• خطاب تاريخي بتاريخ 17 أكتوبر 2016 ألقاه أمير المؤمنين في البرلمان الكندي.
  • ضمان الحكومات للحرية الدينية والحاجة لتمكين السلام والإستقرار العالمي.
  • في ظل الأعمال التخريبية التي تقوم بها بعض الجماعات الإسلامية، ما هي تعاليم الإسلام الحقيقية؟
  • الإسلام يضمن حقوق الإنسان الأساسية من حرية الإختيار والمعتقد وحق التبليغ ونشر العقيدة.
  • رغم الديموقراطية المعلنة في البلاد الغربية، لكن ما زال هناك تقصير في مجال حقوق الإنسان.
  • البلاد المتقدمة تمنع تقدم البلاد الناشئة باستغلال السياسات البيئية.

بسم الله الرحمن الرحيم
الضيوف الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بداية، أود أن أستغل هذه الفرصة لأشكركم على دعوتكم لي وأخص بالشكر اليدة «جودي ساغرو» التي تربطها بجماعتنا علاقة صداقة وطيدة.
لستُ سياسيا، ولا زعيما لتنظيم سياسي، إنما أنا إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية، التي هي جماعة دينية وروحية.
وبغض النظر عن الاختلافات الدينية والفكرية، فأرى أننا قد التقينا اليوم على أرضية واحدة مشتركة، وهي الإنسانية، لذا علينا أن نتحد جميعا. وعلى جميع الشعوب والمنظمات أن تسعى مجتمعة لرفع قواعد بيت القيم الإنسانية، والسعي لجعل العالم الذي نعيش فيه مكانا أفضل وأكثر تآلفا. وبناءً على ذلك، إذا وقع التفريط في الحقوق الإنسانية في بلد أو منطقة ما، فسيكون لهذا عواقب وخيمة على بقاع أخرى من العالم، ويمكن لمثل هذه السلوكيات الخاطئة أن تنتشر لأبعد من ذلك. وعلى العكس إذا كفلت الحقوق الإنسانية وازدهرت في بقعة ما من العالم فسيكون لذلك مردوده الإيجابي على المجتمعات والشعوب الأخرى. ونتيجة لتنوع وسائل النقل والاتصال الحديثة فنحن جميعا الآن أكثر قربا من بعضنا البعض، ولكن يا للمفارقة العجيبة! فعلى الرغم من أننا أصبحنا أكثر قدرةً على التواصل فيما بيننا أكثر من أي وقت مضى بحيث إن العوائق الجغرافية لم تعد تشكل حائلا دون تواصلنا، إلا أننا في واقع الحال نزداد تباعدا يوما بعد يوم.

الخطأ، في رأيي، هو أن تتدخل الدولة بلا داعٍ في المعتقدات والممارسات الدينية التي تقام بشكل سلمي. الإسلام الذي نعرفه ونمارسه يعلمنا أن حب الوطن جزء أساسي من إيمان المسلم.

وا أسفاه على هذا العالم! لقد فضَّل سلوك طريق نشر الكراهية والقسوة والظلم على أن يسلك سبيل الوحدة ونشر الحب بين سكانه. وقد نتج عن تنكر الناس لفشلهم في سلوك ذلك السبيل عدم استعدادهم لتحمل مسؤولية ذلك الفشل، وهكذا يدَّارؤون اللوم والاتهام فيما بينهم ويُحمِّل بعضهم بعضا مسؤولية تلك الأخطاء. ونتيجة لذلك، فإن لسان حال العالم ينطق بعدم اليقين، وليس لدى أحد فكرة واضحة عما ستؤول إليه عواقب أفعالنا سواء على المدى القصير أو على المدى الطويل. في هذا العصر، الذي يتزايد فيه التَّخَوُّف من الإسلام في كثير من بلدان العالم، أود طمأنتكم جميعا أن الإسلام ليس ما ترونه عادة أو تسمعون عنه في وسائل الإعلام. وبحسب معرفتي بالإسلام فإني أعرف فقط ذلك الإسلام الذي تُعْرَف تعاليمه من اسمه.
المعنى الحرفي لكلمة «الإسلام» هو السلام والمحبة والوئام، وتقوم جلّ تعاليمه على هذه القيم النبيلة. ولكن، وللأسف، لا يمكننا أن ننكر أن هنالك بعض الجماعات الإسلامية التي معتقداتها وسلوكها على النقيض التام من هذا. فإنهم باسم الإسلام يرتكبون أفظع أعمال العنف والإرهاب في انتهاك سافر للتعاليم الأساسية للإسلام نفسه. وفي ضوء كل هذا، أود الآن أن أطلعكم على التعاليم السلمية الحقيقية للإسلام. إن هذا المنبر المحترم الذي تكرمتم بدعوتي إليه، ليس منبرًا دينيًا، وربما كثيرٌ منكم لا يعيرون الدين اهتماما شخصيا. ومع ذلك، ففي مجال عملكم كمشرِّعين تُضطرون أحيانا إلى التعامل مع المسائل المتعلقة بأتباع الديانات المختلفة. في هذا السياق، يقول القرآن الكريم بشكل قاطع في الآية 257 من سورة البقرة:

لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ .

يا له من بيان واضح وشامل لا لبس فيه، يؤصل لحرية الفكر، وحرية الدين وحرية الضمير. ومن ثَمَّ، فإني أؤمن بالحق الشرعي لكل إنسان، في أي مكان كان، في اختيار دينه وعقيدته.
ولا يتوقف الأمر في الإسلام عند الحق في حرية الاختيار، بل يتعداه إلى الحق في حرية التبليغ ونشر عقيدته كذلك بشكل سلمي. هذه الحريات مكفولة كحقوق إنسانية أساسية وبالتالي فلا يَحسُن بالمجالس التشريعية أو الحكومات أن تقحم نفسها على نحو غير ملائم في مثل هذه الأمور، مخافة أن يتسبب هذا التدخل الغير المبرر في استياء وإحباط البعض، ومن ثم استفزازهم.

لم يعد العالم قادرا على تحديد أولوياته. أعليه التركيز أولا على ارتفاع درجات الحرارة وتغير المناخ العالمي أم معالجة الأزمة المالية أم أن الأولوية هي لمكافحة الإرهاب والحروب والتطرف؟ أم التركيز على آخر التطورات في سوريا، حيث تتعارض روسيا مع الولايات المتحدة علنا؟ أم على الصراع المباشر بين الولايات المتحدة واليمن الذي حصل مؤخرًا؟

