيلة تتجلى من خلالها مشيئة الله. فالفاعل الحقيقي هو الله، والإنسان وسيلة فعل. وهكذا الحال في عملية انتخاب الخليفة. يقوم الإنسان فيها بدور الوسيلة، أما الاصطفاء والتعيين فهو عمل الله تعالى.

الرحمن الرحيم

قد يرد على الذهن سؤال: إذا كان الله تعالى هو الذي يولي الخليفة، فلماذا لا يصطفيه مباشرة كما يصطفي الأنبياء؟ إن النبي لا ينتخبه أحد، ولا يتخذ الله الإنسان وسيلة لاصطفاء نبي.. فلماذا لا يفعل نفس الشيء في تولية الخليفة؟

ولكي نفهم الجواب على هذا السؤال ينبغي أن نفهم كيف يتجلى الله تعالى من خلال صفتيه: الرحمان والرحيم.

الرحمان: هي الصفة التي من مظاهرها أن تتجلى نعمه تعالى على الإنسان بصرف النظرعن  أفعاله. وبعبارة أخرى: إن الله تعالى لكونه رحمانا يسبغ على الإنسان بنعمه سواء أكان مؤمنا أم كافرا، عابدا لله أم ملحدا، مستحقا للنعمة أم غير جدير بها. انظروا الهواء على سبيل المثال.. يزود الله به المتقين كما يعطيه للفاسقين على حد سواء. لم يخلق الإنسان هذا الهواء، ولم يفعل شيئا صالحا يستحق به هذه النعمة، ولكن الله أعده للإنسان قبل أن يخلقه على الأرض. وأمثال هذه النعم ينالها الإنسان من خلال صفة الرحمان.

والرحيم صفة لا تتسم بهذه الشمولية.. إنها ليست لكل أحد، بل تخص عباد الله المؤمنين. يقول القرآن المجيد ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (التوبة: 118)

إذا كان المرء مؤمنا تجلى الله عليه بصفة (الرحيم) ولكي ينتفع المرء من صفة الرحيم لا بد وأن يكون مؤمنا أولا. وهناك كثير من الصفات الربانية منبثقة عن صفة الرحيم.. وكلها تقتضي أن يفعل الإنسان شيئا ليستفيد منها، فإذا لم يعمل ما تقتضيه هذه الصفات أصبح غير مستحق للانتفاع منها.

ويتم اختيار النبي من خلال صفة الرحمان. والسؤال الآن: لماذا يصطفي الله النبي؟ السبب أنه عندما يَستشري الشر والخبث في الأرض، وعندما يضل الجميع وتختفي الهداية الحقة.. ولا يكون هناك من يستحق تلقي نعمة من الله.. عندئذ يصطفي الله تعالى بفضلٍ محض أي برحمانيته.. يصطفي نبيا، ويوليه النبوة مباشرة من لدنه. ولكن بعد أن يستكمل النبي مهمته، ويجمع المؤمنين على الصراط السوي.. يتجلى الله تعالى من خلال صفة الرحيم.. فيولى خليفةً. لمن؟ للمؤمنين الذين يؤمنون ويعملون الصالحات. فهناك شرطان لازمان كي يولي الله خليفة. وقد ذكرها الله تعالى في القرآن المجيد: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (النور: 56)

هذان هما المطلبان الأساسيان: الإيمان وحده غير كافٍ، وعمل الصالحات بلا إيمان لا طائل منه. وبيان الأعمال الصالحة مشروح في سياق الآيات السابقة واللاحقة لهذه الآية.. وتسمَّى آية الاستخلاف، أو الآية التي تتضمن وعد الله بإقامة الخلفاء في الأمة الإسلامية.

معنى أفعال الله

افتَح مصحفك واقرأ آيات سورة النور من 52 إلى 58 لتجد مادة (أطيعوا) تكررت سبع مرات. لماذا؟.. لأن آية الاستخلاف جاءت بين هذه الآيات السبع، ويريد الله تعالى أن يؤكد ويوضح أن طاعة الله ورسوله وخليفته.. هي الأعمال الصالحة اللازمة لتحقق وعد الله. فبدون الطاعة لا توجد أعمال صالحة، وإذا لم توجد أعمال صالحة فلا يتحقق وعد الله.

