الصِّيَامُ.. مَحَطَّةٌ عَلَى خَارِطَةِ السَّيْرِ الرُّوحَانيِّ

التحرير

  • الصيام ينبوع للتقوى والهداية.
  • يوصل الصيام إلى الله تعالى.

ككل بنيان عظيم، فإن الإسلام له أركانه التي يرتفع عليها، بحيث تشكل تلك الأركان في مجموعها أساسا يقوم عليه بنيان الدين ككل. وطالما أسيء فهم هذه القضية، بحيث وقع خلط بين الدين وأركانه، فظُنَّ أن أركان الدين الخمسة هي الدين نفسه. بينما الإسلام الذي من معانيه إسلام النفس وتأدية الأمانة لله تعالى لا يقوم إلا بعد تحقق أركانه الخمسة المنصوص عليها.
الصيام أحد أركان الدين، وجاء ذكر فضائله في القرآن المجيد والسنة النبوية المطهرة. وبه يقطع المرء شوطا في سيره الروحاني إلى خالقه .
والصيام سرٌّ للتقوى وينبوع للهداية، ويعلم الجميع أن الأمم والأقوام من قبلنا قد عرفوا الصيام:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ

فلا بد إذًا أن لهذه الشعيرة من الخصوصية ما استدعى ذكرها بهذا الأسلوب في التنزيل الحكيم. ومن عِظَم أمر الصيام أن جعله الله تعالى مرتبطا بالتقوى، بل وسيلة لها:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ … لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

 إذًا، فبالصيام تتحقق التقوى، والتي بها تحصل الهداية بالضرورة. ولقد تجلت بركات الصيام في شخصيات دينية عديدة عبر تاريخ الإسلام. وفي آخر الزمان في القرن الرابع عشر من الهجرة تجلت بركات الصيام في شخص المسيح الموعود حين قضى مدة معتكفا صائما فتلقى في تلك الأثناء من الرؤى والكشوف والإلهام الواضح ما ننعم به الآن ونرتوي.

فالصيام محطة على خارطة الوصول إلى الله تعالى (الفلاح)…. فلاح المؤمن والمتمثل في وصوله إلى الله تعالى مرهون بصيامه، حتى أن الله تعالى جعل نفسه جائزة للصائم إيمانا به واحتسابا له سبحانه وتعالى.

وينطوي الصيام على حكمة بالغة أخرى، وهي الامتناع عن السبب الظاهري في البقاء، أعني الغذاء ومشبعات الشهوات بوجه عام، فثنائية (الأكل/الصيام) تنطوي على مقابلة من نوع عجيب، ففي حين أن فعل الأكل يشكل لازمة من لوازم المخلوق، نجد الصيام فعلا يجعل الإنسان متشبها بالله جل في علاه على نحو ظلي، وإن كان ذلك في نطاق ضيق ومؤقت. فكما أنه تعالى الصمد، وبما أنه قد خلق الإنسان على صورته ومثاله، فقد أراد ( ) أن يتشبه عبده بصفاته التشبيهية على نحو ظلي، وهذا من مقتضيات العبادة الحقة، إذ لا معنى للحب إن لم يتشبه المحب بالمحبوب، والعبادة كما يعرف العارفون أسمى من الحب وأرقى. فالمرء في حالة الصوم يكون متشبها بربه تعالى على نحو ظلي، فيكون من نتائج ذلك التشبه المحمودة نشوء صيغة اتصال بين المعبود سبحانه وتعالى وعبده، ويتمثل هذا الاتصال في زيادة القوى الكشفية لدى الصائم، وفي هذا الصدد نذكر للمسيح الموعود بيتا من قصيدة عربية يقول فيه:

«عَرِيفٌ فَرْسُ نَفْسِي عِنْدَ حَرْبٍ وَيُدْرَى السِّرُّ مِنْ شَدِّ البِطَانِ»

فيبين فيه حضرته أن سر إخضاع النفس الذي يترتب عليه انطلاق قوى الروح الكشفية يكمن في شد البطان، ومن أحد مظاهرها الصيام. فالصيام محطة على خارطة الوصول إلى الله تعالى (الفلاح)، وقد جاء في الحديث القدسي: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أُجْزَى بِهِ»، ويظهر من خلال هذا الحديث أن فلاح المؤمن والمتمثل في وصوله إلى الله تعالى مرهون بصيامه، حتى أن الله تعالى جعل نفسه جائزة للصائم إيمانا به واحتسابا له سبحانه وتعالى. لقد بينت لنا أوائل سورة «المؤمنون» خارطة الوصول إلى الله تعالى، ذلك الوصول المعبر عنه بالفلاح بدءا من قوله :

قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ

واسترشادا بتلك الخارطة المباركة يظل المرء يعرج في مدارج الترقي نحو الله ، وبوصوله إلى درجة

وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ

يكون قد حصن ثغوره وفروجه ضد هجمات النفس الأمارة التي تتغذى كالحية السامة على قاذورات وأوساخ الشهوات والذنوب، ومن المعلوم أن حفظ الفروج هنا تعبير جميل عن الصوم الذي هو في الأصل سدٌّ لجميع الفروج التي هي منافذ الشهوات. لقد خلق الله الإنسان ضعيفًا ليكون ضعفُه دافعًا إلى خضوعه على عتبات خالقه، كي يلوذَ بحماه ويلجأ إليه. فالضعف في الإنسان وسيلةٌ وليس هدفًا، وسيلةٌ لتوجيهه إلى باب خالقه، وسيلةٌ لإقباله على الله . لو خُلق الإنسان قويًا لاستغنى بقوته عن الله، فشقِيَ باستغنائه. ففي ضعف الإنسان تكمن سعادته ونجاته إذا خرَّ أمام خالقه. وتحديدا يمنح هذا الشهر الفضيل فرصة ذهبية متجددة كل سنة كي نُعرب عن ضعفنا لخالقنا كي يأتي لنجدتنا من سطوة ذئب النفس الأمارة وشهواتها، يقول تعالى:

وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا

جعلنا الله وإياكم ممن يجنون بركات الوقوف على هذه المحطة ويلتحقون بمن سبقونا في وصال البارئ . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ومولانا محمد المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجميعين.