الخلافة في الإسلام كيف يختار الله الخليفة

الخلافة في الإسلام كيف يختار الله الخليفة

الأستاذ المرحوم مصطفى ثابت

إن موضوع الخلافة في الإسلام موضوع واسع وهام، وسوف أتناول في هذا المقال أحد جوانبه المتعددة، وهو كيف يختار الله تعالى الخليفة. غير أنه يجدر قبل معالجة الموضوع بأن أذكر أن هناك نوعين من الخلافة: الخلافة الربانية والخلافة البشرية، ولعله من الأفضل أن نشرح كلا من هذين النوعين بشيء من التفصيل.

  1. الخلافة الربانية

الخلافة الربانية هي ذلك النوع من الخلافة التي يختار الله فيه الخليفة. وينقسم هذا الاختيار بدوره إلى قسمين، اختيار مباشر أو غير مباشر:

  • الخلافة الربانية بطريق مباشر هي تلك الخلافة التي يختار الله تعالى فيها الخليفة بغير أن يشترك أحد من الناس في عمليلة الاختيار. ويذكر لنا القرآن الكريم مثالين من هذه الخلافة. المثال الأول هو عن آدم عليه السلام حيث يقول تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة: 31)

المثال الثاني هو عن داود عليه السلام حيث يذكر سبحانه في كتابه العزيز: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ) (ص: 27)

وحيث إن الله تعالى يختار الخليفة مباشرة فإنه ينسب إليه سبحانه، فيقال إنه خليفة الله. وعلى ذلك فإن كل نبي وكل رسول هو في واقع الأمر خليفة الله، أي أن النبوة هي في حقيقتها خلافة ربانية مباشرة، يختار الله فيها الخليفة، أي النبي بطريق مباشر، دون أن يشترك أحد من الناس في عملية الاختيار هذه. ومن المعروف أن الرسول ذكر عن الإمام المهدي أنه: “خليفة الله المهدي”.

  • القسم الثاني من الخلافة الربانية هي تلك التي يختار الله تعالى فيها الخليفة بطريق غير مباشر. ويطلق على هذه الخلافة في الإسلام اسم “الخلافة الراشدة”، وهي الخلافة التي تلي بعثة النبي أو الرسول، ولذلك فهي تنسب إلى ذلك النبي أو الرسول، فيقال عن الخليفة إنه “خليفة النبي” أو “خليفة الرسول” أو خليفة المسيح”.

وقد وصف سيدنا رسول الله هذه الخلافة بأنها “خلافة على منهاج النبوة”. كذلك قال إنه لم تكن من نبوة إلا وتبعتها خلافة. ونحن نعلم من حديث آخر له أن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنه ليس بعده نبي. ومن هذين الحديثين يتضح لنا أن كلمة “خليفة” هي لفظ يمكن أن يطلق على النبي وعلى غير النبي على السواء. فالنبي يخلفه خليفة قد يكون نبيا.. أي خليفة يختاره الله بطريق مباشر، كما خلف سليمان داود عليهما السلام. وقد يخلف النبي خليفة لا يكون نبيا.. أي خليفة يختاره الله أيضا ولكن بطريق غير مباشر. وبهذا المعنى.. فإنه لن يخلفه خليفة يكون نبيا، وإنما تخلفه خلافة على منهاج النبوة.

ويذكر الله تعالى في سورة الأحزاب، وفي الآية الثامنة تحديدا.. أسماء أولئك الأنبياء الذين قال عنهم حصرا إنه أخذ منهم ميثاق النبيين، إذ يقول تعالى:

(وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۖ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) (الأحزاب: 8).

ومن الملاحظ أن هؤلاء الأنبياء هم من جاءوا على رأس أمة من الأمم وفي نهايتها، فنوح كان على رأس أمته، وفي نهايتها كان إبراهيم كما يقول تعالى عنه:

(وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ) (الصافات: 84).

وبالمثل كان موسى على رأس أمة بني إسرائيل وكان عيسى ابن مريم في آخرها، وأيضا كان سيدنا رسول الله على رأس الأمة الإسلامية آخر الأمم، بينما كان المسيح الموعود في نهايتها، كما يقول صلى الله عليه وسلم:

“كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسى في آخرها؟” (الدر المنثور للسيوطي، تفسير سورة آل عمران تحت آية: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ..).

وقد تأسست الخلافة بعد جميع هؤلاء الأنبياء الذين جاءوا على رأس كل أمة وفي نهايتها، سواء كانت هذه الخلافة هي خلافة نبوة أو خلافة على منهاج النبوة.

  1. الخلافة البشرية

الخلافة البشرية هي نظام من نظم الحكم السياسية، كالنظم الملكية أو الجمهورية وغيرها، وقد تأسست هذه الخلافة في التاريخ الإسلامي على يد بعض الأسر الإسلامية التي تولت الحكم بعد انتهاء الخلافة الراشدة، أي بعد انتهاء الخلافة على منهاج النبوة، وذلك بعد أن تم اغتيال الخليفة الثالث والرابع رضي الله تعالى عنهما. وبطبيعة الحال فإن هذه الخلافة ليست خلافة ربانية، فالله تعالى لا يختار الخليفة في هذا النظام السياسي.. لا بطريق مباشر.. ولا بطريق غير مباشر. وإنما يترك نظام الحكم للناس، ويتم تعيين الخليفة، أي الحاكم، حسبما يقرره الناس أو حسبما يفرض عليهم، سواء كان ذلك بطريق ديمقراطي، أو وراثيا، أو دكتاتوريا أو باغتصاب السلطة عن طريق الانقلابات العسكرية.

ولا يعالج المقال هذا النوع من الخلافة البشرية، فهي لا تشترك مع الخلافة الربانية إلا في الاسم فقط.. أي في لفظ “الخلافة” فحسب. وعلى هذا فإننا لا نتحدث هنا عن كل نظام يطلق فيه على رئيس الدولة لقب خليفة، سواء كانت هذه الخلافة خلافة أموية أو عباسية أو فاطمية أو عثمانية أو أية خلافة أخرى. كذلك فإننا لن نعالج موضوع الخلافة الربانية التي يختار الله فيها الخليفة بطريق مباشر.. أي الأنبياء والرسل، وإنما سوف نتناول فقط نظام الخلافة الربانية التي هي خلافة على منهاج النبوة، والتي يختار الله تعالى فيها الخليفة بطريق غير مباشر.

أهمية الموضوع

هذا أمر على جانب كبير من الأهمية، ومن الضروري لنا أن نفهم كيف يختار الله الخليفة. وهذا الموضوع مهم بالنسبة لنا نحن المسلمين الأحمديين، لأن الخلافة على منهاج النبوة قد أعيد تأسيسها في هذه الجماعة المباركة بعد أن بعث الله تعالى عبده الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام. وحيث إننا نعاهد الخليفة بما هو معروف بعهد البيعة، فإنه من المحتم لنا أن نفهم مقام الخلافة فهما صحيحا.

كذلك فإنه من الضروري أيضا للمسلمين عامة أن يفهموا كيف يختار الله تعالى الخليفة في نظام الخلافة على منهاج النبوة، وهو نظام الخلافة الذي ذكر عنه رسول الله أنه سوف يعاد تأسيسه بعد أن تتحول الخلافة بعده من خلافة على منهاج النبوة إلى حكم متوارث وحكم جبري وحكم عضوض، ثم.. “..ثم تكون خلافة على منهاج النبوة”. (كنز العمال للإمام المتقي الهندي، لواحق الإمارة من الإكمال، ج6 رقم الحديث 15114 مؤسسة الرسالة 1989)

ومما يؤسف له أن الكثيرين ممن دخلوا الإسلام في عهد الخلافة بعد وفاة رسول الله لم يدركوا أن الله تعالى هو الذي يختار الخليفة، وبسبب جهلهم هذا ثاروا على الخليفة الثالث.. سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكما نعلم فإن الخليفة الثالث والرابع قتلا بأيدي المسلمين. وإزاء هذا رفع الله تعالى عنهم نعمة الخلافة على منهاج النبوة.. فانتهت هذه الخلافة الراشدة. ولو أنهم فهموا حقيقة مقام الخلافة وأدركوا أن الله تعالى هو الذي يختار الخليفة، لما أخذتهم الجرأة إلى هذا الحد الذي وضع نهاية مأساوية لحياة الخليفة الثالث والرابع، وأصاب وحدة المسلمين بشرخ ظل يزداد عمقا واتساعا إلى يومنا هذا.