فالإيمان والأعمال الصالحة من خلال طاعة الله تعالى وطاعة رسوله وطاعة خليفته هما الشرطان لتجلي هذه النعمة، وإذا تخلف شرط منها سلبت النعمة. ولقد رأينا في الماضي أيام صدر الإسلام كيف أن بعض المسلمين عندما خرجوا على طاعة الخليفة حُرموا من نعم الخلافة. كانوا مؤمنين.. آمنوا بالله ورسوله، ولكنهم فشلوا في عمل الصالحات.. فشلوا في إطاعة الخليفة، فكانت العاقبة أن سلبت منهم نعمة الله تعالى في تعيين خليفة وهكذا انتهت الخلافة الراشدة.

إن تولية الله تعالى للخليفة نعمة خاصة جدا.. لا تمنح إلا لقوم يؤمنون ويعملون الصالحات. وإذا فشل القوم في إظهار ذلك فلن يولي الله تعالى الخليفة، ولن يتجلى في صفته الرحيم لأنها صفة خاصة بالمؤمنين، وهذه النعمة على وجه الخصوص، نعمة إقامة الخليفة، هي من نصيب المؤمنين الذين يعملون الصالحات.

عملية انتخاب الخليفة

قد يرد هنا سؤال : إن الناس هم الذين يختارون الخليفة، فكيف نعرف حقا أنه أيضا معين من لدن الله تعالى؟ والجواب على هذا السؤال نجده في القران الكريم.. حيث يوجهنا کی ندعو لأنفسنا ولأولادنا ولأزواجنا، وكذلك يوجهنا أن ندعو کی يولینا الله إماما للمتقين. يعلمنا القرآن الكريم أن نقول : وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (الفرقان: 75).

والسؤال الآن: هل يستجيب الله تعالى لهذا الدعاء؟ طبعا.. يجيبه الله تعالى.. ما داموا حقا مؤمنين طائعين. عندما يُتوفی خليفة، يمثل موته صدمة عظيمة لجماعة المؤمنين. الموت في العائلة صدمة كبيرة، وموت الأب صدمة عظيمة لأولاده، وبالمثل، فإن موت الأب الروحي صدمة عظيمة لأولاده الروحيين. يبيت كل فرد متخوفا متوجسا.. هل يستمر الله تعالى في تجليه عليهم من خلال هذا النظام المبارك أم لا؟ ويصبحون متألمين مضطربين .. يسألون أنفسهم: هل كانوا مطيعين للخلافة أم ضلوا؟ فيتوجهون إلى الله تعالى، ويدعونه بحرارة، ويتوبون عن كل خطاياهم، ويلتمسون مغفرته ويسألون هدايته، ويلقون أنفسهم عند أعتابه متوسلين: اللهم اهدنا لاختيار من تريد توليته خليفة! وهكذا لا يكون اختيار الخليفة من عمل الناس، بل هو فعل الله تعالى. وليس الناس سوى أداة لتجلي إرادة الله. إنهم يطرحون أصواتهم كما يطرح الفلاح البذور.. والله تعالى هو الزارع الحقيقي. وكما شارك أولئك المقاتلون في المعركة ضد المعتدين المكيين.. وكانت العقوبة من الله تعالى.. وتجلت على يدهم؛ كذلك يدعو المؤمنون: اللهم اهدنا، وأرشدنا إلى من تريد توليته، ولسوف نطيعك ونطرح أصواتنا له.

الغرض من الدين

هنا ينبغي أن نتساءل: ما هو الغرض من الدين؟ ليس الغرض منه أن يصنع أناسا طيبين يعيشون في جو سلام وانسجام فحسب.. وإنما الغرض الرئيسي للدين أن يصل الإنسان بالله تعالى. الغرض الأساسي من الدين أن يوطد علاقة بين الإنسان وخالقه. هذا.. ببساطة تامة.. هو الهدف من الدين، وإذا لم يتحقق هذا الهدف فلا حاجة للإنسان في الدين. إنه عندئذ يكون دینا ميتا لا يصل بين الإنسان وربه. والإسلام دين حي، ومن خلال الإسلام يمكن للمرء أن يقيم علاقة بالله تعالى.

وتقتضى هذه العلاقة أن الإنسان إذا كان في ضيق ونادى ربه کی يعينه، وإذا كان في غم أو هم؛ وإذا كان حقا في حاجة إلى هداية من الله فلسوف يقبل الله عليه، ويسمع لبكائه، ويجيب دعاءه ويهديه.