للأسف، في عالم اليوم نرى كيف أن الحكومات المسلمة نفسها تتدخل في مثل هذه الأمور الشخصية، وهذا هو السبب الرئيس في عدم الاستقرار والصراعات في تلك البلدان. المستفيدون الوحيدون هم المتطرفون من المشايخ والمتشددين الذين يتحينون الفرصة لاستغلال إحباط الناس بتشجيع العنف الهمجي والصراع الذي لا مسوغ له.
ومع ذلك، فليس بوسعي القول بأن الحكومات الغربية -التي ترفع دوما شعار الديمقراطية- بريئة تماما من المسؤولية. ففي الغرب، نرى أيضا أحيانًا أن بعض القوانين المسنونة تتعارض مع ادعاءات الدول الغربية بأنها منارة للحرية الدينية العالمية والتسامح. تُسن القوانين أحيانًا بصورة تتعارض مع الرأي القائل بأن كل شخص في العالم الغربي حر في الإيمان بما يشاء وله الحرية في العيش بسلام بحسب معتقداته الدينية.
ليس من الحكمة أن تضع الحكومات أو البرلمانات القيود على ممارسات أو معتقدات الناس الدينية الأساسية. على سبيل المثال، ينبغي على الحكومات أن لا تشغل نفسها بأي أنواع الملابس تختار المرأة ارتداءها. كما ينبغي عليها أن لا تصدر المراسيم حول الشكل الذي يجب أن تكون عليه أماكن العبادة. إن تعدِّي الحدود بهذه الطريقة يمثل وسيلة لإحداث القلق وتزايد الإحباط بين شعوبها.
سوف تستمر هذه المظالم في التفاقم ما لم يتم تداركها، وسوف تهدد في نهاية المطاف السلام في المجتمع. بالطبع أنا لا أدعو إلى التساهل مع حَمَلَة أفكار التطرف أو السكوت عنهم بحيث يكونوا أحرارًا في ممارسة معتقداتهم.
أينما ومتى استخدم شخصٌ ما دينه لتبرير القسوة والظلم أو اغتصاب حقوق الآخرين أو التحرك ضد الدولة أو تهديد أمن البلاد، فمن المؤكد أن من مسؤولية الحكومة والسلطات أن تأخذ على يد من يقومون بهذه الممارسات الشريرة.
في مثل هذه الظروف، من المبرر والمناسب للحكومة وأعضاء البرلمان والسلطات الأخرى ذات الصلة أن تتأكد من اقتلاع مثل هؤلاء الناس من جذورهم ومعاقبتهم وفقا لقانون البلاد.
ومع ذلك فالخطأ، في رأيي، هو أن تتدخل الدولة بلا داعٍ في المعتقدات والممارسات الدينية التي تقام بشكل سلمي. الإسلام الذي نعرفه ونمارسه يعلمنا أن حب الوطن جزء أساسي من إيمان المسلم.
ووفقا للإسلام، فإن بلاد المرء هي تلك التي يعيش فيها ويستفيد من خيراتها. عندما يترسخ مثل هذا التعليم في قلوب وعقول المسلمين، سيستحيل عليهم أن يفكروا بسوء أو أن يرغبوا في التسبب في أي ضرر لبلادهم.
وعلاوة على ذلك، يعلمنا الإسلام أنه ليس من واجب الدولة فقط معاقبة أي شخص يعمل ضد بلاده فحسب، بل يخبرنا أيضا أن مثل هؤلاء الناس سيَمْثُلُون بالتأكيد أمام محكمة الله سبحانه وتعالى الذي سيحاسبهم على آثامهم وعدم ولائهم. وبالتالي، ليست هناك حاجة إلى الخوف من المسلمين الحقيقيين، وليس هناك حاجة لدى الحكومة إلى سن القوانين التي تنتهك القضايا والممارسات الدينية الصغيرة نسبيا والتي لا تسبب ضررا ولا خطرا على أفراد الجمهور أو للدولة. إن التشريع في مثل هذه القضايا لا يمكن وصفه سوى أنه تدخل غير مبرر واعتداء على الحريات التي يدعي الغرب مناصرتها، والتي هي حق كل شخص في أن يعيش بحرية واستقلال شخصي. مما لا شك فيه أن مثل هذه التدخلات الظالمة لا يمكن أن يكون لها أي تأثير إيجابي ولا يمكن أن تؤدي إلا إلى الإحباط والقلق والشقاق. إن مهمة الحكومة والبرلمانيين، بوصفهم أوصياء على دولهم، إصدار التشريعات التي تكفل حقوق المواطنين لا سلبها.
كما ينبغي أن يتم تطبيق هذا فورا دون تمييز، بحيث تكون حقوق جميع الناس، سواء كانوا من المسلمين أو المسيحيين أو اليهود أو الهندوس أو السيخ أو أتباع أي معتقد آخر، بما في ذلك أولئك الذين لا يؤمنون بأي دين، مصانة ومكفولة في جميع الأوقات.