أسئلة تحتاج إلى أجوبة

وحيث إن الله تعالى يختار الخليفة بطريق غير مباشر.. عن طريق الناس الذين يبدو أنهم ينتخبون الخليفة.. فلا بد أن تنشأ العديد من الأسئلة في أذهان بعض الناس:

أولا: كيف يمكن أن يقال إن الله تعالى هو الذي يختار الخليفة مع أن ظاهر الأمر يقول إن الناس هم الذين ينتخبونه؟

ثانيا: إذا كان الله تعالى هو فعلا الذي يختار الخليفة، فلماذا لا يختاره مباشرة كما يختار الأنبياء والرسل؟

ثالثا: من هو ذلك الذي يختاره الله ليكون خليفة وما هي الصفات التي تتوفر فيه؟

رابعا: لماذا لا يشترك جميع أفراد الجماعة في عملية الانتخاب؟

خامسا: من هم أولئك الذين ينتخبون الخليفة؟

سادسا: هل الخليفة معصوم من الخطأ، وأي نوع من الأخطاء يمكن أن تصدر من الخيفة؟

تجاهل المشكلة لا يؤدي إلى اختفائها

كل هذه الأسئلة هامة وتحتاج إلى إجابة شافية، ولا شك أنها راودت الكثير منا، ومن الواجب أن نثير هذه الأسئلة ونخرجها من حيز الفكر إلى حيز البحث وتقديم الإجابات عليها. ولعل بعض شبابنا ينتابه الخجل فيمنعه من أن يسأل أباه فيقول: “ما هو الدليل يا أبي على أن الله تعالى هو الذي يختار الخليفة”؟ قد يشعر شبابنا بالخجل وقد لا يسألون هذا السؤال، ولكن السؤال لن ينمحي من أذهانهم. قد يكبح الشاب جماح نفسه ويمتنع عن السؤال، وقد يحاول أن يتناسى الموضوع أو يهمله، ولكن السؤال سيظل دائما حائرا في ذهنه، خاصة حين يلتحق بالجامعة أو حين يدرس موضوع الديمقراطية أو يناقشه مع أصحابه وأترابه، أو حين تتم مقارنة بين النظام الإسلامي والنظام الديمقراطي.

وعلى هذا فإن إهمال مواجهة المشكلة لن يقضي عليها ولن يجهلها، بل إن إهمال الإجابة على هذه الأسئلة قد يعرض شبابنا للخطر، وخاصة الشباب الذين يعيشون في المجتمعات الديمقراطية الغريبة. وبالإضافة.. فإنه لا يليق بالمسلم الأحمدي أن يظل جاهلا بإجابة هذه الأسئلة الهامة.

نعم.. إن هذه الأسئلة ليست سهلة، والإجابة عليها أيضا ليست سهلة. ولا بد من إعمال الفكر فيها واستلهام الهداية من الله تعالى ومن القرآن المجيد. إن الكثيرين لم يدركوا حقيقة الإجابة الصحيحة على هذه الأسئلة. بل إن الكثيرين من بين أتباع المسيح الموعود لم يدركوا حقيقة هذه الأمور، كانت النتيجة أنهم لم يفهموا مقام الخلافة، فحملتهم عواصف الارتداد بعيدا عن سفينة الجماعة.

لذلك فإنه من الضرورة بمكان أن نجد أجوبة مقنعة على الأسئلة التي ذكرناها آنفا، والتي من الطبيعي أن تتوارد على خواطر الكثير من الناس. ولسوف نتناول كلا من هذه الأسئلة على حدة ونقدم الإجابة عليه.

السؤال الأول

كيف يمكن أن يكون الله تعالى هو الذي يختار الخليفة مع أن ظاهر الأمر يقول إن الناس هم الذين يختارونه؟

طريقان للمعالجة

هناك طريقان للإجابة على هذا السؤال.. الأول هو بيان أن بعض الأعمال يقوم بها الإنسان، ولكن نتائج هذه الأعمال تكون من فعل الله تعالى. والطريق الثاني هو بيان أن هناك أعمالا يقوم بها الله تعالى ولكنها تتجلى وتظهر على أيدي الإنسان. وبالطبع فلا بد أن نبرهن على أن الله تعالى هو الذي يقوم بالاختيار، وأن الإنسان الذي يدلي بصوته إنما يفعل ذلك تنفيذا لإرادة الله تعالى.

الأدلة من القرآن المجيد

الدليل الأول: يتناول القرآن المجيد الطريق الأول بالشرح والتبيان، فيؤكد أن هناك أعمالا يقوم بها الإنسان، ولكن نتائج هذه الأعمال تكون من فعل الله تعالى، فيقول تعالى:

(أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ. أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) (الواقعة: 64-65)

حين يتحدث الفلاحون بعضهم مع بعض.. يقولون إنهم سوف يزرعون كذا وكذا هذا العام، وقد يقول أحدهم إن المحصول الذي زرعته هذا العام كان محصولا جيدا، وهكذا. فالفلاح يحرث الأرض، ويزرع البذر، ويروي الزرع، ويتعهده بالعناية والرعاية، ويحصد المحصول، ولكن الله تعالى يقول إنكم لا تزرعون، وإنما نحن الزارعون. أي أن الله تعالى ينسب إلى نفسه العمل الذي قام به الفلاح وهو الزراعة. لماذا؟ لأنه كان من المحتم على الفلاح أن يتبع النظام الذي وضعه الله تعالى للزرع كي ينمو ويحقق ثماره. وإن لم يتبع الفلاح هذا النظام فلن ينمو الزرع، وعلى هذا فإن الزراع الحقيقي هو الله تعالى، لأنه هو سبحانه الذي وضع نظام الزراعة الذي لا بد من اتباعه لكي يجني الإنسان المحصول. وحين يتبع الإنسان النظام الإلهي الذي وضعه الله تعالى فإنه يحقق النتيجة التي يريدها الله تعالى.

من المستحيل لأحد أن يزرع أشجار المانجو في كندا مثلا خلال فصل الشتاء حيث تنخفض درجة الحرارة في بعض المناطق إلى أكثر من أربعين درجة مئوية تحت الصفر. وإن لم يستطع الإنسان أن يبني مكانا يوفر فيه نفس الظروف الجوية، ونفس درجات الحرارة، ونفس درجات الرطوبة، ونفس كمية ضوء الشمس، ونفس نوع التربة الموجودة في الأماكن التي تنمو فيها أشجار المانجو، فإنه من المستحيل أن ينجح في زراعة أشجار المانجو في كندا خلال فصل الشتاء. وعلى ذلك.. حين يتبع الإنسان نظاما وضعه الله تعالى للوصول إلى نتيجة معينة يرضى عنها الله، فإن تحقق هذه النتيجة هو من فعل الله تعالى وليس من فعل الإنسان. وبالتالي.. لكي نضمن أن يكون الخليفة من اختيار الله تعالى.. فلا بد أن نتبع النظام الذي وضعه الله تعالى لاختيار الخليفة. فإذا تحققت هذه الغاية فإنها تكون من فعل الله تعالى وليست من فعل الإنسان.

وقد وضع الله تعالى نظاما معينا لا بد من اتباعه لكي يتفضل سبحانه باختيار الخليفة. وهذا النظام يقتضي حدوث عدة أمور، أهمها أن يأتي نبي مبعوثا من الله تعالى أولا، فإن الخلافة على منهاج النبوة لا تقوم إلا في إثر بعثة نبي، ثم يتولى هذا النبي إنشاء جماعة من المؤمنين تقوم على الإيمان الصحيح والتقوى الحقيقية والعمل الصالح. ثانيا أن لا يقوم الاختيار على أن يرشح أحد نفسه لمنصب الخلافة يرى نفسه أفضل من غيره لشغل هذا المنصب، والقرآن الكريم ينهى عن هذا المسلك إذ يقول:

(فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ) (النجم: 33).

كذلك يجب ألا تنافس أحد مع غيره للحصول على هذا المنصب، فإن من يتنافس مع غيره للحصول على أصوات الناخبين ويستخدم أسلوب الدعاية لنفسه يقول في واقع الأمر: “اتخبوني أنا ولا تنتخبوا الشخص الآخر فأنا خير منه”، وهذه مقولة إبليس حين رفض الخضوع لآدم زاعما أنه خير منه. ثالثا أن يسأل الله تعالى أن يتولى بنفسه اختيار الخليفة وذلك بالدعاء وبالتضرع إليه عز وجل بعد توفر صدق الإيمان والإخلاص في الاستجابة له، فهو الذي قال:

(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة: 187)

فإذا اتخذ الإنسان كل الخطوات الواجبة التي لا بد من اتخاذها، ووفى بكل المتطلبات الضرورية التي من المحتم الوفاء بها، فإن الله تعالى يتفضل عليه ويقوم باختيار الخليفة. ولكن إن لم يتبع الإنسان النظام، الذي وضعه الله تعالى، تماما الاتباع في كل خطواته، فإن الله تعالى لا يتدخل بفضله في عملية الاختيار، وإنما يترك الأمر كله تحت حكم القوانين العامة التي وضعها سبحانه لكافة الخلق وعامتهم دون الخاصة منهم.