وماذا يكون أشد إزعاجا من موت أب روحی؛ موت قائد الجماعة؛ موت إمام المتقين؟ لقد مات ذلك الرجل.. أتقی الأتقياء، الذي كان مرشدا للجماعة وإماما لها. والآن أمست الجماعة بدون إمام. إنها كجسد بلا رأس. فماذا يفعل المؤمنون؟ إنهم يهرعون إلى الله تعالى ويرتمون عند عتبته ويصرخون: اللهم أعنا واهدنا لنختار من تريد أن يكون خليفة لنا!

من الذين يدلون بأصواتهم؟

يتجلى الله تعالى مرة أخرى بصفة الرحيمية .. فيهدي المؤمنين ويدلهم على الشخص الذي يريد اختياره. أما هم فيطرحون أصواتهم لهذا الشخص.

فمن هم يا ترى الذين يدلون بأصواتهم؟ ليس أنت ولا أنا. ليس أحدا ممن بلغوا سن الانتخاب، ولا أي مواطن من بلد معين. کلا، إن نظام انتخاب الخليفة مختلف عن أي نظام غربي ديمقراطي.

يدعو المؤمنون ويبتهلون لله تعالی کی يعين لهم إماما للمتقين. وإمام المتقين هو الأتقى والأصلح للقيادة. والمتقون هم وحدهم أصحاب الحق في الإدلاء بأصواتهم. والمتقون هم وحدهم الذين يتوجهون إلى الله تعالى يلتمسون منه الهداية والدلالة على من يريده إماما لهم. وينبغي أن يكون هؤلاء الناس قد أحرزوا مستوى رفیعا من التقوى، وتوطدت بينهم وبين الله تعالى صلة بحيث لو سألوه الهداية أجاب سؤالهم، ودلهم على مشيئته لاختيار شخص معين إماما للمتقين. وعندئذ يلقون بأصواتهم له.

لا تقوى.. لا خلافة

إذا لم تكن هناك هذه التقوى انهار النظام كله. فبدون التقوى لا يشارك الله تعالى، ويدع العملية كلها للناس کی يختاروا من يشاءون بحسب أغلبية الأصوات.. وهكذا ليس كل من ينتخبه الناس بالضرورة معينًا من عند الله تعالى.

إن انتخاب المستر بوش والرفيق ستالين والسيد فلان أو علان وغيرهم من الرؤساء والزعماء الدنيويين لا تنطبق عليه تلك الشروط، ومن ثم لا يمكن أن يكون الله تعالى هو الذي عينهم وولاهم. نعم، قد يكون بعضهم قد انتخب بطريقة ديمقراطية.. ومع ذلك لم يولهم الله جل وعلا. الواقع أن هتلر اختير ووصل إلى السلطة عن طريق الانتخاب الديمقراطي.. ولم يكن انتخابا مزورا أو مصطنعا كما يجري عادة في بلاد العالم الثالث. كان انتخابا حقيقيا نظيفا صحيحا ديمقراطيا.. ولكنه لم يكن طبقا للنظام الإلهي. وعندما لا يكون المتقون هناك في هذه العملية فإن الله تعالى لا يضع يده فيها. إذن القضية كلها تعتمد على التقوى. إن غابت عن قضية الانتخاب غابت عنها المشاركة الإلهية كذلك.

الهيئة الانتخابية

وهنا ينشأ سؤال آخر: من هم هؤلاء الذين ينتخبون الخليفة؟ وكيف نضمن أنهم بلغوا هذا المستوى الرفيع من التقوى؟

لهذا الغرض تشكلت هيئة انتخاب لاختيار الخليفة. وليس ثمة عدد محدد لمن يشاركون في عملية الانتخاب. والشرط الوحيد أن يكونوا من المتقين.

عندما توفي رسول الله اتفق قادة المجتمع الإسلامي على اختيار سيدنا أبي بكر الصديق ليكون أول خليفة: واختار الصديق، وهو الأتقى، الخليفة الثانی سیدنا عمر بن الخطاب. وعين الفاروق قبل وفاته هيئة انتخابية تتكون من ستة من كبراء الجماعة الإسلامية المبشرين بالجنة.