كما قلت آنفًا، من المحزن جدًا أنه في العالم الإسلامي، وكذلك في بعض الدول المتقدمة غير الإسلامية، قد اُنتُهِجت بعض السياسات التي تقوّض هذه الحريات الأساسية بما يتسبب في إشاعة المظالم بين شرائح الجمهور. لذلك، وبدلا من السعي نحو الأمور السطحية، ينبغي أن يهتموا بما هو أولى، وهو إحلال السلام في دولهم وضمان أن بلدهم والعالم الأوسع قد أصبح موحدا ويزدهر على نحو متزايد. ولكن وللأسف، بدلا من إلقاء نظرة بعيدة المدى، يبدو أن معظم القادة أو الحكومات قد انخرطوا متكالبين في صراع خطير على السلطة كلٌّ يسعى لفرض هيمنته على الآخرين. ونتيجة لذلك، هم على استعداد متزايد للتدخل في المسائل الشخصية والدينية لمواطنيهم بسبب هذا التعطش للتفوق والسيطرة.
إن هذه السياسات تفتقر إلى الحكمة، بل هي طريق يفضي إلى زعزعة الاستقرار في العالم، لاسيما وأننا نواجه بالفعل العديد من المشاكل والقضايا المختلفة التي تهدد السلام في المجتمع، منها على سبيل المثال تغير المناخ الذي بات يشكل تهديدا كبيرا للوجود الإنساني. كذلك الاقتصاد المتدهور الذي تعاني منه كثير من دول العالم. والقضية الأهم والأعم هي مسألة تلاشي السلام والأمن من معظم أنحاء المعمورة. كل هذه العواقب هي نتيجة للسياسات الظالمة وعدم المساواة وغياب التوازن. وإذا فكرنا في قضية تغير المناخ نرى أن السبب الرئيسي لظاهرة الاحتباس الحراري كان الثورة الصناعية في الغرب بالإضافة إلى القطع الجائر لأشجار الغابات. الآن وبعد أن بلغت بلدان الغرب تلك الدرجة من التقدم صارت تدعو بحماس للحد من انبعاثات الكربون تارة باللين وتارة بفرض القيود الصناعية والاقتصادية على القوى الناشئة كالهند والصين في محاولة للحد من نموها. وبالتالي فإن هذه الدول الناشئة صارت تنظر إلى مثل هذه القيود بعين الازدراء والحنق علما منها بأن تلك القيود لم تفرضها البلدان المتقدمة إلا محاولة لمنعهم من التقدم ومن تحدي النظام العالمي.
وهكذا فإن مسألة تغير المناخ في الواقع ليست مجرد قضية بيئية، بل هي أحد عوامل تراجُع السلام في العالم مما يؤجج نار الاستياء بين الأمم. والأمر مماثل حين ننظر إلى الأزمة المالية العالمية، فقد اعترف العديد من الخبراء أن الحكومات قد سلكت مناهج غير حكيمة حتى وصل الوضع الاقتصادي الآن إلى مستوى يهدد السلام العالمي. هناك أيضا العديد من العوامل الأخرى التي تساهم في تراجع السلام في العالم، وللأسف يرتبط كثير منها بالمصالح الذاتية والأنانية والسياسات الظالمة التي تم انتهاجها من قبل بعض الدول. على أية حال، فإن النتيجة النهائية لمختلف المخاطر والتهديدات العالمية هي أن العالم ينحدر بسرعة نحو كارثة لا يمكن تصورها.
ونتيجة لعدم الاستقرار الحالي، فإن الحكومات والشعوب على حد سواء تؤرقهم وتقض مضجعهم قضايا كثيرة وتثير لديهم القلق والخوف. لم يعد العالم قادرا على تحديد أولوياته. أعليه التركيز أولا على ارتفاع درجات الحرارة وتغير المناخ العالمي أم معالجة الأزمة المالية أم أن الأولوية هي لمكافحة الإرهاب والحروب والتطرف؟ أم التركيز على آخر التطورات في سوريا، حيث تتعارض روسيا مع الولايات المتحدة علنا؟ أم على الصراع المباشر بين الولايات المتحدة واليمن الذي حصل مؤخرًا؟
أرى شخصيا أن أكثر المسائل التي تواجهنا أهمية وإلحاحا هي انعدام السلام في العالم، وللأسف الشديد فإن الدول الإسلامية تمثل بؤرة لعدم الاستقرار والفوضى هذه، على الرغم من أن الإسلام يقدم تعاليم منقطعة النظير عن كيفية نشر السلام والحفاظ عليه، على سبيل المثال تقول الآية 9 من سورة المؤمنون عن المسلمين الحقيقيـــــين:

وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَـانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ .

إن تسليم المفاتيح إلى الحكومة أمانة كبيرة، لذا فطالما نرى رؤساء الدولة يتعهدون بخدمة شعوبهم بأمانة وعدالة مطلقة. للأسف، في كثير من الحالات تكون هذه التعهدات الشريفة مجرد كلمات جوفاء لا يتم العمل بها، في حين أنه لو اتُبع هذا التعليم القرآني، فلن نرى أي انقسام أو صراع بين الشعوب وحكوماتها. وعلاوة على ذلك تنص الآية 9 من سورة المائدة من القرآن الكريم:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ،

أي حتى لو كان لشخص أو أمة عداوة مع شخص أو أمة أخرى، فيجب الاستمرار في معاملتهم بالقسط تماما مهما كانت الظروف، لأن هذا ما يأمر به الله سبحانه وتعالى. ومع ذلك فاليوم بدلا من العدالة، نشهد الظلم على كل مستوى من مستويات المجتمع بين الشعوب والدول على حد سواء. إن هذا انعدام المساواة وإهمال العدالة يسهم بشكل مباشر في تراجع الأمن في العالم.
وفي الآية 10 من سورة الحجرات من القرآن الكريم، يقول تعالى:

وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ .

فإذا كان تحقيق السلام متعذرا من خلال الحوار، فعلى الدول الأخرى أن تتحد ضد الطرف الظالم، وأن تستخدم القوة لمنعه. ولما يجنح المعتدي للسلام ينبغي ألا يُهان، أو تُفرض عليه العقوبات الجائرة. بل بمقتضى العدالة، ومن أجل السلام الدائم، يجب أن يُسمح له بالمضي قدما كمجتمع حر. إذا قيّمنا الصراع الحالي في العالم الإسلامي، نرى جليًّا أن مبدأ الاتحاد ضد من يسعى لتقويض السلام قد تم نبذه. لو سعت دول الجوار إلى التوسط بحيادية منحية مصالحها الخاصة جانبا، لكان من الممكن احتواء الموقف منذ فترة طويلة. ومع ذلك، فإن هذا ليس فقط خطأ العالم الإسلامي بل هنالك دول أخرى تعيش في قريتنا العالمية هذه ساهمت أيضا في هذا الاضطراب. لو تصرفت القوى الكبرى بعدلٍ وإخلاص في جميع الأوقات، لما شهدنا هذه الفتنة ولما رأينا ظهور داعش أو الجماعات المتطرفة والمتمردين في دول مثل سوريا وإيران. للأسف، لم تلعب بعض القوى الكبرى دورها في إرساء السلام وانتهجت بدلا من ذلك سياسات ظالمة خدمة لمصالحها الخاصة. على سبيل المثال، لبعض الدول الغربية مطامع في الثروة النفطية العربية، وقد شكلت تلك المطامع سياسات تلك الدول على مدى وقت طويل. وعلاوة على ذلك، قد باعت الكثير من الأسلحة للدول الإسلامية دون النظر في العواقب المحتملة. ما أقوله ليس شيئا جديدًا أو مخفيًا بل هو موثق توثيقًا جيدا. على سبيل المثال، يقول الباحث في مجال مراقبة الأسلحة «باتريك ويلكينز» في تقرير منظمة العفو الدولية الذي نُشر في ديسمبر/كانون الأول عام 2015: «إن عقودًا من تجارة الأسلحة المتطورة قد ساهمت في الإرهاب الذي تسلكه داعش» وذكر أن غالبية الأسلحة التي يستخدمها داعش صُنعت في الأصل في الولايات المتحدة وروسيا. ثم اختتم ويلكينز التقرير قائلا: «إن الأسلحة المتنوعة وذات المدى الواسع التأثير التي بيد داعش لهي دليل قطعي على تورُّط تجارة الأسلحة المتطورة في إشعال الفظائع على نطاق واسع». غني عن الذكر أن البلدان الاسلامية لا تملك مصانع أسلحة تمكنها من إنتاج ذلك النوع من السلاح المتطور الذي يُستخدم في الشرق الأوسط، وبالتالي فالغالبية العظمى من الأسلحة الثقيلة المستخدمة في العالم الإسلامي يتم استيرادها من الخارج.

ومن نماذج الظلم المستشري في السياسة الدولية في هذا العصر غض الطرف من قِبَل القوى الكبرى عن الأنظمة الديكتاتورية والحكومات المستبدة وممارساتها الوحشية في بعض البلدان، وذلك لأن تلك الحكومات المستبدة تدعمها وتيسر لها تحقيق مصالحها.