الدليل الثاني: أما الدليل الثاني الذي يقدمه لنا القرآن المجيد في هذا الشأن فيؤكد على أن هناك أعمالا يقوم بها الله تعالى، ولكنها تتجلى على أيدي الإنسان. فهي تبدو كأنها من فعل الإنسان، ولكن الفاعل الحقيقي هو الله تعالى. يقول عز وجل في كتابه العزيز:

(قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ) (التوبة: 14).

هذه الآية الكريمة نزلت عن المسلمين الأوائل الذين كانوا يقاتلون المشركين الذين اعتدوا عليهم، فقد تفاقمت اعتداءات المشركين على المسلين حتى استثارت غضب الله على المشركين مما استدعى نزول العذاب عليهم. وقد كانت هذه دائما سنة الله تعالى حين يزداد غيّ المعارضين والمنكرين لأنبيائه ورسله.. فكان يحل عليهم العذاب، ويأخذهم غضب الله عزوجل.

لقد نزل العقاب الرباني يقوم نوح، وقوم عاد وثمود، وبفرعون وقومه، وغيرهم من أقوام الأنبياء. وحين زاد غي مشركي مكة، وتجاوز عدوانهم كل الحدود، كان لا بد من نزول العقاب الإلهي عليهم. وفي الآية المذكورة يطمئن الله عباده المؤمنين بأن عقابه على وشك النزول على أعدائهم ومعائضيهم. ولكن بدلا من إنزال العقاب عليهم مباشرة كما كان الأمر مع أعداء الأنبياء السابقين، فإن الله تعالى سوف ينزل عقابه على مشركي مكة بواسطة أيدي المؤمنين. فلا بد للمؤمنين أن يقاتلوا المشركين المعتدين حتى يعذبهم الله بأيدي المؤمنين. إذن فالفعل هو فعل الله تعالى، ولكن هذا الفعل الإلهي سوف يتجلى على أيدي المؤمنين. وهذا يوضح بجلاء أن هناك أعمالا من فعل الله تعالى ولكنه يظهرها على أيدي المؤمنين الذين يطيعونه ويقومون بتنفيذ أوامره. فلو لم يقم المؤمنون بطاعة الله تعالى، ولو امتنعوا عن محاربة المشركين، فما كان الله ليظهر فعله على أيديهم، وإنما يتجلى فعله على أيدي أحبائه المخلصين الذين يتبعون أوامره، ويقومون بتنفيذ وصاياه وتعاليمه. يقول تعالى:

(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ) (الأنفال: 18).

هنا يوجه الله تعالى حديثه للمؤمنين ويؤكد لهم أنهم ليسوا من قتل المشركين المعتدين، وإنما ينسب الله تعالى إلى نفسه هذا الفعل. ومن المعروف طبعا أن المؤمنين هم الذين قاموا بقتال أهل مكة، ولكن الله تعالى يقول إنه هو الذي قتل هؤلاء المعتدين. فلماذا نسب الله تعالى الفعل إلى نفسه مع أنه كان يبدو أن المؤمنين هم الذين قاموا بهذا العمل؟ لأن المؤمنين حين قاموا بهذا العمل إنما قاموا به تنفيذا لأمر الله تعالى، وعلى ذلك فإن الله تعالى بنفسه قد حقق نتيجة هذا العمل، ولا يكون المؤمنون سوى أداة لتنفيذ إرادة الله عز وجل.

هناك الكثير من الأدلة والراهين في القرآن المجيد، وبدراسة تلك الدلائل يتبين بوضوح أنه حين يقوم الإنسان بعمل ما.. طاعة لله تعالى.. ومتبعا لأوامره وتعاليمه، فإن هذه الأعمال التي يبدو أن الإنسان يقوم بها.. هي في واقع الأمر من فعل الله تعالى. ولا يكون الإنسان في هذه الحالة سوى وسيلة يتخذها الله تعالى لجلاء إرادته وتحقيق مشيئته. وهذه هي نفس الوسيلة التي يتخذها الله تعالى في اختيار الخليفة، فهو سبحانه يتخذ الإنسان وسيلة لإظهار إرادته وإقرار مشيئته.

إن اختيار الله عز وجل للخليفة نعمة عظمى، وهي لا تتنزل إلا على الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإذا لم يقم المؤمنون بواجبات هذه الطاعة.. فلن يكون الله تعالى هو الذي يختار الخليفة، ولن يتجلى الله على المؤمنين بنعمة الخلافة من خلال صفته “الرحيم”، فهي نعمة خاصة.. لا يُنعم بها الله تعالى إلا على المؤمنين الذين يعملون الصالحات.

السؤال الثاني

إذا كان الله تعالى هو الذي يختار الخليفة، فلماذا لا يختاره مباشرة كما يختار الأنبياء؟ إن الأنبياء لا ينتخبهم أحد، ولا يتخذ الله عز وجل الإنسان وسيلة لاختيار النبي.. فلماذا لا يتبع نفس الأسلوب في اختيار الخليفة؟

الرحمانية والرحيمية

لكي نفهم الإجابة على هذا السؤال لا بد من أن نفهم معنى صفتين من الصفات الإلهية.. هما صفة “الرحمن” وصفة “الرحيم”.

إن صفة “الرحمن” هي صفة رحمة عامة لجميع المخلوقات الحية، وهي الصفة التي يظهر بها الله تعالى بركاته وإنعاماته على الإنسان دون أي اعتبار لأعماله.. أي سواء كان الإنسان مؤمنا أم كافرا، إن كان يعبد الله أم يكفر بوجوده، إذا كان مستحقا لتلقي نعمه أم غير مستحق، فإن الله تعالى ينعم على الإنسان بخالص فضله من خلال صفته “الرحمن”. فالحياة والضوء والهواء مثلا يوفرها الله تعالى للصالح والطالح، وللمؤمن والكافر، وللمطيع والعاصي. إن الإنسان لم يخلق الهواء ولم يعمل عملا يستحق به نوال هذه النعمة، ولكن الله تعالى برحمانيته يوجد له الهواء حتى قبل وجود الإنسان. فهو سبحانه يتجلى على الناس أجمعين بنعمه وأفضاله العامة من خلال صفته “الرحمن”.

أما صفة “الرحيم” فهي ليست صفة عامة للجميع، وإنما تقتضي أن يقوم الإنسان يعمل ما حتى تتجلى عليه نعمة الله وفضله. وتنطوي تحت صفة “الرحيم” صفات كثيرة تشترك كلها مع صفة “الرحيم” في وجوب أن يقوم الإنسان بعمل ما ليتجلى الله عليه بهذه الصفات. فالرازق مثلا صفة رحيمية، تقتضي أن يسعى الإنسان لطلب الرزق فيتجلى الله عليه بصفة الرازق. والغفور أيضا صفة رحيمية، تقتضي أن يتوقف الإنسان عن فعل المعصية ويندم عليها ويطلب المغفرة من الله تعالى، فيتجلى عليه سبحانه بصفة الغفور. غير أن الله تعالى هو مالك يوم الدين، وهو قد يغفر لمن يشاء من عباده حتى وإن لم يطلب ذلك العبد المغفرة، ولكن في هذه الحالة لا تنطوي صفة الغفور تحت صفة “الرحيم” ولكنها تنطوي تحت صفة “الرحمن”.

وهناك أمور لا يجليها الله تعالى إلا لعباده المؤمنين، وتظهر من خلال صفته “الرحيم”، وهي تقتضي بطيبعة الحال أن يكون الإنسان مؤمنا أولا، وإلا فإن تلك الصفات الإلهية لا تتجلى عليه، وإن لم يقم الإنسان المؤمن بالأعمال التي يقتضيها ظهور صفة معينة، فإن هذه الصفة لا تتجلى عليه من خلال رحيمية الله تعالى. وعلى هذا.. فإن اختيار النبي يتم عن طريق صفة الله الرحمانية. السؤال هنا هو: متى يختار الله تعالى نبيا؟ إنه يختار النبي عندما تكون هناك حاجة لوجود ذلك النبي، والحاجة تكون عندما تمتلئ الأرض ظلما وجورا، فيختار الله نبيا ليملأها قسطا وعدلا. حين ينتشر الفساد والضلال في الأرض.. لا يكون هناك أحد مستحقا لنوال النعمة والفضل من الله، ولكنه سبحانه بخالص فضله، ودون استحقاق من الإنسان، يتجلى بصفة “الرحمن” فيختار نبيا لهداية الناس، ولذلك فهو يختار النبي اختيارا مباشرا من خلال صفة الرحمانية.