وفي عصر نهضة الإسلام.. وبعد مجئ الإمام المهدي والمسيح الموعود .. عين سيدنا الخليفة الثاني “المصلح الموعود” هيئة انتخاب الخليفة.

يجتمع كل هؤلاء، وينضمون سويا حيث توفي الخليفة الراحل. فلا يمكن أن يبعث أحد بصوته الانتخابي من بلد آخر.. بل يجب أن يذهب بنفسه ليكون في صحبة المتقين. هناك يرى أثر وفاة الخليفة الراحل، ويعاني الحزن والألم لفراقه .. وهذا يزيد المرء قربا من الله .. إذ يشارك في الدعاء والابتهال، ويكرس وقته كله في تجديد وتطهير وتقوية صلته بالله تعالى. هناك سيدعو ويبتهل ويتضرع: اللهم اهدنی ودلني على من تريد اختياره لمقام الخلافة!

وليس بالضرورة أن يكون كل الأعضاء المشاركين على أعلى مستوى من التقوى، وليس بالضرورة أن يكون كل فرد منهم قد وطد علاقة متينة مع الله تعالى. ثم قد يكون المرء على مستوى رفيع من التقوى ولكن لا يختاره الله تعالى للوصال معه. فلا يلزم أن يتصل الله بكل إنسان .. ولكنه يتصل بغالبيتهم. وإذا لم تكن الغالبية من المتقين لا تكون الجماعة تقية. وإذا لم تكن الجماعة من المتقين فالله تعالى ليس معهم.

هؤلاء الناس يسألون الله تعالى عمن يريد اختياره. ويتلقی معظمهم الهداية الإلهية بالنسبة لشخص معين.. فيدلون بأصواتهم ويعيَّن. فمن عيّنه؟ الله جل وعلا!

تعالوا نتأمل في هذا المثال: إذا كان عندك صحن فيه برتقالة وتفاحة وموزة وخوخة، وطلب منك أن تختار شيئا منها لتقدمه الوالدك، بوسعك أن تختار بنفسك طبعا، ولكنك بدلا من ذلك.. توجهت إلى والدك وسألته: أبي، أي الفاكهة تريد؟ فقال: تفاحة. فأخذت التفاحة بيدك وقدمتها لوالديك .. فمن الذي اختار؟ هل أنت الذي انتقيتها؟ كلا، إن الوالد هو صاحب الاختيار.

هكذا الحال عند انتخاب الخليفة فقط. ولكنه ليس كذلك عند انتخاب مستر بوش أو هتلر أو أي شخص آخر. يكون هكذا فقط عند انتخاب الخليفة. إنه الانتخاب القائم على التقوى، وهذه التقوى مؤسسة على العلاقة بين المتقين وبين خالقهم. ولذلك.. فهو الذي يختار، وهو الذي يعين الخليفة.

شرف عظيم .. وتحذير

يمكن توجيه النظر هنا إلى أن الله تعالى قد أنعم على المؤمنين بشرف عظيم إذ سمح لهم بالمشاركة في عملية تولية الخليفة. أما في حالة اصطفاء نبي.. فلا يكون هناك مؤمنون بعد، ولذلك يعين الله النبى تعيينا منفردا مستقلا بدون مشاركة من أي أحد. ولكن عندما تكون جماعة المؤمنين وتتوطد.. يريد الله تعالى أن يسبغ هذا الشرف عليهم ويدعوهم للمساهمة في عملية تولية الخليفة.

ومع إن الاختيار النهائي لله تعالى ولكن المؤمنين يتباركون بالاشتراك فيه. كان من الممكن أن يصطفي الله تعالى الخليفة بنفس الطريقة التي يصطفي بها النبي ولا يشارك في العملية أحد. كان من الممكن أن يتجاهل الله جماعة المؤمنين.. ولكن الله تعالى لحبه لجماعته يدعوهم للمشاركة، ومن شفاههم وأيديهم المرفوعة تتجلى مشيئة الله تعالى.. ويتولى خليفة جديد قيادة جماعة المتقين ليستمر في إرشادهم.

هذا الشرف العظيم يتضمن في نفس الوقت تحذيرا. إذا انخفض مستوى التقوى دون ما يريده الله تعالى، أو إذا فشلت الجماعة في إظهار طاعتهم الكاملة لخليفتهم.. فقد ينزع الله منهم عندئذ هذه النعمة وهذا الشرف، وقد يجد المرء نفسه وحيدا.. وليس الله بجانبه ليوفقه ويهديه في اتخاذ الخيار الصحيح والمناسب.

