السيرة الطاهرة

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

إن رجعة نبي من الأنبياء أو زعيم من المصلحين ظاهرة ترتبط بمعظم الأديان، حتى الأديان القديمة، مثل ديانة قدماء المصريين والهندوسية والبوذية. ولا تخلو الأديان السامية مثل اليهودية والمسيحية بل والإسلام من نفس هذه الآثار والظواهر. فالمصريون القدماء كانوا يؤمنون بالرجعة مرة أخرى إلى هذا العالم. ولذلك برعوا في فن التحنيط، كما اهتموا اهتماما خاصا بدفن ملوكهم في مقابر سرية لا تصل إليها أيدي العابثين، فكانوا يضعون مع جثمان الملك كل ما يخصه من تحف ومعدات الحرب وأدوات الصيد وغيرها، ولذلك فقد بلغت مقابرهم شأنا عظيما في فن الهندسة المعمارية، ولعل الأهرام.. التي تعتبر إحدى عجائب الدنيا السبع.. خير شاهد على تلك البراعة الهندسية.

أما في الديانة الهندوسية والبوذية والزرادشتية مايشير أيضًا إلى عودة ميسيو. وهكذا.

والديانات السامية.. نسبة إلى نسل سام بن نوح .. لم تشذ هي الأخرى عن تلك الأفكار. فإننا نجد في الديانة اليهودية ما يشير إلى عودة إيليا النبي.. المعروف في الإسلام باسم إلياس .. ونزوله من السماء كعلامة على بعث المسيح الموعود به لليهود. وفي المسيحية كذلك يوجد ما يفيد بعودة المسيح ونزوله مرة أخرى إلى هذه الدنيا، وفي الإسلام أيضا روايات تفيد نزول المسيح وظهور الإمام المهدي، وعند الشيعة سيعود الإمام الغائب ليقتل كل أعدائه.

وبطبيعة الحال فإن أتباع هذه الأديان جميعها.. الذين يتطلعون إلى رجعة النبي أو عودة المجدد الغائب أو المنتظر.. إنما يتوقعون ظهوره وعودته بنفسه وفي نفس جسده العنصري الذي يتعارض مع كثير من الأديان.. وخاصة الإسلام.. والتي تقضي بعدم عودة من يموت إلى هذه الحياة الدنيا مرة أخرى.

وقد حاول المسيح عيسى بن مريم أن يلقي ضوءا على موضوع رجعة الأنبياء وشرح لحوارييه أن رجعة نبي من الأنبياء هي رجعة روحية بمعنى أن يظهر مثيل للنبي المزمع أن يرجع، فكأنه عاد بنفسه مرة أخرى إلى هذه الدنيا.

وفي الإسلام كذلك هناك ما يشير إلى أن للرسول بعثتين. يقول القرآن الكريم:

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ (الجمعة: 3-4)

وتشير الآية إلى أن الله قد بعث في الأميين رسولا.. وهم العرب الأميون الذين بُعث فيهم الرسول .. وبعثه أيضًا في آخَرِينَ ، وهذه البعثة الثانية ليست متصلة بالأولى حيث يصف القرآن الآخرين بأنهم لـَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ، أي أنه سينقضي زمن ما حتى يظهر من سماهم القرآن بأولئك “الآخرين” وهذا يدل على أن للرسول بعثتين.. إحداها في الأولين والثانية في الآخرين. والبعثة الثانية للرسول ستكون بعثة جسدية يظهر فيها بنفسه وفي نفس جسده العنصري. ومعنى البعثة الروحية هنا هو أن يظهر أحد أتباعه الذي يكون من أخلص خدامه ومتبعي سنته حتى أنه ليبدو وكأنه ظله الذي انطبعت عليه صورته. إن هذا المبعوث المنتظر سيكون قد انمحى كلية في طاعة الرسول وخلع عن نفسه رداءها وتفانى في شخصية رسول الله حتى لكأنه قد صار هو بعينه. وفي ذلك يقول عنه الرسول : “يدفن معي في قبري”. ولا يعني هذا بالطبع القبر المادي.. أي أن يفتح قبر الرسول ليدفن فيه ذلك المنتظر، فإن هذا انتهاك لحرمة قبر رسول الله ، وإنما معنى الحديث أن هذا المنتظر سيكون قد تطبع بطباع رسول الله وتخلق بأخلاقه واستن بسنته حتى لكأنه قد صار هو بنفسه وكأنه قد عاد مرة أخرى إلى الحياة، ولن يكون القبر الذي دفن فيه جسد رسول الله وإنما سيكون “روضة من رياض الجنة”، فقد وصف الرسول القبر الذي تذهب إليه روح الميت فقال عنه: “القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار”