ولكن بعد أن يقوم النبي بمهمته ويجمع المؤمنين على طريق الله المستقيم ويؤسس جماعة المؤمنين في الأرض، فإن الله تعالى يتجلى على هؤلاء المؤمنين بصفته “الرحيم” ويختار لهم الخليفة.. لمن؟ للمؤمنين الذين يؤمنون ويعملون الصالحات. هذان هما الشرطان الواجب توافرهما لكي يختار الله الخلافة الربانية، إذ يقول تعالى:

(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ) (النور: 56)

أي أن الوعد ليس عاما مطلقا، بل هناك شرطان ينبغي توفرهما أولا ليتحقق الوعد ويختار الله الخليفة. وإذا انتفى وجود هذين الشرطين أو حتى إذا غاب أحدهما.. فإن وعد الله باختيار الخليفة لا يتحقق. هذان المتطلبان هما الإيمان والعمل الصالح. الإيمان وحده لا يكفي، والعمل الصالح بغير إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله (جميع رسله) واليوم الآخر والقدر خيره وشره. ولكن.. ما هو ذلك العمل الصالح الذي تقتضيه إرادة الله تعالى حتى يتجلى على المؤمنين بصفته الرحيمية ويختار لهم الخليفة؟ إن الإجابة على هذا السؤال موجودة في نفس الآيات التي جاءت في سياقها آية الاستخلاف.

ما هو المقصود بقوله “وعملوا الصالحات”؟

يقول تعالى في سورة النور:

(إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ. وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ۖ قُل لَّا تُقْسِمُوا ۖ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ. قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ. وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (النور: 52-57)

لقد جاء الوعد بالاستخلاف في الآية رقم 56 من سورة النور.. وفي الآيات الأربع التي سبقتها والآية التي تلتها.. جاء ذكر الطاعة ومشتقاتها سبع مرات كما يلي: أطعنا، يطع، طاعة، أطيعوا، أطيعوا، تطيعوه، وأطيعوا. ولم تأتِ في الكتاب العزيز بأكمله مشتقات لفظ “الطاعة” سبع مرات في ست آيات متتالية إلا في هذا الموضع، وذلك لأن هذا الموضع يحتوي على آية الاستخلاف التي تنص على ضرورة الإيمان والعمل الصالح لكي يقيم الله سبحانه الخلافة الراشدة. وكأن الله تعالى يريد أن يؤكد أن الأعمال الصالحة هي في تحقيق الطاعة.. الطاعة لله، والطاعة للرسول، ثم بالتالي الطاعة للخليفة الذي يختاره الله تعالى. أما طاعة الله وطاعة الرسول فهي متضنة في صفة (الذين آمنوا منكم)، وعلى هذا تكون الأعمال الصالحة هي طاعة الخليفة الذي يختاره الله تعالى. فبدون هذه الطاعة لن تكون هناك أعمال صالحة، وإن لم تكن هناك أعمال صالحة، لن تكون هناك خلافة يختارها ويستخلفها الله تعالى. فعندما يفقد أحد الشرطين الواجب توافرهما لتحقق الوعد، أو إذا فقدا كلاهما، فلن يقيم الله الخلافة الربانية في الأرض.

لقد رأينا في المرحلة الأولى من الإسلام كيف أدى عدم الطاعة للخليفة إلى حرمان المسلمين من نعمة الخلافة الرانية. لقد كانوا مؤمنين.. يؤمنون بالله ويؤمنون برسوله، ولكنهم فشلوا في عمل الصالحات. لقد فشلوا في أداء الطاعة الواجبة للخلية، وكانت النتيجة أن رفع الله تعالى عنهم نعمة الخلافة بعد مقتل الخليفة الثالث والرابع، وبذلك انتهت نعمة الخلافة على منهاج النبوة، أي الخلافة الربانية الراشدة.

إن اختيار الله عز وجل للخليفة نعمة عظمى، وهي لا تتنزل إلا على الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فإذا لم يقم المؤمنون بواجبات هذه الطاعة.. فلن يكون الله تعالى هو الذي يختار الخليفة، ولن يتجلى الله على المؤمنين بنعمة الخلافة من خلال صفته “الرحيم”، فهي نعمة خاصة.. لا يُنعم بها الله تعالى إلا على المؤمنين الذين يعملون الصالحات.

إن الغرض الأساسي من الدين هو أن يقيم الإنسان علاقة مع الله تعالى، وأن يكون هناك اتصال بين الخالق والمخلوق. وإن لم يحقق الدين هذا الغرض فلا حاجة للإنسان لمثل هذا الدين، وإنه لدين ميت. لا قيمة لدين لا يقيم اتصالا بين الإنسان والله تعالى. والإسلام دين حي، ومن خلال الإسلام وحده يمكن للإنسان أن يقيم هذه العلاقة بينه وبين خالقه.

السؤال الثالث

من هو ذلك الذي يختاره الله ليكون خليفة، وما هي الصفات التي تتوفر فيه؟ إن الإجابة على هذا السؤال تأتي أيضا من القرآن المجيد حيث أمرنا الله تعالى أن ندعو بأن يهب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين وأن يجعلنا للمتقين إماما. فماذا يعني قوله تعالى:

(وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان: 75)

إنه يعني ببساطة: واجعل لنا إماما من بين المتقين، أو: واجعل منا إماما للمتقين. والسؤال الذي ينشأ الآن هو: هل يسمع الله عز وجل هذا الدعاء أم لا يستجيب له؟ بالطبع هو يسمع ويستجيب، ولكن بشرط أن يكون الداعون من المؤمنين وأن يكونوا من الطائعين للخلافة.

حين ينتقل الخليفة إلى جوار ربه، تصيب جماعة المؤمنين صدمة شديدة ويأخذهم خوف عظيم. إن وفاة الوالد في العائلة يصيب أفراد عائلته بحزن كبير، كذلك فإن وفاة الأب الروحي لجماعة المؤمنين يصيبهم بألم وحزن كبيرين، وينتاب الجميع خوف وقلق وتساؤل: هل يستمر الله تعالى في إنزال فضله عليهم باختياره خليفة لهم؟ إن القلق يساورهم، والحزن يعصف بهم، ويسألون أنفسهم: هل كانوا مطيعين للخليفة أم أنهم كانوا من العاصين الفاسقين؟ إنهم جميعا يتجهون إلى الله تعالى، ويدعونه بحرقة وقلب مكلوم ونفس حزينة، ويتوبون إليه من كل معاصيهم وذنوبهم، ويرجونه أن يغفر لهم أخطاءهم وسيئاتهم، ويتوسلون إليه أن يهديهم ويوفقهم، ويدعونه قائلين: يا رب أقم لنا الشخص الذي تريد أنت أن يكون خليفة لنا.

وعلى هذا فإن إقامة الخلافة ليست من فعل الناس. إنها من فعل الله عز وعلا، وليس الناس سوى وسيلة لدى الله تعالى يظهر سبحانه من خلالهم مشيئته. إنهم يدلون بأصواتهم فقط، تماما كما يلقي الفلاح بالحب في التربة، لوكن الزارع الحقيقي هو الله تعالى.. تماما كما يتسبب الوالدان في مجيئ الأولاد إلى الدنيا ولكن الله هو الذي يخلقهم، وتماما كما قام المسلمون الأوائل بقتال المشركين المعتدين، ولكن عذاب الله نزل على هؤلاء المشركين بأيدي المؤمنين.

الغرض من الدين

إن المؤمنين يدعون الله تعالى أن يوفق قادتهم الذين سوف يقومون بانتخاب الخليفة أن يدلوا بأصواتهم لمن يريد الله تعالى أن يجعله خليفة لهم. وهنا ينبغي لنا أن نسأل سؤالا: ما هو الغرض من الدين؟ ليس الغرض من الدين فقط هو أن يكون المرء إنسانا فاضلا وأن يعيش حياة طيبة ويحيى في مجتمع سعيد. إن الغرض الأساسي من الدين هو أن يقيم الإنسان علاقة مع الله تعالى، وأن يكون هناك اتصال بين الخالق والمخلوق. وإن لم يحقق الدين هذا الغرض فلا حاجة للإنسان لمثل هذا الدين، وإنه لدين ميت. لا قيمة لدين لا يقيم اتصالا بين الإنسان والله تعالى. والإسلام دين حي، ومن خلال الإسلام وحده يمكن للإنسان أن يقيم هذه العلاقة بينه وبين خالقه.

ووجود هذه العلاقة يقتضي أنه حين يكون الإنسان في كرب وحزن وقلق.. حين يحيط بالإنسان خطب جلل وتلم به مصيبة خطيرة، حين يكون الإنسان في حاجة إلى هداية الله تعالى فيدعوه ويناديه راجيا أن يسمع دعاءه، فلا بد أن يسمع الله هذا الدعاء ويهب عبده الهداية التي يطلبها، فالمثل يقول: “الصديق عند الضيق”، والقرآن يقول: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) (البقرة: 258). وليس هناك شيء أشد ألما على المؤمنين من وفاة خليفتهم.. وفاة إمام المتقين؟ إن أكثر الناس تقوى وصلاحا قد غاب عن جماعة المؤمنين، وصارت هذه الجماعة كالجسد الذي فقد رأسه. فماذا يفعل المؤمنون؟ إنهم يلقون بأنفسهم على عتبات ربهم، ويتوسلون إليه: ربنا أعنَّا وأغثِنا واهدِ أولئك الذين يُدلون بأصواتهم لكي يختاروا الشخص الذي تريد أنت أن تجعله خليفة لنا.