احتمال الخطأ

والجانب الثاني من هذا الموضوع يتعلق بنوعية الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها الخليفة. يمكن تقسيم الأخطاء إلى ثلاث فئات: أخطاء تختص بالأمور الدنيوية، وأخطاء تتصل بإدارة شئون الجماعة، وأخطاء تتعلق بأمور الشريعة.

  أخطاء في أمور الدنيا

لما كان النبي والخليفة كلاهما معينين من لدن الله تعالى، لذلك يتعرض كل منهما لنفس النوعية من الأخطاء. تعالوا ننظر في نوعية الأخطاء التي كان النبي مع معرضا لها. نعرف أن النبي الله رأى ذات يوم جماعة تؤبر النخل.. فسألهم لماذا يفعلون ذلك. ولما انصرف ظنوا قوله توجيها لهم ليتبعوا طريقة أخرى فامتنعوا عن التأبير وعندما حان وقت الجني لم يكن المحصول جيدا. فذهبوا واشتكوا للنبي من النتيجة. فقال لهم : “أنتم أعلم بأمور دنياكم”. وبعبارة أخرى .. ليس المفروض في النبي أن يكون خبيرا في كل شأن من شئون الدنيا. فهذه ليست مهمته. ولا يمكن أيضا أن يكون الخليفة عالما ومهندسا ومعماريا وخبيرا بالكمبيوتر. هذه ليست مسئولياته. فمن الممكن إذن أن يخطئ النبي في أمر يتعلق بالمسائل الدنيوية. وكذلك يمكن أن يقع الخليفة في مثل هذا الصنف من الأخطاء ومن هذه الوجه ليس هناك فرق في نوعية الخطأ بين النبي والخليفة.

أخطاء في أمور الجماعة

وللنظر الآن في الفئة الثانية من الأخطاء.. أعني التي تتعلق بمصالح الجماعة. كان سيدنا ونبينا محمد المصطفى يرتب جيش المسلمين في أول معركة حربية وهي موقعة بدر. وبوصفه القائد الأعلى قاد جيشه واختار موقعا ليعسكروا فيه استعدادا للقاء العدو. وكان اختيارا غير مناسب، ولم يكن من صالح جيش المسلمين أن يعسكر في هذا المكان. وتقدم أحد صحابته فاستأذن واقترح اختيار موقع آخر قريبا من الماء. ووافق النبي على الاقتراح، وانتقل الجيش فورا وعسكر في المكان الجديد المقترح. ومع أنه النبي ، وهو المصطفى من الله جل علاه، وكان القائد العسكري للجيش.. إلا أنه وقع في خطأ تكتیكی.. لاحظه أحد متبعية واقترح التصرف الصحيح، وعلى الفور تم التنفيذ والأخذ بالتصرف الصحيح.

فمن الممكن إذن أن يخطئ النبي في مثل هذا النوع.. وكذلك يمكن أن يقع الخليفة في مثل هذا الخطأ. ولكن، في كلا الحالين، يتم تصحيح الخطأ فورا. ولو افترضنا من الناحية النظرية أن أحدا لم ينتبه إلى الخطأ الذي فعله النبي أو الخليفة فيما يتصل بمصالح الجماعة وتقدمها.. فإن الله تعالى يأخذ على نفسه مسئولية تصحيح ما يترتب على هذا الخطأ، وتكون العاقبة النهائية تقدم الجماعة وتحسن أمورها.

أخطاء في أمور الشريعة

والآن ننظر في الفئة الثالثة من الأخطاء.. أي التي تكون مخالفة للشريعة الإلهية.. كلنا يعرف أن أداء الصلوات الخمس المفروضة من أمور الشريعة. فالصبح ركعتان والظهر والعصر والعشاء كل منها أربع، والمغرب ثلاث ركعات. هكذا علم النبي جماعة المسلمين كيف يؤدون الصلاة المشرعة، وهو المختار من الله تعالى لإرساء قواعد الشريعة وإقامة بنائها. ومع ذلك، حدث أنه ذات مرة أدى النبي صلاة الظهر ركعتين بدلا من أربع ، وتساءل الصحابة: هل قصرت الصلاة؟ ولما أدرك النبي علم أنه أخطأ في عدد الركعات أدى ما فات منها.