وهناك نبوءات عن رسول الله تحدثنا عن ظهور المهدي والمسيح في آخر الزمان، وتشير بعض الأحاديث إلى أن المهدي والمسيح هما في واقع الأمر شخص واحد، فقد ورد في ابن ماجه حديث: “لا مهدي إلا عيسى” وورد في مسند أحمد بن حنبل عن عيسى الموعود أنه “ينزل إماما مهديا وحكمًا عَدْلاً”

وعلى ذلك يتضح أن البعثة الروحية الثانية لرسول الله التي أشار إليها القرآن الكريم في سورة الجمعة  إنما تتمثل في بعثة ذلك المهدي المنتظر والمسيح الموعود الذي أشار أيضا رسول الله إلى أنه سيكون من أصل فارسي: “لو كان الإيمان بالثريا لناله رجل من فارس”

غير أن جمهور المسلمين الذين تسربت إليهم الأفكار المسيحية والروايات الإسرائيلية عن طريق دخول أعداد كبيرة من أهل الكتاب في الإسلام، بدأوا يتأثرون بهذه الأفكار وتلك الإسرائيليات حتى صاروا يظنون أن عيسى قد رُفع إلى السماء بجسده العنصري وأنه سوف ينزل منها في آخر الزمان إلى الأرض بنفس ذلك الجسد العنصري تحقيقا للنبوءات التي ذكرها رسول الله عن نزول عيسى في آخر الزمان.

وجدير بالذكر.. أن المسيحيين من أهل الكتاب يعتقدون أن عيسى قد مات على الصليب، ثم عادت إليه الحياة بعد ثلاثة أيام، ثم صعد إلى السماء بجسده الذي سينزل فيه مرة أخرى إلى الأرض في آخر الزمان، ولكن المسيح عيسى بن مريم نفسه قد شرح بكل الوضوح معنى عودة نبي من الأنبياء أو نزوله من السماء. فمن بين الأمور التي حالت بين علماء اليهود وبين الإيمان بعيسى وهو المسيح الموعود به لهم في التوراة والذي كانوا ينتظرون مجيئه بفارغ الصبر، هو ورود بعض النبوءات في التوراة عن نزول إلياس (إيليا النبي) من السماء كعلامة على قرب ظهور المسيح الموعود. فقد ورد في سفر ملاخي وهو آخر أسفار التوراة أن إيليا النبي سوف ينزل من السماء قبل ظهور المسيح.

ولما جاء المسيح بن مريم ودعا الناس إلى الإيمان رفض علماء اليهود أن يؤمنوا به.. حيث أنهم لم يشاهدوا إيليا النبي نازلا من السماء بعد، وصار هؤلاء يحرضون العامة ضد المسيح، ويستدلون بالتوراة متهمين المسيح بالكذب والدجل حيث أنه كان يدّعي أنه المسيح الموعود رغم عدم نزول إيليا النبي من السماء كما تنص التوراة. وشعر حواريو المسيح بالحرج والقلق الشديد لكلام علماء اليهود، فالتوراة واضحة وصريحة وتنص على نزول إلياس النبي من السماء قبل ظهور المسيح الموعود. ونذهب إلى الأناجيل المسيحية لنرى كيف تطور الأمر.

يحكي لنا إنجيل متّى أن تلاميذ المسيح سألوه عن هذه المشكلة التي أثارها علماء اليهود فيقول:

“وَسَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ: «فَلِمَاذَا يَقُولُ الْكَتَبَةُ: إِنَّ إِيلِيَّا يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ أَوَّلاً؟» فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ :«إِنَّ إِيلِيَّا يَأْتِي أَوَّلاً وَيَرُدُّ كُلَّ شَيْءٍ. وَلكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ إِيلِيَّا قَدْ جَاءَ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ، بَلْ عَمِلُوا بِهِ كُلَّ مَا أَرَادُوا. كَذلِكَ ابْنُ الإِنْسَانِ أَيْضًا سَوْفَ يَتَأَلَّمُ مِنْهُمْ» حِينَئِذٍ فَهِمَ التَّلاَمِيذُ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ عَنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ.” (إِنْجِيلُ مَتَّى 17: 10-13)…. “لأَنَّ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ وَالنَّامُوسَ إِلَى يُوحَنَّا تَنَبَّأُوا. وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا، فَهذَا هُوَ إِيلِيَّا الْمُزْمِعُ أَنْ يَأْتِيَ” (إِنْجِيلُ مَتَّى 11: 13-14)