إذا أوقفت القوى الكبرى تجارة الأسلحة وضمنت قطع إمداداتها عن الحكومات المتحاربة والمتمردين والإرهابيين لوصلت مثل هذه الصراعات إلى نهاية سريعة. على سبيل المثال، من المعروف أن المملكة العربية السعودية تحارب اليمن بأسلحة اشترتها من الغرب، فَيُقتل بها آلاف المدنيين الأبرياء، بمن فيهم النساء والأطفال، وتسفر عن الكثير من الدمار. ماذا ستكون النتيجة النهائية لمثل هذه التجارة بالأسلحة؟ لن يتحمل الشعب اليمني، الذي تأكل نار الكراهية حياته ومستقبله كما وسيسعى للانتقام من المملكة العربية السعودية، كما لن يتحمل أيضا الكراهية تجاه موردي السلاح للسعودية وتجاه الغرب بشكل عام. ومع عدم وجود بارقة أمل في الأفق، وبعد أن شهدوا الفظائع الوحشية، سيسقط شبابهم فريسة للتطرف، وهنا تنشأ حلقة مفرغة جديدة من الإرهاب. أتستحق مثل هذه العواقب المدمرة بضعة مليارات من الدولارات؟ وهكذا لم يعد الخطر مقصورًا على البلاد الإسلامية التي هي بؤرة صراعات اليوم فيد التهديد طالت أبعد من ذلك بكثير كما شهدنا ذلك بالفعل مع الهجمات الإرهابية الأخيرة في باريس وبروكسل والولايات المتحدة. كما كان هنالك حوادث إرهابية أقل مستوى هنا في كندا على مدى العامين الماضيين والتي تعرفونها جميعكم جيدا. وعلاوة على ذلك وعلى الرغم من أن كندا تبعد ملايين الأميال عن العالم العربي، إلا أننا ما زلنا نجد شبابا مسلمين يسافرون من هذه البلاد للانضمام إلى الجماعات المتطرفة في سوريا والعراق. ومن دواعي القلق الكبير حقيقة أنه وبحسب إحصاءات الحكومة الكندية الخاصة فإن 20٪ من أولئك الذين ذهبوا إلى سوريا والعراق كانوا من النساء وهذا يعني أنهن لم يتطرفن وحدهن فقط ولكنهن سيرسخن هذه العقائد في أطفالهن ويغسلن أدمغتهم. فمن أجل التصدي للتطرف والإرهاب علينا تحديد أسبابه وأعراضه. للأسف، معظم المسلمين المتطرفين الذين يعيشون في الغرب يفتقرون إلى الحد الأدنى من معرفة تعاليم الإسلام. وهكذا فإن تطرفهم هو نتيجة لإحباطهم الشخصي وليس بسبب أية قناعات فكرية أو معتقدات دينية. وبصرف النظر عن دعوات التطرف عبر الإنترنت أو خطاب الكراهية في المساجد أو انتشار الأدب المتطرف، أعتقد أن أحد الأسباب الرئيسية لتطرف الشباب المسلمين الذين يعيشون في الغرب كان الأزمة الاقتصادية، وقد نشرت تقارير تثبت صحة ذلك. هناك العديد من الشباب المسلمين من أصحاب المؤهلات إلا أنهم على الرغم من تعلّمهم لم يحصلوا على عمل مناسب، فأصبحوا بالتالي مهمشـــــــــــــــــين. وبسبب الصــــــــعوبات الاقتصادية باتوا نهبة سهلة للمشايخ المتطرفين ومجنِّدي الإرهابيين، فللإبقاء على أمن وأمان البلاد ينبغي منح هؤلاء الشباب فرص عمل لتحسين مستوى معيشتهم. إذا تصرفت القوى الكبرى والمؤسسات الدولية، كالأمم المتحدة، بحسب مبادئها التأسيسية فعلًا، لما شهدنا، تحت أية ظروف، الإرهاب الطاعون الفتاك الذي يصيب شتى بقاع العالم، ولما رأينا سُبُل السلام والأمن في العالم تُقطَع مرارا وتكرارا. ولما آلت أزمة اللاجئين المستعصية إلى ما آلت إليه من إرباك وقض مضاجع أهل أوروبا وغيرها من الدول المتقدمة.
لقد فر مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء إلى أوروبا، والآلاف قد أتوا هنا إلى كندا فرارا من الإرهابيين الذين أحرقوا دولهم. وعلى الرغم من أن معظم النازحين لاجئون حقيقيون وشرفاء إلا أن حادثًا أو حادثين سلبيين كما رأينا في العام الماضي كانا كافيين للتسبب في الذعر الذي أطل برأسه في أوروبا وإلى حد ما هنا في أمريكا الشمالية. وبالتالي نحن نشهد بأم أعيننا كيف يصبح العالم غامضًا وكيف أن الكراهية والقلق قد استهلكتا واجتاحتا الكثير من دول العالم. وأكرر، إن السبب الحقيقي وراء ذلك يبقى الظلم وعدم المساواة.