مثل هذا الخطأ مما يتعلق بأمور الشريعة يمكن أن يحدث من النبي أو من الخليفة، ولكنه خطأ بسبب السهو والنسيان. فالبشر معرض للسهو والنسيان، والنبي والخليفة كلاهما بشر يمكن أن ينسى. ومثل هذ الخطأ يصحح على الفور وكل خطا يتعلق بأمور الشريعة لا يمكن أن يكون متعمدا.. لا من نبي ولا من خليفة.

كثيرا ما نسمع أن كل نبي (معصوم)، ولكن يجب أن نفهم أن هذه العصمة ليست شيئا يمنح للنبي رغم إرادته ولا دور له فيها، بل إنها شيء ينبعث فيه كنتيجة طبيعية لطاعته لله جل وعلا. إن النبي واعٍ كل لحظة للوجود الإلهي ومتنبه لواجبه نحوه تعالى. هذا الحال الدائم من الوعي للوجود الإلهي يجعله معصوما. فكيف يمكن لنبي، بهذا الوعي الدائم، أن يتعمد مخالفة أوامر الله والخروج على طاعته؟ محال ثم محال!!

والخليفة بالمثل يوليه الله. إنه الرجل المفروض فيه إمامة المتقين، وهو الرجل الأتقى على الأرض، ويقع على عاتقه واجب قيادة الجماعة إلى درجات أعلى ثم أعلى من التقوى.. فكيف يمكن لمثل هذا الرجل أن يرتكب خطأ يعصى به الله عمدا؟ إن ذلك أيضا محال! عندما يولي الله تعالى رجلا للمحافظة على المصالح الروحية للجماعة.. كيف يمكن أن يتوقع منه أحد أن يعمل ضد الشرع ويعصي الله تعالى عن قصد؟ لا يمكن ذلك أبدا.. إنه مستحيل تماما!

وفي هذا الصدد.. ليس ثمة فرق بين نبی وخليفة. كل الأخطاء التي يتعرض لها النبي.. كذلك يكون الخليفة معرضا لها.. ولا فرق هناك.

أسعد الناس

إذا أدركنا هذا المفهوم.. أمكن لنا إدراك أهمية وعظمة وجلال منصب الخلافة. إنه لا أقل من استمرار نعم النبوة وبرکاتها. ألا ما أسعد حظ المسلمين الأحمديين إذ أنعم الله عليهم بنظام الخلافة. إنهم يستشعرون بهجة وسعادة لا نظير لهما لأن نظام الخلافة قد عاد مرة أخرى وتأسس لهم وتوطد فيهم، وسيبقى هكذا راسخا، إن شاء الله تعالى، إلى يوم الدين.

سؤال أخير

قبل أن أختتم حديثي أرى من الضروري طرح سؤال أخير.. ربما يجول برؤوس بعضكم: إذا كان الخليفة معصوما من ارتكاب خطأ متعمد في أمر متعلق بالشريعة.. فلماذا يقول أحدنا في عهد

خدام الأحمدية، مثلا، أو في بيعة الدخول إلى الجماعة عبارة : “وأطيع الخليفة فيما يأمرنا به من المعروف”؟ فهل يفهم من هذا أنه من المحتمل صدور أوامر من الخليفة ليست من قبيل المعروف.. أعني ضد أوامر الله تعالى؟ وهل يعني ذلك أن المرء عندما يحس بأن مثل هذه الأوامر غير صالحة فليس عليه التزام بطاعتها؟

الواقع أن هذا التعبير مستعمل في القرآن الكريم، واستعمله – النبي الكريم في أول بيعة أخذها من الرجال والنساء في وفد المدينة. وكذلك في إحدى الآيات السبع من سياق آیات الإستخلاف. يقول القرآن المجيد :

قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ (النور: 54).

أي لا حاجة للحلف. الأولى بكم الطاعة الصادقة المخلصة في المعروف.. أي في الخير والصلاح.