كذلك يذكر إنجيل لوقا عن بشارة الملاك لزكريا عن مولد يوحنا:

“وَامْرَأَتُكَ أَلِيصَابَاتُ سَتَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتُسَمِّيهِ يُوحَنَّا. وَيَكُونُ لَكَ فَرَحٌ وَابْتِهَاجٌ، وَكَثِيرُونَ سَيَفْرَحُونَ بِوِلاَدَتِهِ، لأَنَّهُ يَكُونُ عَظِيمًا أَمَامَ الرَّبِّ، وَخَمْرًا وَمُسْكِرًا لاَ يَشْرَبُ، وَمِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يَمْتَلِئُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. وَيَرُدُّ كَثِيرِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَى الرَّبِّ إِلهِهِمْ. وَيَتَقَدَّمُ أَمَامَهُ بِرُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ، لِيَرُدَّ قُلُوبَ الآبَاءِ إِلَى الأَبْنَاءِ، وَالْعُصَاةَ إِلَى فِكْرِ الأَبْرَارِ” (إِنْجِيلُ لُوقَا 1: 13-17)

وهكذا أوضح المسيح أن المقصود بالمجيء الثاني أو عودة نبي من الأنبياء الذين خلوا من قبل.. أن يأتي شخص آخر بصفته وقوته.. وشرح أن ما تعنيه نبوءات التوراة من عودة إيليا ونزوله من السماء هو مجيء يوحنا المعمدان وهو سيدنا يحيى .

وما دام هناك في كل الأديان من الأنباء ما يشير إلى عودة شخص ما في آخر الزمان فإن السؤال الذي يجب أن يوضع في الاعتبار فيما يتعلق بالمجيء الثاني لهذا المنتظر هو: ما هو الغرض من مجيء هذا المبعوث.. وما هي مهمته.. ولماذا اتفقت الديانات العظمى في العالم على قدوم ذلك المنتظر في آخر الزمان؟ وهل يا ترى نتوقع أن يظهر مبعوث في كل ديانة.. وإذا جاز ذلك فهل تتشابه مهمة كل هؤلاء أم أنه سيكون لكل منهم مهمة خاصة به وبدينه فقط إذ أنه يمكن أن تتعارض وتتضارب تلك المهام التي سيقوم بها أولئك المنتظر مجيئهم في آخر الزمان.

وإذا كانت المهام التي سيقومون بها جميعا متشابهة فهل مجيء واحد فقط يكفي لتأدية تلك المهام جميعها على أكمل وجه؟ وإذا كانت تلك المهام تختلف عن بعضها البعض وتتعارض مع بعضها البعض فماذا يؤدي إليه مجيء هؤلاء المبعوثين في كل هذه الأديان من تشاحن وتباغض وتنافر وعداء بدلا من السلام والمحبة والتآلف والوئام بين أتباعها؟ وإذا افترضنا ظهور مجدد في كل دين من الأديان العظمى كالإسلام والمسيحية واليهودية والهندوسية والبوذية وغيرها.. تحقيقا للنبوءات التي تحتويها تلك الأديان.. فهل يتمسك كل مجدد بتعاليم دينه أم أنه يحيد عنها ويتجاهلها؟

في أي من الأحوال نرى أن المشاكل التي يمكن أن تنجم عن مجيء هذا الجمع من المجددين في آخر الزمان لا حصر لها ولا حل لها أيضا.

إن العالم في خلال القرنين السابقين قد شهد اتجاها نحو التوحد والتجمع .. وكل الخطوات التي تم اتخاذها بين الدول من إقامة أحلاف ومؤسسات دولية وجامعات وروابط للدول العربية واللاتينية والأوروبية والإسلامية وغيرها لتشهد أن مسرح الأحداث في العالم يجري إعداده بأيدي الله الخفية.. ليجتمع شمل الأسرة الإنسانية .. مما يدل على أن المجدد المنتظر عودته في كل دين من الأديان إنما هو في حقيقة الأمر شخص واحد وليس عدة أفراد يتبعون تلك الأديان المتعددة.