عند ذلك يتجلى الله بصفته “الرحيم” ويقيم مرة أخرى الخلافة التي وعد بها. إنه يهدي المؤمنين ويخبرهم عن الشخص الذي يريد هو أن يقيمه. وكل ما يفعله هؤلاء هو أنهم يدلون بأصواتهم لهذا الشخص الذي تقتضي المشيئة الإلهية أن تجعله خليفة في الأرض. إنهم يدلون بأصواتهم فقط، ولكن اختيار ذلك الشخص يتم من قبل الله تعالى.

السؤال الرابع

لماذا لا يشترك جميع أفراد الجماعة في عملية الانتخاب؟

إن انتخاب الخليفة ليس أمرا مفتوحا لجميع أفراد الجماعة، ولا يشترك فيه كل شخص وأي شخص، ولا كل من أتم السادسة عشر أو الثامنة عشر من العمر، أو من كان يتمتع بمواطنة هذا البلد أو ذاك. لا! إن نظام انتخاب الخليفة يختلف عن نظام الانتخاب في الديمقراطيات الغربية.

إن جماعة المؤمنين تدعو الله تعالى أن يجعل لهم من المتقين إماما، وأن يجعل منهم للمتقين إماما. وإمام المتقين هو أشد الناس تقوى وأكثرهم صلاحا، وعلى هذا فإن من يدلي بصوته لإمام المتقين هذا لا بد أن يكون هو نفسه من المتقين. إن التماسا يرفع إلى الله تعالى لكي يختار سبحانه لجماعة المؤمنين خير الناس، فمن الواجب أن يرفع خير الناس هذا الالتماس إلى الله تعالى، تماما كما اختار موسى سبعين رجلا من بين خير الناس من قومه لميقات ربه. ولذلك فإن صفوة المتقين وحدهم هم الذين يستحقون شرف أن تتجلى إرادة الله على أيديهم. صفوة المتقين فقط هم الذين يتصل الله تعالى بهم ويخبرهم عمن يريد أن يجعله خليفة لهم. إن هؤلاء الذين يشتركون في انتخاب الخليفة لا بد وأن يكونوا قد بلغوا أعلى مراتب التقوى، وهم بذلك يكونون على صلة بالله تعالى حتى إذا ما دعوه ليتجلى عليهم لمشيئته، فإنه يتجلى عليهم فعلا بمشيئته، ويختار لهم إمام المتقين، ويخبرهم عن هذا الاختيار، ويجعل قلوبهم وأفكارهم تميل نحوه، وكل ما يفعله هؤلاء هو أنهم يدلون بأصواتهم لمن اختاره الله تعالى إماما للمتقين.

الانتخابات الديمقراطية وانتخاب الخليفة

إن عملية انتخاب الخليفة تختلقف تماما عن نظم الانتخاب في الديمقراطيات الغربية التي تقوم فيها الأغلبية من الناس باختيار من يمثلهم. فالأساس الذي تقوم عليه الانتخاب الديمقراطية هي أصوات الأغلبية، وتعتمد هذه الانتخابات على الناس في عملية الاختيار. أما الأساس الذي يقوم عليه انتخاب الخليفة فهو التقوى، ويعتمد هذا الانتخاب على الله تعالى في عملية الاختيار. وبالإضافة.. فإن الانتخاب الديمقراطية تقوم على ترشيح الأفراد أنفسهم لكي ينتخبهم الناس، وهذا يخالف أمر الله تعالى الذي نهى عن أن يزكي الإنسان نفسه، كما يقول: (لَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ). كذلك فإن لب الانتخابات الديمقراطية يعتمد على الدعاية الانتخابية التي يقوم بها كل من يرشح نفسه لها، وهو يعتمد أنه خير من الآخر الذي رشح نفسه أيضا، فهو يقول بلسان حاله وقاله كما قال إبليس من قبل: “أنا خير منه”.

لا تقوى.. لا خلافة ربانية

إن لم تقم عملية الانتخاب على التقوى فإن النظام كله ينهار ولا يقوم، ولا يمكن أن تتجلى إرادة الله تعالى لقوم حادوا عن طريق التقوى. فبدون التقوى لا يشترك الله تعالى في عملية الانتخاب، ويُرَد الأمر كله إلى الناس ليختاروا من يريدونه حسب أغلبية الأصوات. وعلى هذا فليس كل من ينتخبه الناس يكون باضرورة من اختيار الله تعالى. لا يد أن يتم اختيار هذا الشخص حسب النظام الإلهي الذي وضعه الله تعالى حتى يرضى أن يشترك سبحانه مع المؤمنين في عملية الأنتخاب. فإذا وجدت جماعة المؤمنين التي أقامها مبعوث السماء بأمر من الله تعالى، وإذا ارتبطت جماعة المؤمنين هذه برباط التقوى والتزمت بشرطي الإيمان الصحيح والقيام بالأعمال الصالحة، وإذا غابت تماما كل إجراءات التنافس والترشيح لمنصب الخليفة، وإذا لم يقم أي فرد بعمل أية دعاية انتخابية لنفسه أو لغيره، وإذا اشترك أكثر الناس تقوى من بين المؤمنين في عملية الانتخاب، وإذا لم يدل هؤلاء بأصواتهم إلا بعد أن يخروا على عتبات الله تعالى ويسألوه الهداية والتوجيه، وإذا تم بذلك انتخاب أكثر الناس تقوى ليكون إمام المتقين، فحينئذ.. وحينئذ فقط.. يكون هذا الشخص من اختيار الله تعالى.

أما انتخاب رؤساء الدول وقادة العالم فإنه لا يتم بهذا النظام الرباني، وبالتالي فإن مثل هذا الشخص لا يكون منصورا من قبل الله تعالى. نعم قد يكون انتخابه ديمقراطيا، ولكنه ليس ربانيا، لأنه لم يتم حسب النظام الرباني. فمثلا إن هتلر في واقع الأمر جاء إلى السلطة عن طريق الانتخاب الديمقراطي الذي لم يتم حسب النظام الرباني، فلم يكن للتقوى وجود في ذلك الانتخاب، وعندما تغيب التقوى.. يغيب فضل الله أيضا.

السؤال الخامس

من هم أولئك الذين ينتخبون الخليفة؟

الهيئة الانتخابية

إن الأمر كله يعتمد على التقوى. وإن لم توجد التقوى فلا وجود لمشاركة الله تعالى في هذه العملية الانتخابية. وهنا ينشأ سؤال آخر: من هم أولئك الذين يشتركون في انتخاب الخليفة؟ وكيف نكون على يقين أنهم قد بلغوا ذلك المقام العالي من التقوى؟ من أجل هذا هناك لجنة معينة تسمى “الهيئة الانتخابية” وهي التي تنال شرف الاشتراك في عملية انتخاب الخليفة. ليس لها عدد معين، ولكن الشرط الوحيد الذي يجب أن يتوفر في أعضائها هو أن يكونوا على مقام عظيم من تقوى الله.

حينما انتقل الرسول إلى الرفيق الأعلى اجتمع زعماء المسلمين من المهاجرين والأنصار الذين كانوا على قمة التقوى.. واختاروا أبا تكر ليكون الخليفة الأول. وقبيل وفاته، راح أبو بكر يسأل ويستشير كل من يعرف فيه الصلاح والتقوى، وكأنه قد قام باستفتاء بين أولي التقوى من المهاجرين والأنصار، حتى اطمأن أن جميع هؤلاء المؤمنين المتقين يرتضون عمر بن الخطاب ليكون من بعده إماما للمتقين، وبعد أن استخار الله تعالى أوصى لعمر بالخلافة من بعده. وعند وفاته.. أمر الخليفة الثاني عمر بن الخطاب بتكوين الهيئة الانتخابية التي تتولى التصويت لإمام المتقين، وكانت تتكون من ست أفراد من صحابة الرسول كانوا من بين العشرة المبشرين بالجنة، وتوفي رسول الله وهو راض عنهم.