عدم الإنصاف عجل بالانهيار المالي العام وفي اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء خلال السنوات القليلة الماضية.

في نهاية المطاف، فإن عدم الإنصاف عجَّل بالانهيار المالي العام وفي اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء خلال السنوات القليلة الماضية. أقول هذا بالنظر إلى واقع الدول المتقدمة والغنية، حيث إنها حين تقرر الاستثمار في البلاد الفقيرة، فإنها تضع مصلحتها في قمة سلَّم الأولويات، وحتى فوق تيسير التطور المحلي في تلك البلدان. بدلا من الاستغلال والجشع، كان على الدول المتقدمة أن ترعى حقوق الشعوب الضعيفة وتسعى لتقدمها، كان عليها أن تسعى بصدق لمساعدة شعوب تلك الدول الفقيرة حتى تقف على أقدامها بكرامة وشرف. ومع ذلك، وللأسف الشديد، وببساطة هذا ما لم يحدث. تأمرنا الآية 132 من سورة طه من القرآن الكريم:

وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى .

لو عمل العالم بأكمله وفق هذا المبدأ وحده، لكان النظام المالي في العالم منصفا وعادلا. ولتم توزيع رأس المال بصورة عادلة ولجنت الدول من أفضال الله تعالى.
ولرأينا المعاملات الدولية قائمة على الرغبة في الوفاء بحقوق الإنسان للآخرين، بدلا من الصراع الضاري على السلطة والثروة وخدمة المصالح الشخصية بأي وسيلة كانت. ومن نماذج الظلم المستشري في السياسة الدولية في هذا العصر غض الطرف من قِبَل القوى الكبرى عن الأنظمة الديكتاتورية والحكومات المستبدة وممارساتها الوحشية في بعض البلدان، وذلك لأن تلك الحكومات المستبدة تدعمها وتيسر لها تحقيق مصالحها. بينما في البلدان التي لا ينحني فيها القادة أو الحكومات لأهواء القوى الكبرى، فإن الأخيرة لا تتوانى في العناصر المتمردة أو المطالبة بتغيير النظام. في الحقيقة، ليس هناك فرق في الطريقة التي تتعامل بها هذه الحكومات مع شعبها. الفرق المادي هو فقط أنه في بعض الحالات تتعاون الحكومات مع القوى الكبرى، بينما في حالات أخرى لا تقوم بذلك. بالنسبة للفئة الأخيرة، فالسياسات العسكرية الغربية قد تقررت لتقويض هذه الحكومات كما هو الحال في العراق وليبيا، وبالمثل بذلت مثل هذه المحاولات في سوريا على مدى السنوات القليلة الماضية. وقد أثبت الوقت أن قرار كندا في عدم المشاركة في الحرب في العراق قرارٌ صائب. كما أنني أتفق مع قرار حكومتكم بشأن وقف الغارات الجوية في سوريا إلى حين تتضح ملابسات هذا الصراع ويصبح حله أكثر وضوحا. على المستوى الأوسع يجب على الأمم المتحدة أن تلعب دورها في إرساء السلام في العالم، دون أن تعيقها السياسة أو الظلم أو المحاباة.
آمل وأدعو الله عز وجل أن يهدي الأمم المتحدة وحكومات العالم إلى التصرف بهذه الطريقة بحيث يمكن إقامة سلام حقيقي ودائم. فالبديل لا يحتمل التفكير، فلو استمر العالم على ما هو عليه فسيتجه بجنون نحو كارثة ضخمة في شكل حرب عالمية أخرى. أدعو الله أن يهب الحكمة لقادة العالم وساسته حتى يعم السلام والازدهار العالم الذي نتركه وراءنا لأبنائنا والأجيال القادمة وأن لا يُبتلى أبناؤنا باقتصاد متعثِّر وأطفال معاقين. في الختام أود أن أشكركم مرة أخرى على دعوتكم لي هنا.