ومن وجهة النظر الإسلامية.. فإن هناك اتفاق على أن مجيء ذلك المبعوث في آخر الزمان سيكون تحقيقا لوعد الله تعالى:

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (التوبة: 33)

هذا الوعد سوف يتحقق عند ظهور الإمام المهدي المنتظر والمسيح الموعود وهما شخص واحد كما أسلفنا الذكر. وهناك من الظواهر القوية ما يشير إلى أن ذلك المجدد العظيم سوف يظهر في الإسلام وبين المسلمين وليس في دين آخر. ويؤيد تلك الظواهر دلائل عديدة لا يتسع المجال للدخول في تفاصيلها هنا.. غير أنه من الممكن أن نشير إلى البعض منها:

أولا: إن كتاب الله القرآن واضح كل الوضوح في النص على أن رسالة الإسلام رسالة عالمية وأن رسول الإسلام قد بُعث للعالم أجمع:

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا (الأَعراف: 159) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا (سبأ: 29)

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (الأنبياء: 108)

ثانيا: إن القرآن يحتوي على الهدي الكامل لأهل كل زمان، وسكان كل الأوطان، وفي كل مكان:

رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (3) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (البينة: 3-4) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (يوسف: 105)

وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (القلم: 53)

تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (الفرقان: 2)

ثالثا: إن القرآن هو الكتاب السماوي الوحيد الذي حفظه الله تعالى من التبديل والتحريف بناء على وعده تعالى:

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر: 10) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (البروج: 22-23)

إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (الواقعة: 78-79)

فالقرآن يتميز من بين جميع الكتب السماوية بأنه ينفرد بصفة لا توجد إلا فيه ولا يتصف بها أي كتاب سماوي آخر وهي أنه من بدايته إلى نهايته لا يحتوي إلا على كلمات الوحي الإلهي التي جاء بها جبريل من عند الله تعالى ولقَّنها رسول الله . فكل كلمة فيه وكل حرف من حروفه هو وحي إلهي لا دخل للبشر في وجوده أو تكوينه. وهذا في حد ذاته ضمان على أنه محفوظ من عند الله تعالى.. فلا يمكن أن تمسه يد التحريف والتبديل.. ولا يمكن أن يطرأ عليه زيادة أو يشوبه نقص.. ولا يمكن أن تُنسى آياته أو تندثر كلماته.

وقد أجمع المستشرقون والعلماء غير المسلمين الذين بحثوا في أمر القرآن المجيد على أن كل آياته الموجودة حاليا هي نفس الآيات والكلمات التي جاء بها محمد وأخبرنا أنها من وحي الله تعالى.

ويجب ألا يغيب عن البال أن الوعد الإلهي بحفظ القرآن المجيد الذي سبق الإشارة إليه في سورة الحجر لا يقتصر على حفظ متن القرآن الكريم وكلماته فقط، وإنما يشمل كل العوامل التي تؤثر على هذا الكتاب السماوي بكونه مصدر الهدي للإنسانية جمعاء في كل زمان وفي كل مكان. فمثلا إن هذا الوعد ضمان أن اللغة التي نزل بها القرآن.. وهي اللغة العربية.. سوف تظل دائما أبدا لغة حية يستعملها البشر ويفهمونها حتى لا تكون هناك حوائل تعوق فهم القرآن المجيد. واللغة العربية اليوم هي لسان أعداد كبيرة من الناس يتحدث بها من البشر ما يزيد مئات المرات عن أعداد البشر الذين كانوا يتكلمون العربية عند نزول القرآن. وبالإضافة إلى حفظ اللغة من الضياع أو الاندثار.. فإن رسول الله قد أخبرنا بأن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها.. وذلك بأن يُبرِز الهدي القرآني للناس ويبين لهم عظمة هذه المعجزةَ الخالدة. ولم يحدث بالنسبة لأي كتاب سماوي آخر أن اقترن نزوله بمثل هذا الوعد الإلهي بحفظه.. الوعد الذي ينص على حفظ متن الكتاب وكلماته.. وحفظ اللغة التي نزل بها.. وحفظ معانيه وهديه عن طريق المجددين وعلماء الأمة الذين يبعثهم الله تعالى من زمن لآخر.

رابعا: هناك أيضا الوعد الإلهي الذي سبق الإشارة إليه في سورة التوبة.. الآية رقم 33.. والخاص بظهور الإسلام على الأديان كلها. وليس معنى ذلك الظهور أن يتأسس الدين في الأرض كما حدث على يد رسول الله ، لأن معنى ظهور الدين على الدين كله يقتضي انتشار الإسلام في الأرض بحيث تكون له اليد العليا على كل الأديان الأخرى. يقال “ظهر الجيش على عدوه” أي انتصر الجيش على العدو وصارت له اليد العليا في ميدان الحرب وتحقق له الفوز والانتصار.

