“إن الصحابة وأهل البيت كانوا روحانيين منقطعين إلى الله ومتبتلين، فلا أقبل أبدًا أنهم تنازعوا للدنيا الدنيّة، وأسرَّ بعضُهم غِلَّ البعض في الطويّة، حتى رجع الأمر إلى تقاتُل بينهم وفساد ذات البين وعناد مبين. ولو فرضنا أن الصدّيق الأكبر كان من الذين آثروا الدنيا وزخرفها ورضوا بها وكان من الغاصبين، فنضطر حينئذ إلى أن نقرّ أنّ عليًّا أسد الله أيضا كان من المنافقين، وما كان كما نخاله من المتبتلين؛ بل كان يكبّ على الدنيا ويطلب زينتها، وكان في زخارفها من الراغبين، ولأجل ذلك ما فارق الكافرين المرتدين، بل دخل فيهم كالمداهنين، واختار التقيّة إلى مدة قريبة من ثلاثين. ثم لما كان الصدّيق الأكبر كافرا أو غاصبًا في أعين عليّ المرتضى رضي الله تعالى عنه وأرضى، فلِمَ رضي بأن يُبايعه؟ ولِمَ ما هاجر من أرض الظلم والفتنة والارتداد إلى بلاد أخرى؟ ألم تكن أرض الله واسعة فيهاجر فيها كما هي سُنّة ذوي التقى؟ انظر إلى إبراهيم الذي وفّى.. كيف كان في شهادة الحق شديد القوى، فلما رأى أن أباه ضلّ وغوى، ورأى القوم أنهم يعبدون الأصنام ويتركون الرب الأعلى، أعرض عنهم وما خاف وما بالى، وأُدخِل في النار وأوذي من الأشرار، فما اختار التقيّة خوفا من الأشرار. فهذا هي سيرة الأبرار، لا يخافون السيوف ولا السنان، ويحسبون التقية من كبائر الإثم والفواحش والعدوان، وإن صدرتs شمّةٌ منها كمثل ذلّة فيرجعون إلى الله مستغفرين”. (سر الخلافة، ص 41-42)

“ولو أُحْيِيَ الأوّلون من الصحابة وأهل البيت وأقارب خير البرية، وعُرضت عليهم هذه القِصص، لتعجبوا وحولقوا واسترجعوا من مفتريات الناس، ومما طوّلوا الأمر من الوسواس الخنّاس، وجعلوا قطرةً كبحر عظيم، وأرَوا كجبالٍ ذرّةَ عظمٍ رميمٍ، وجاءوا بكذب يخدع الغافلين.والحق أن الفتن قد تموجت في أزمنة وسطى، وماجت كتموُّج الريح العاصفة والصراصر العظمى. وكم من أراجيف المفترين قُبلت كأخبار الصادقين، فتَفطَّنْ ولا تكن من المستعجلين. ولو أُعطيتَ مما أفاض الله علينا لقبلتَ ما قلتُ لك وما كنتَ من المعرضين. والآن لا أعلم أنك تقبله أو تكون من المنكرين. والذين كانت عداوة الشيخَين جوهرَ روحهم، وجزءَ طبيعتهم، وديدنَ قريحتهم، لا يقبلون قولنا أبدا حتى يأتي أمر الله، ولا يصدّقون كشـوفا ولو كانت ألوفا، فليتربصوا زمانا يُبدي ما في صـدور العالمين”. (سر الخلافة، ص 41)

“إن الذين يبسطون يديهم إلى عرض الصحابة ويحسبون صَحْبَ رسول الله من الكفرة الفجرة، أولئك ليسوا منا ولسنا منهم، فرّقوا دين الله وكانوا كالمفسدين. أولئك الذين ما عرفوا رسول الله حق المعرفة، وما قدروا حق قدرِ خيرِ البريّة، فقالوا إن صحبه أكثرهم كانوا فاسقين كافرين. ما اتقوا الفواحش، وخانوا كل خيانةٍ، ما ظهر منها وما بطن، وكانوا منافقين، فصرف الله قلوبهم عن الحق، يتكبّرون في الأرض بغير الحق، يقولون نحن نحبّ آل رسول الله وما كانوا مُحبّين. (سر الخلافة، ص 101)

“وكذلك شاع في بعض المسلمين بعضُ العقائد الفاسدة، ورُوّجتْ كرواج الأمتعة الكاسدة، فمنها أنهم يقولون إن المهدي يخرج على الناس من المغارة، ويأخذ المنكرين على الغَرارة، والمسيح ينزل من السماء، ومعه ملائكة حضرة الكبرياء، ثم يُحيا الشيخانِ والآخرون من الأعداء، فيقتلهما المسيحُ والمهديُّ بأشدّ الإيذاء، ويومئذ يُعطى لكل من كان من الفِرق الإمامية الجناحان كجناحَي الصقر بما أكلوا لحم صَحْبِ النبيِّ بالغِيبة، فيطيرون إلى السماء لاستقبال المسيح كالملائكة، ثم يبتّكون أعناقَ كلّ مَن كان من أهل السُنّة، بما كانوا يُكرِمون صحابة خيرِ البريّة، وبما كانوا يعادون الشيعةَ، ولا يدخُلون في هذه الفرقة المعصومة المطهّرة، ويومئذ لا يسلَم مِن أيديهم ولا يبقى حيًّا على ظهر الأرض إلا مَن فضَّل على جميع الناس عليًّا، وحسِبه وصيًّا، ولأمراض الناس أسيًّا، وآمنَ بخلافته الحقة من غيرِ فاصلة، ولعَن الصحابةَ كلّهم إلا قليلا الذين كانوا زهاءَ خمسة”. (لجة النور، الخزائن الروحانية مجلد 16 ص 443-444)