وهكذا فإن طاعة الله تعالى في المعروف، وطاعة النبي في المعروف، وطاعة الخليفة في المعروف .. لا تعني أن الله أو رسوله أو خليفته يمكن أن يأمروا بما ليس خيرا أو صالحا. كلا.. إنما تعني أن كل ما يأمر به الله ورسوله أو خليفته هو من المعروف، وطاعته من المعروف. فلا يصدر من الله ورسوله وخليفته إلا كل خیر، وطاعة ما يصدر منهم طاعة في الخير. وهكذا يتأكد المؤمنون من عبارة «الطاعة في المعروف» بأن كل أمر من الله تعالى، وكل تعليم من النبي، وكل توجيه من الخليفة.. هو خير وهو معروف. فما على المؤمن إلا الطاعة. فالعبارة إذن تأكيد وضمان بأن كل ما يطلب منهم ليطيعوه معروف.. ولا شيء غير المعروف.

وهذا أيضا يزيد من عظمة نظام الخلافة. ما أجمل أن يعرف الإنسان أن كل أمر أو توجيه يتلقاه من الخليفة خير. وحق لسيدنا المهدي والمسيح الموعود أن يسمي نظام الخلافة “بالقدرة الثانية”.. أي التجلي الثاني لله تعالى. يكون التجلى الأول من خلال تعيين نبي، ويأتي التجلى الثاني من خلال تولي خليفة. ولا فرق هناك أبدا إلا أن الأول يتم مباشرة من الله تعالى، والثاني يتم من خلال من يتخذهم الله لإظهار مشيئته. الأول يتم من خلال صفة الرحمان، والثاني يحدث من خلال صفة الرحيم.

لقد زار كثير منا المنطقة المعروفة باسم “الألف جزيرة”، ورأى هناك أشجار تنمو في بقعة لا يمكن أن يصل إليها بشر.. أشجار لم تزرعها يد إنسان.. أشجار تنبت على الصخور، في جزر صغيرة للغاية لا يمكن أن يعيش بل ولا يقف عليها الإنسان، ناهيك عن أن يزرع فيها شجرة. لقد زرعت هذه الأشجار يد الله تعالى ولم يتدخل البشر في زراعتها.

وهناك أيضا أشجار زرعها الإنسان. والله هو الزارع في كلتا الحالتين. وبالمثل يولي الله النبي مباشرة، ويعين الخليفة بطريقة غير مباشرة. ولا فرق في الاصطفاء في الحالين. قد يكون الفرق في مهمة النبي ومهمة الخليفة. فالنبي يرسي الأساس لإقامة جماعة المؤمنين. والخليفة يبني على هذا الأساس، وينشر هذه الجماعة في العالم. وهي تشبه عملية تشييد بنيان هائل، يضع النبي أساسه، ثم يأتي خليفته الأول فيبني طابقا، ثم الخليفة الثاني ليضيف طابقا ثانيا، وهكذا حتى يبلغ البنيان عنان السماء، ويصبح كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.. تؤتي أكلها كل حين بأمر ربها.

إذا فهمنا هذا استطعنا أن نستوعب خطبة الجمعة التي ألقاها حضرة الخليفة الرابع للمسيح والمهدی الموعود.. يوم ۲۳، ۱۱، 90.. وتحدث فيها حضرته عن (حبل الله). فإذا استوعبنا ذلك يتعين على كل واحد منا أن يعتصم ويستمسك بحبل الله هذا. ففي هذا الحبل نجاتنا. وفي هذا الحبل فلاحنا. وفي هذا تقدمنا وحمايتنا. ونتلقى كل الأفضال والبركات والنعم من الله تعالى ما دمنا متمسكين بهذا الحبل.. حبل الله.. في قوة وإحكام وثبات.

رجل عظيم

ذات يوم سألت حضرة شودری محمد ظفر الله خان سؤالا.. قلت: لقد كنت طوال حياتك ناجحا، وأنعم الله عليك بالكثير، فهلا أخبرتني بالسبب في ذلك؟ ودون تردد أو توقف.. أجاب على الفور: لأني كنت طوال حياتي مطيعا للخليفة.

ألا ما أعظمه من جواب بلسان رجل عظيم !

عسى الله تعالى أن يكتب لنا دوام الانتفاع بنعمة الخلافة، ويهيء لنا إدراك العظمة والجلال في هذا النظام، ويمكننا جميعا.. كلنا معا.. من التمسك المتين بحبل الله تعالى. حتى لا تنفك بركاته تتنزل علينا كل حين. آمین.

Share via
تابعونا على الفايس بوك