وفي زمن إحياء الإسلام.. بعد بعثة الإمام المهدي ع.. أمر الخليفة الثاني أيضا سيدنا المصلح الموعود رضي بتكوين الهيئة الانتخابية التي تتولى الاشتراك في عملية انتخاب الخليفة. وتتكون هذه اللجنة مما يلي:

  • صحابة المسيح الموعود وأفراد أسرته
  • النظار والوكلاء الذين يتولون أعلى المناصب القيادية خدمة لأمور جماعة المؤمنين.
  • أولئك الذين أوقفوا حياتهم لخدمة الإسلام، وقضوا على الأقل ثلاثين عاما في خدمة الإسلام.
  • أمير الجماعة في كل قطر من أقطار العالم يوجد به مركز من مراكز الجماعة.
  • بعض أهل الصلاح والورع من أهل العلم والرأي الذين يختارهم الخليفة. وفي زمن الخلافة الرابعة كان جميع صحابة المسيح الموعود قد انتقلوا إلى رحمة الله تعالى، بينما ازداد عدد أفراد أسرة المسيح الموعود من الله تعالى، وكذلك فقد انتشرت مراكز الجماعة في أكثر من 170 دولة من دول المسكونة. ولذلك فقد أدخل الخليفة الرابع رحمه الله تعالى بعض التعديلات على تكوين الهيئة الانتخابية. واقتصر اشتراك أفراد أسرة المسح الموعود على هؤلاء الذين نذروا حياتهم لخدمة الدين، ويشغلون مناصب قيادية في مؤسسي صدر أنجمن والتحريك الجديد.

ويتم إصدار شهادات خاصة ترسل إلى أعضاء الهيئة الانتخابية تخبرهم بشرف تعيينهم في هذه الهيئة التي لا تقوم بأي عمل عام إلا بعد انتقال الخليفة إلى الرفيق الأعلى. فيجتمع أعضاؤها سويا، ولا بد أن يجتمعوا في مركز الخلافة حيث جثمان الخليفة الراحل. ولا يجوز لأحد أن يرسل صوته عن طريق الهاتف أو الفاكس أو الانترنت، بل لا بد له من الاجتماع مع بقية أعضاء الهيئة الانتخابية، فيكون بذلك في صحبة المتقين. وهناك سوف يعاين بنفسه تأثير فاجعة وفاة الخليفة، وسوف يعاني من الألم والحزن ما يساعده على التقرب من الله تعالى. هناك سوف يدعو ويدعو ويدعو: يا رب.. ادني يا رب.. لأنتخب الشخص الذي تريد أنت أن تجعله إماما للمتقين.

وبطبيعة الحال.. لا يمكن القطع بأن جميع من يشترك في هذه الهيئة الانتخابية لا بد وأن يكون بالضرورة قد وصل إلى المراتب العليا من التقوى. ومن جانب آخر.. ليس هناك إلزاما على الله تعالى أن يتصل بكل فرد من أفراد الهيئة الانتخابية، ولكنه حتما يتصل بالأغلبية منهم. وقد لا يكون كل فرد في هذه الهيئة الانتخابية قد نجح بالضرورة في إنشاء علاقة خاصة بالله تعالى، ولكن لا بد أن تكون الأغلبية العظمى، وليس 51 في المائة من الأصوات، قد حققت المستوى المطلوب من التقوى، ونجحوا في نوال فضل الله عليهم بأن أقام معهم علاقة خاصة. وإن لم يتوفر هذا في الأغلبية المطلقة، فلا يمكن أن تكون هذه الجماعة هي جماعة المؤمنين التي يتوفر فيها شرطا الإيمان والعمل الصالح. وبالتالي فإن غياب التقوى يترتب عليه أن تغيب مشاركة الله تعالى في عملية الانتخاب.

من الذي يختار؟

إن هؤلاء المتقين الذين يشتركون في الهيئة الانتخابية يسألون الله تعالى عمن يريد أن يختاره، والأغلبية العظمى منهم يتلقون منه سبحانه ما يشرح صدورهم ويوجههم للتصويب لمن اختاره عز وجل لمنصب الخلافة، وكل ما يفعلونه هو أنهم يدلون بأصواتهم من أجله. فمن الذي قام بالاختيار؟ في الحقيقة إنه الله تعالى.

ولنأخذ هنا مثالا.. لنفترض أن لديك صحنا يحتوي على ثمرات من الفاكهة.. فهو يحتوي على برتقالة، وتفاحة، وثمرة من الموز، وأخرى من الكمثرى. وطلب منك أحد أن تختار إحدى ثمار الفاكهة من الصحن لتقدمها لأبيك. وكان من الممكن أن تقدم لأبيك ما تختاره أنت من ثمار الفاكهة، ولكنك بدلا من ذلك ذهبت إلى أبيك وسألته أيا من ثمار الفاكهة يريد. فأشار الأب إلى ثمرة التفاح، فتناولت أنت التفاحة بيدك وقدمتها له. فمن الذي قام بالاختيار هنا؟ هل هو اختيارك أنت الذي قدمت الفاكهة، أم هو اختيار أبيك الذي أطلعك على اختياره؟

إن هذا هو ما يحدث تماما في عملية نتخاب إمام المتقين.. ولكن هذا لا يحدث في نتخاب قادة الدول ورؤساء الجمهوريات، ولا في انتخاب أي شخص في أي تنظيم سياسي أو اجتماعي أو ديني غير جماعة المؤمنين، إنما يحدث فقط عند انتخاب الخليفة، فهو الانتخاب الوحيد الذي يقوم على القوى، وتتوقف هذه التقوى على مدى عمق العلاقة بين الإنسان وخالقه. وعلى ذلك.. فإنه سبحانه هو الذي يقوم بالاختيار، وهو الذي يقرر اختيار الخليفة.

شرف عظيم.. وتحذير كبير

لعله من الجدير الإشارة هنا إلى أن الله تعالى قد أضفى على المؤمنين شرفا عظيما بأن جعلهم يشتركون معه في عملية اختيار الخليفة. أما في حالة اختيار النبي.. فلم يكن للمؤمنين وجود، ولذلك فإنه سبحانه يختار النبي بنفسه.. مباشرة.. دون أن يشترك معه أحد. ولكن بعد أن يؤدي النبي مهمته، ويقوم بإنشاء جماعة المؤمنين، فإن الله تعالى يضفي عليهم هذا الشرف العظيم بأن يدعوهم للاشتراك في عملية اختيار الخليفة. ورغم أن الخيار النهائي هو له سبحانه، وإلا أنهم يتباركون بالاشتراك في هذه العملية. وقد كان من الممكن أن يختار الله الخليفة مباشرة دون اشتراك أحد، وكان من الممكن إهمال وجود جماعة المؤمنين كلية، ولكنها محبة الله لهذه الجماعة التي تأبى إلا أن ينعم الله عليهم بهذا الشرف ونوال هذه البركة. فمن خلال شفاههم.. وعن طريق رفع أيديهم.. تتجلى إراداته الكريمة، وتتنزل إرادته العلية، ويتم اختيار الله لإمام المتقين، الذي يستمر في قيادة جماعة المؤمنين على درب التقوى والإيمان واليقين.

إن هذا الشرف العظيم يتضمن أيضا تحذيرا كبيرا، أنه إذا تدنى مستوى التقوى في جماعة المؤمنين.. أو إذا لم تقم جماعة المؤمنين بواجب الطاعة التامة الكاملة للخليفة، فقد يرفع الله هذا الشرف عن المؤمنين، ولا يجدون الله معهم ليتخذ لهم القرار الحكيم، ويتجلى عليهم بالاختيار الصائب لشخص الخليفة.

السؤال السادس

هل الخليفة معصوم من الخطأ، وأي نوع من الأخطاء يمكن أن تقع من الخليفة؟

الجانب الآخر الهام في موضوع الخلافة هو نوع الأخطاء التي يمكن أن تحدث من الخليفة، وما إذا كان الخليفة معصوما من الخطأ كما هو الحال بالنسبة للأنبياء.

ومن الممكن تقسيم الأخطاء إلى ثلاثة أنواع من الأخطاء: أخطاء تتعلق بشؤون الدنيا، وأخطاء تتعلق بمصالح جماعة المؤمنين وأمنها، وأخطاء تتعلق بتنفيذ شريعة الله تعالى.

الأخطاء التي تتعلق بشؤون الدنيا

ما دام الله تعالى يختار كلا من النبي والخليفة.. فإن كلا منهما يمكن أن تقع منه نفس أنواع الأخطاء التي تقع من الآخر. فما هي الأخطاء التي يمكن أن تقع من النبي؟ إن الله تعالى يختار النبي لهداية الناس.. لا ليكون خبيرا في الشؤون الدنيوية، فلا بأس أن تقع من النبي بعض الأخطاء التي تتعلق بشؤون الدنيا، ولا يعيب النبي أن يخطئ في أمر من أمور الدنيا كما يخطئ غيره من البشر، فليس من المفروض على النبي أن يكون بكل شيء عليما. وهناك بعض الروايات التي تنسب إلى النبي أنه أخطأ في أمر من أمور الزراعة، وهو كيفية تخصيب النخل. ولا يحط ذلك من قدر النبي ولا ينال من شأنه، فشؤون الدنيا لا يتلقاها النبي وحيا من الله تعالى. ومن المعروف عن النبي أنه قال: “أنتم أعلم بأمور دنياكم”

ليس ضروريا للنبي أن يكون خبيرا في شؤون الدنيا، وكذلك لا يفترض في الخليفة أن يكون عالما ومهندسا وطبيبا ومخترعا وخبيرا في شؤون الحاسوب، فليست هذه مسؤولياته. وكما يمكن أن يقع خطأ من النبي في شؤون الدنيا، كذلك يمكن أن يقع خطأ من الخليفة في أمر من الأمور الدنيوية. ولا فرق بتاتا بين النبي والخليفة في هذا النوع من الأخطاء.