وقد أشار المفسرون أن هذا الوعد الإلهي سوف يتحقق في آخر الزمان حينما يأتي الإمام المهدي والمسيح الموعود حسب ما أنبأ به الرسول الأكرم من الأحاديث في هذا الشأن. وكما أخبرنا أنه سيكون وكأنه صورة وظل لرسول الله حتى أنه ليشابهه في صفاته وفي أسمائه وفي أخلاقه حتى لكأنه قد بُعث من جديد مرة أخرى كما تشير إلى ذلك آية سورة الجمعة:

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (الجمعة: 3-4)

وروى البيهقي عن أبي إسحاق قال: قال عليّ ، ونظر إلى ابنه الحسن، فقال: إن ابني هذا سيد كما سماه النبي . سيخرج من صلبه رجل باسم نبيكم، يشبهه في الخُلُق ولا يشبهه في الخَلق.

وعن حذيفة قال: قال رسول الله : “لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَبْعَثَ فِيهِ رَجُلًا مِنِّي أَوْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمُ أَبِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا” (سنن أبي داوود،كتاب المهدي)

ويجدر التنويه هنا بأن استعمال صيغة الفعل الماضي في آية سورة التوبة: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ لا يعني أن هذا الفعل قد تم في الماضي، وإنما هذا هو اللسان العربي والأسلوب القرآني لتأكيد وقوع فعل ما سوف يحدث في المستقبل، فالعرب يقولون مثلا: “أفلح إن صدق” تأكيدا لفعل سوف يقع حتما ولكنه لم يقع بعد. والقرآن الكريم أيضا يستعمل نفس الأسلوب لتأكيد وقوع الفعل في المستقبل مثل قوله تعالى:

وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (الزمر: 74-75)

خامسا: إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يتطلب الإيمان بجميع الأنبياء ورسل الله تعالى في أي وقت ظهروا فيه وفي أي مكان جاءوا إليه وفي أي أمة أرسلوا إليها. فالقرآن الكريم يؤكد:

إنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (فاطر: 25) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا (النحل: 37)

وإنها لدعامة من دعائم الإيمان للمسلم أن يؤمن بجميع الأنبياء والرسل دون أن يفرق بين أحد منهم. فالقرآن الكريم يؤكد:

قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (البقرة: 137)

وهذا يقتضي أن المبعوث الإلهي العظيم الذي يأتي في آخر الزمان لا بد وأن يظهر في الأمة الإسلامية، فهو كمسلم لا بد وأن يؤمن بجميع الأنبياء من الأمم السابقة ولا يستطيع أن ينكر رسالة أحد منهم أو يكفر بنبوة أي منهم. أما إذا افترضنا جواز ظهوره في أمة أخرى غير الأمة الإسلامية فإنه لن يكون ملزما بالإيمان بالأنبياء والرسل الذين لم يُبعثوا في قومه، وبالتالي فإن الناس من الأقوام الأخرى لن يؤمنوا بشخص لا يؤمن بأنبيائهم ورسلهم الذين بعثهم الله فيهم. ولذلك فإن من مقتضيات “الحَكَم العدل” الذي يبعثه الله تعالى في آخر الزمان أن يكون مصدقا لكل الأنبياء.. مبجلا لهم.. ذابّا عن كل نقيصة أُلحقت بهم.. ومدافعا عن رسالة الله التي أوحاها إليهم. فهو لا بد أن يكون ممثلا لكل الأنبياء .. أو كما جاء في وصفه بأنه “جري الله في حلل الأنبياء”.

سادسا: إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي وصفه الله تعالى بالكمال. فهو الدين الكامل الذي ارتضاه لعباده ولن يقبل منهم دينا سواه. يقول تعالى:

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (المائدة: 4) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ (آل عمران: 20)

وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (آل عمران: 86)

والإسلام كما نعلم دين يحتوي على تشريع وتقنين، وحيث أنه يتسم بالسمات السابق ذكرها.. أي أنه دين كامل .. نزل للعالم أجمع وجاء ذكرًا للعالمين.. وأن الله تعالى بنفسه قد وعد بحفظ ذلك الذكر من كل تحريف وتغيير.. بل إن الله سبحانه وتعالى قد حفظ أيضا اللغة التي نزل فيها ذلك الذكر الحكيم.. فإن جميع هذه الأسباب تمنع أن يأتي دين آخر من عند الله تعالى. (يتبع(

Share via
تابعونا على الفايس بوك