أخطاء تتعلق بجماعة المؤمنين

النوع الثاني من الأخطاء هو الأخطاء التي تتعلق بأمور جماعة المؤمنين. وقد حدث مرة أن سيدنا رسول الله كان يقود جيش المؤمنين في أول غزوة له وهي غزوة بدر. وحيث إن الرسول كان يعتبر القائد الأعلى للجيش.. باستخدام التعبيرات العسكرية الحديثة.. فكان عليه أن يتخذ القرارات الصائبة التي تضمن سلامة وأمن جماعة المؤمنين التي تتهيأ للقتال في معركة إذا انهزمت فيها فلن يعبد الله في الأرض من بعدها أبدا. وحدث أن اختار القائد الأعلى للجيش مكانا لكي يعسكر فيه الجنود، ولكن ذلك الاختيار لم يكن صائبا. فلم يكن من مصلحة الجيش أن يعسكر في هذا المكان الذي يبعد عن الماء. واقترح أحد الأتباع من الجنود أن يعسكر الجيش في مكان آخر يجاور الماء، وأدرك القائد الأعلى صواب رأي الجندي، فانتقل الجيش وعسكري في المكان الذي اقترحه ذلك الجندي.

ولا ننسى هنا أن ذلك القائد الأعلى كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد اختاره الله تعالى مباشرة دون تدخل أحد من البشر في عملية اختياره. وكان هو قائد الجيش الأعلى المسؤول عن اتخاذ كافة القرارات التي تكفل سلامة الجيش وكسب المعركة. ولكنه أخطأ خطأ تكتيكيا.. غير أن أحد صحابته اقترح تصحيح الخطأ فتم التصحيح على الفور. وهكذا نرى أنه من الممكن أن يخطئ النبي أو الخليفة في أمر من الأمور التي تتعلق بجماعة المؤمنين، ولكن هذا الخطأ لا بد أن يتم تصحيحه على الفور. وإن لم يتنبه أحد إلى الخطأ، فإن الله تعالى الذي اختار ذلك النبي أو ذلك الخليفة.. يتولى توجيه الأمور بحيث يجعل كل ما ينتج عن هذا الخطأ من سوء أو معاناة لجماعة المؤمنين.. يتحول إلى خير وبركة لهذه الجماعة، فتكون المحصلة النهائية لهذا الخطأ هي تحقيق مصلحة عظمى لجماعة المؤمنين.

وليست هذه مجرد كلمات نابعة من عاطفة المحبة والاحترام لمقام النبوة والخلافة، ولكنها الحقيقة التي ظهرت وتجلت بكل وضوح خلال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم. فقد حدث أن رأى في رؤيا أنه يدخل المسجد الحرام ويطوف بالكعبة مع صحابته، فظن أنه عليه أن يذهب توا لتحقيق الرؤيا. فخرج في صحبة 1500 من المسلمين وبدأوا الرحلة الطويلة المضنية من المدينة إلى مكة المكرمة. غير أن قريش رفضت السماح لهم بدخول مكة، ناقضة بذلك كافة الأعراف والتقاليد العربية التي تكفل حق طواف الكعبة حتى للأعداء إذا جاءوا مسالمين بغير سلاح. بل إن أهل مكة لبسوا جلود النمور علامة على تصميمهم الشرس على الدخول في حرب مع المسلمين لردهم عن مكة. وقد أرسل الرسول عثمان بن عفان ليحاول إقناع أهل مكة بالسماح للمسلمين بطواف الكعبة في سلام، ولكنهم ظلوا على تصميمهم وعنادهم، وأشاعوا أن عثمان قد قُتل ليلقوا الرعب في قلوب المسلمين. ولما سمع الرسول بخبر مقتل عثمان طلب من المسلمين أن يبايعوه على دخول مكة أو الموت، فبايعوه وهم على يقين من تحقق وعد الله لرسوله في الرؤيا بدخول المسجد الحرام. وتطورت الأمور بسرعة منذرة بوقوع حرب ضروس بين المسلمين وأهل مكة، وكان من الممكن أن يقتل المئات من الجانبين بسبب الخطأ في تفسير الرؤيا، ولم يتنبه أحد لوقوع ذلك الخطأ. وقد أدرك الرسول ذلك حين عاد عثمان حيا لم يصب بأذى وعرض عليه أهل مكة الصلح على أن يمتنع من دخول المسجد الحرام في ذلك العام. واعترض المسلمون على العودة فراحون يجادلون الرسول محتجين بأن الله وعدهم بدخول المسجد الحرام محلقين رؤوسهم ومقصرين. فأقر الرسول بوعد الله كما جاء في الرؤيا، ولكنه أشار إلى أن الله تعالى لم يحدد موعدا لتحقق الرؤيا في ذلك العام أو في العام التالي. إذن فقد أخطأ الرسول في تفسير الرؤيا، وترتب على ذلك الخطأ خروج المسلمين في ذلك العام وتكبد المشاق وتحمل عناء السفر ثم العودة دون دخول المسجد الحرام. ولأن أحدا لم يتنبه لوقوع هذا الخطأ، فإن الله تعالى أجرى دفة الأمور بحيث تحولت المحصلة النهائية لهذا الخطأ لمصلحة جماعة المؤمنين. وهكذا وقّع رسول الله صلح الحديبية الذي أثبتت الأيام أنه كان خيرا عظيما لمصلحة الإسلام والمسلمين.

لعلنا من هذا الدرس العظيم نتعلم أهمية الطاعة التامة والكاملة. لقد كان المسلمون على شفا حفرة من النار بسبب ترددهم في تنفيذ أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ، حتى دخل الرسول على زوجته أم سلمة وقال لها: “هلك القوم”. ولكن الله تعالى أنقذ المؤمنين من الهلاك حيث أجرى على لسان أم سلمة نصيحة للرسول أن يذبح قربانه ويتحلل من إحرامه، فما فعل.. فإذا بالمؤمنين يتسابقون في طاعته ويتحللون من إحرامهم ينحرون ذبائحهم. لقد كانت لحيظة من عدم الطاعة كان من الممكن أن تؤدي إلى عواقب وخيمة، ولكن الله تعالى بفضله غيّر اتجاه سير الأمور لتصب في النهاية لما فيه مصلحة جماعة المؤمنين.

أخطاء تتعلق بأمور الشريعة

أما النوع الثالث من الأخطاء فهو الأخطاء التي ترتكب مخالفة لأوامر الشريعة. ونحن نعلم جميعا أن الصلاة المفروضة هي خمس صلوات: الصبح ركعتان، والظهر أربع ركعات.. وهكذا. هذا ما أمر به سيدنا رسول الله حسب أوامر الشريعة التي أنزلها الله تعالى عليه. ولكن حدث مرة أن الرسول كان يصلي بالمؤمنين صلاة الظهر، فسلم بعد أن أدى ركعتين فقط، مما حدا بالمؤمنين أن يسألوه: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ ولما أدرك الرسول أنه أخطأ في أداء الصلاة قام وأكمل الركعتين ومعه المسلمون.

إذن مثل هذا الخطأ في حق الشريعة يمكن أن يحدث من النبي أو من الخليفة، ولكنه لا يحدث أبدا إلا نتيجة للسهو أو النسيان. إن البشر معرض للنسيان، والنبي والخليفة هما من البشر، ولكن مثل هذه الأخطاء لا بد أن يتم تصحيحها على الفور، تماما كما يتم على التو تصحيح الأخطاء التي تقع في قراءة القرآن من الإمام في الصلاة. ولا يمكن أن يقع من النبي أو من الخليفة خطأ يتعلق بأمور الشريعة بسوء نية أو عن قصد.

إننا كثيرا ما نسمع أن النبي يكون معصوما من ارتكاب الذنوب والمعاصي، غير أن هذه العصمة ليست شيئا خارجيا يفرض على النبي رغما عنه. وإنما العصمة تنبع منه وتنطلق من ذاته، وهي النتيجة الطبيعية لطاعته لله تعالى. إنه يدرك وجود الله تعالى في كل لحظة من لحظات حياته، وهذا الإدراك المتواصل لوجود الله عز وجل هو الذي يحفظه من اقتراف الذنوب أو المعاصي، وهو ما نسميه العصمة الإلهية. فكيف يمكن للنبي أن يتعمد معصية أوامر الله تعالى؟ إن هذا أمر مستحيل الوقوع. كذلك فإن الخليفة هو الشخص الذي اختاره الله تعالى لكي يقوم على أمور جماعة المؤمنين، وهو الشخص الذي رأى الله تعالى أنه يصلح لأن يكون إماما للمتقين، فهو أكثر أهل الأرض تقوى وصلاحا، وعلى كتفيه تقع مسؤولية الحفاظ على جماعة المؤمنين وقيادتها نحو آفاق أعلى وأرفع من مقامات التقوى والصلاح. فكيف يمكن لهذا الرجل أن يتعمد معصية الله تعالى وارتكاب مخالفة لأمر الله عن سوء قصد؟ إن هذا أمر مستحيل. فعندما يختار الله تعالى رجلا من أجل تحقيق الحماية الروحية لجماعة المؤمنين، فمن المستحيل أن يتخلى الله عن هذا الرجل ويحرمه من عصمته. ولنتذكر أن الله تعالى وعد بحفظ المؤمنين الصادقين من أثر الشيطان اللعين، فقال: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) (الحجر: 43)، فإن لم يكن للشيطان من سلطان على العباد المتقين، فكيف يكون للشيطان سلطان على إمام المتقين؟ كلا ثم كلا.. إن هذا الأمر مستحيل الوقوع. وفي هذا الشأن.. ليس هناك من فرق بتاتا بين النبي والخليفة، فكل ما يمكن أن يقع من أخطاء من النبي يمكن أيضا أن يقع من الخليفة، ولا فرق في ذلك بينهم البتة.

وحين ندرك ونفهم هذا الأمر تماما.. نستطيع أن ندرك أهمية مقام الخلافة وعظمته وقدره ومكانته، فهو ليس سوى امتداد لبركات النبوة. فما أعظم حظ المسلمين الأحمديين أن من الله عليهم بهذه النعمة العظمى. إن الفرحة التي يشعرون بها، والبهجة التي تغمرهم، ولانشراح الذي يملأ صدورهم، الرضا والاطمئنان الذي يفيض في وجدانهم حين يتم اختيار الخليفة لا تعادله فرحة، ولا تساويه بهجة، وسوف يستمر هذا الفضل إن شاء الله تعالى إلى يوم القيامة.

سؤال أخير

هناك سؤال أخير قد يتبادر إلى أذهان بعض منا. إذا كان الخليفة معصوما من ارتكاب الذنوب والمعاصي ومن مخالفة شريعة الله، فلماذا تنص بعض العهود على طاعة النبي أو الخليفة في كل ما يأمر به من معروف؟ وهل يعني هذا أن الخليفة يمكن أن يأمر بما هو مخالف للمعروف.. أي ما هو مخالف لشرع الله تعالى؟ وهل في هذه الحالة يكون لكل فرد الحق في أن يقرر ما إذا كان الأمر الصادر من الخليفة معروفا أو غير معروف ليطيعه أو لا يطيعه؟ إن التعبير “يطيعني في كل ما آمره به من معروف” قد استعمله سيدنا رسول الله في البيعة الأولى التي اشترك فيها سبعون رجلا وامرأتان من أهل المدينة. والقرآن المجيد يذكر الطاعة في المعروف في سياق آية الاستخلاف، حيث يقول:

(قُل لَّا تُقْسِمُوا ۖ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ) أي أن المطلوب هو الطاعة فيما هو معروف. وكذلك في قوله تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ…) (الممتحنة: 13)

فما معنى قوله: (وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ)؟ من المستحيل أن يكون معنى هذا هو أن لا يعصينك إذا أمرتهن بمعروف، أما إذا أمرتهن بغير المعروف فليس لك حق الطاعة عليهن، ويكون من حقهن عام طاعتك.

إن طاعة الله تعالى فيما هو معروف، وطاعة الرسول فيما هو معروف، وطاعة الخليفة فيما هو معروف.. لا يعني أبدا أن الله تعالى أو أن الرسول أو أن الخليفة يمكن أن يأمر إلا بما هو معروف. فإذا صدر من الله أمر، أو صدر أمر من الرسول أو من الخليفة، فإننا نكون على يقين بأن ذلك الأمر هو حتما من المعروف. وحينما نطيع الأمر الذي يصدر من الله أو من الرسول أو من الخليفة فإننا نكون على يقين بأننا نطيع فيما هو معروف، فلن يصدر من الله أو من النبي أو من الخليفة إلا ما هو معروف. وعلى هذا فالمؤمن يكون مطمئنا إلى أنه حين يطيع أمر الله أو تعليم الرسول أو توجيه الخليفة فإن طاعته هذه هي في المعروف.

هذا الأمر يضيف عظمة أخرى إلى عظمة مقام الخلافة، فما أعظمها من نعمة أن كل أمر يصدر من الخليفة هو أمر بالمعروف. لذلك فقد أطلق المسيح الموعود على نعمة الخلافة اسم “القدرة الثانية”. إن القدرة الأولى هي اختيار النبي، والقدرة الثاني هي اختيار الخليفة، هذه خلافة ربانية بطريق مباشر وتلك خلافة ربانية بطريق غير مباشر، وليس بينهما من فرق بتاتا سوى أن إحدى القدرتين تتجلى بواسطة من يختاره الله تعالى من خلال صفته “الرحمن”، والثانية تتجلى بواسطة من يختاره الله تعالى من خلال صفته “الرحيم”.

إن الكثيرين منا زاروا مناطق تنبت فيها الأشجار، ولعلهم شاهدوا أشجارا تنبت في أماكن لا يمكن أن يصل إليها إنسان ليزرع هذه الأشجار، حيث تنبت الأشجار في منزلقات الجبال أو بين الصخور أو على جزيرة صغيرة تحيط بها المياه من كل جانب، ولا يستطيع الإنسان أن يقف عليها، فمن الذي زرع هذه الأشجار؟ إنه الله تعالى. وهناك أشجار أخرى غرسها الإنسان بيديه، وهي تماثل الأشجار التي زرعها الله تعالى، وليس هناك من فرق بين الأشجار التي يزرعها الله تعالى مباشرة والأشجار التي يزرعها الله تعالى عن طريق الإنسان. وهكذا أيضا.. ليس هناك من فرق بين اختيار النبي واختيار الخليفة.. سوى أن أحدهما يتم مباشرة، والآخر يتم عن طريق صفوة من الناس. إن الفرق بين النبي والخليفة هو فرق في نوع المهمة التي يقوم بها كل منهما. فالنبي يأتي ليضع الأساس الذي تقوم عليه جماعة المؤمنين، والخليفة يأتي لكي يبني ويعلي البناء على نفس الأساس الذي وضعه النبي. فالعملية كلها كأنها عملية إقامة بناء ضخم.. يرسي النبي أساسه، ثم يأتي الخليفة الثاني فيبني الطابق الثاني، وهكذا حتى يعلو البناء، ويصبر بناء شامخا.. كالشجرة المباركة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.

رجل عظيم

حدث مرة أن سئل السيد محمد ظفر الله خان سؤالا.. وهو الصحابي الجليل للمسيح الموعود، وابن الأحمدية البار الذي وصل إلى أعلى المناصب في تاريخه الطويل وعمره المديد، فقد كان من أنجح رجالات الجماعة في حياته الوظيفية، حيث تقلد منصب الوزير وهو في الثلاثينيات من عمره، كما أنه صار أول وزير للخارجية في دولة باكستان بعد تأسيسها، وكا رئيس الدورة السابعة عشر للأمم المتحدة، واختير قاضيا في محكمة العدل الدولية ثم رئيسا لقضاتها. المهم.. كان تاريخه باختصار حافلا بنجاح يتلوه نجاح. وكان السؤال هو: “لقد كتب الله لك النجاح طوال حياتك، فما هو سبب هذا النجاح”؟  وبدون أي تردد، ودون أي تأنٍ ليفكر في الرد، قال على الفور: “لأني طوال حياتي كنت مطيعا لمقام الخلافة”.

ما أعظمها من إجابة، وما أعظمه من رجل! إن الخلافة الربانية هي بحق حبل الله الذي إذا اعتصم به جميع أفراد جماعة المؤمنين بغير أن يتفرقوا فإن الله تعالى سيكون حاميهم وحافظهم وناصرهم والمدافع عنهم دوما وأبدا. إن نجاتهم هي في التمسك بحبل الله هذا، وتقدمهم وازدهارهم إنما هو في التمسك بهذا الحبل الذي يمده الله لهم، ومن خلال تمسكهم بهذا الحبل فإن اله سيستمر في الإنعام عليهم بجميع نعمه وبركاته، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا.

عسى أن يوفقنا الله تعالى لأن ننتفع من بركات الخلافة، وعساه سبحانه أن يمكننا من فهم مقام وعظمة وقدر نعمة الخلافة. كما ندعوه عز وجل أن يمكننا من التمسك جميعا بحبل الله هذا.. حبل الخلافة، وأن يديم علينا بفضله استمرار نزول بركات الخلافة.. باستمرار طاعتنا وإخلاصنا لله ولرسوله وللخليفة الذي يختاره الله تعالى. آمين ثم آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

Share via
تابعونا على الفايس بوك