التوحيد في مواجهة دعوى بنوة المسيح
  • فكيف يتعارض ادعاء اتخاذ الولد مع صفة الله “الرحمن” وجوهر الفطرة الإنسانية؟
  • ما الدلالة الروحانية والكونية لتعبيرات “تفطُّر السماوات والأرض والجبال” في سياق الاعتراض على دعوى بنوة المسيح؟
  • كيف يقدم الإسلام بديلًا منطقيًّا مقبولا لعقيدتي البنوة والكفارة من خلال مفهوم الترقي الروحاني؟

___

وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدً (مريم 89)

 التفسير:

يبين الله تعالى هنا أن هؤلاء يزعمون أن المسيح سيشفع لهم. وأنَّى للمسيح أن يشفع لهم! لقد كان عبدًا موحِّدًا لنا، ولكنهم يتخذونه شريكًا لنا؛ وحيث إنه لا مشابهة بينهم وبين المسيح الموحد، فكيف يمكن أن يتمتعوا بشفاعته. إنما تكون الشفاعة للمثيل المشابه، ولكنهم ليسوا مماثلين للمسيح. إنهم يخالفون تمامًا تعليم المسيح حيث قالوا اتخذ الرحمن ولدًا، مع أن اتخاذ الولد يتعارض مع صفة الله الرحمن.

علمًا أن هذا لا يعني أبدًا أن المسيحيين كانوا يؤمنون بأن الله رحمن. كلا، إنما هذا أحد أساليب الاستدلال حيث تُربط النتيجة بالأمر الواقع الثابت سواء صدّقها الخصم أم لا. وهذا ما فعل الله تعالى هنا. فبرغم أنهم منكرون لرحمانية الله تعالى، إلا أن الحقيقة أن الله تعالى رحمن، ويستحيل أن يحتاج رحمن إلى ولد، فثبت أن دعوى المسيحيين غلط يقينًا. فأملهم في شفاعة المسيح، رغم هذا الادعاء الباطل، لخطأ فادح.

لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (مريم 90)

شرح الكلمات:

إدًّا: ورد في المفردات «قال تعالى لقد جئتم شيئًا إدًّا.. أي أمرًا منكرًا يقع فيه جلَبةٌ».

اعلم أن المنكرات أنواع، فمن المنكر ما يضحك منه الناس، ومن المنكر ما يغض الناس عنه الطرف، ومن المنكر ما يعبسون منه، ومن المنكر ما يثيرون عليه ضجة وجلبة. وقد بين الله تعالى باستخدام لفظ إدًّا أن هذا منكر لا تقبله الفطرة الإنسانية، ويثير الناس بسببه جلبة وضجة.

 

وإن ما تحاول المسيحية إثباته باللجوء إلى الكفارة والبُنوّة، يؤكد الإسلام أنه ممكن للإنسان بإحرازه الترقيات العالية. وهذا يعني أن كلمات «السماوات والأرض والجبال» إنما تشير هنا إلى الكائنات الروحانية المماثلة لها. فكلما أنكر البعض إحراز الإنسان الترقيات الروحانية العالية، وكلما غضّوا الطرف عن صفات الرحمة والعفو والإحسان التي يتصف بها الله تعالى

التفسير:

لقد صور الله تعالى هنا الشرك بأقبح صورة، مبينًا أن الشرك أمر منكر شنيع مناف للفطرة السليمة، بحيث لا يتمالك الإنسان الشريف من أن يبدي استنكاره الشديد نحوه، ولا يتحمله في أي حال، بل يثير ضده احتجاجًا عنيفًا.

وهذه حقيقة ثابتة. ولذلك تجد المسيحيين الآن يفسرون الثالوث بطريق آخر فرارًا من المطاعن والاعتراضات التي أثارها الإسلام.

ولكن الغريب المؤسف أن الله تعالى يقول هنا إن على كل إنسان أن يرفع الصوت ضد هذه الفتنة الوثنية، ولكن الذين يحاربون هذه الفتنة اليوم بأعلى أصواتهم، جاهدين لتوطيد التوحيد في العالم ليلَ نهارَ، قد أصبحوا عند المسلمين أنفسهم كافرين ملحدين وخارجين عن دائرة الإسلام! إنهم يقابلون المسيحيين الذين يشركون المسيح بالله تعالى بكل حفاوة ومحبة، أما الذين يدعون المسيحيين إلى الإسلام لينتشر التوحيد الإلهي في العالم فيعتبرونهم كافرين!

تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (مريم 91-92)

  شرح الكلمات:

يتفطرن: تفطَّرَ الشيءُ: انشقَّ. وتفطّرَ القضيب: بدأَ نباتُ ورقه. وتفطرت الأرض بالنبات: تصدَّعتْ (الأقرب).

فالفرق بين الفطر والتفطر أن الفطر هو إنشاء الشيء أول مرة. والتفطر هو انشقاق الشيء من شيء آخر.

هَدًّا: الهدّةُ صوتُ وقعِ الحائط (الأقرب).

التفسير:

لقد بين الله تعالى هنا أنه قد حدثت ثورة ضد الشرك في السماوات بحيث تكاد تنشق من شدتها، كما يوشك أن ينشق صدر الأرض أيضًا بتأثير الهياج الحاصل بباطنها بسبب الشرك، وتكاد الجبال تسقط على الأرض من شدة الصدمة مع ضجة هائلة في العالم. بمعنى أن هذه الدعوى ثقيلة الوطأة على السماوات والأرض والجبال كلها. إنها ثقيلة على السماوات بمعنى أنها خلاف المشيئة السماوية.. أي أنها بعيدة كل البعد عن صفات الله تعالى وعن تصور الملائكة. وهي ثقيلة على الأرض بمعنى أنها تتنافى مع الفطرة السليمة. وهي ثقيلة على الجبال بمعنى أنها تتعارض مع عواطف الرقي التي هي أعظم ما في فطرة الإنسان. ذلك لأن عقيدة بُنوّة المسيح تستلزم الإيمان بالفداء والكفارة، والكفارة خلاف للترقيات الإنسانية السامية، ودليل على تردِّي الإنسان وضَعَتِه. وإن ما تحاول المسيحية إثباته باللجوء إلى الكفارة والبُنوّة، يؤكد الإسلام أنه ممكن للإنسان بإحرازه الترقيات العالية. وهذا يعني أن كلمات «السماوات والأرض والجبال» إنما تشير هنا إلى الكائنات الروحانية المماثلة لها. فكلما أنكر البعض إحراز الإنسان الترقيات الروحانية العالية، وكلما غضّوا الطرف عن صفات الرحمة والعفو والإحسان التي يتصف بها الله تعالى، تفطرت السماء حتمًا، إذ لا يرضى الله ولا ملائكته بهذا الإنكار؛ كما أن الأرض أيضًا ستنشق لأن الناس أيضًا لن يرضوا بهذا الزعم، ثم إن الجبال أيضًا ستنفجر وتتهدم لأن الطراز الأول من الناس أي أنبياء الله تعالى أيضًا لا يرضون بمثل هذا الظن.

إن الإنسان العادي سوف يستنكر هذا التعليم لأنه يرى أن هذا التعليم يسد في وجهه باب الرقي بكل أنواعه. أما الإنسان من الطراز الأول فسوف يستنكره لأنه يقول إنني قد جربت هذا الأمر بنفسي وقد أحرزت هذا الرقي فعلاً، فكيف يزعم هؤلاء الآن أن إحراز مثل هذا الرقي الروحاني مستحيل؟ فما هذا الهراء الذي أسمعه؟ وأما الله مع ملائكته فسيسخط على هذه المزاعم لأنه تعالى سيقول لقد وهبنا هذه النعم فعلاً، فكيف ينكرون بعد ذلك قدرتنا على ذلك؛ زاعمين أن الله تعالى لا يمكن أن يغفر لأحد، ولا أن يتوب على أحد، حتى ينعم عليه بقربه وزلفاه. إذًا فالسماء والأرض والجبال كلهن يَقِفْنَ احتجاجًا على هذا الزعم البغيض، بمعنى أن أهل السماء يكرهونه وكادوا يتفطرون بسببه؛ كما أن الفطرة الإنسانية أيضًا تصرخ احتجاجًا عليه؛ وتخرّ الجبال هدًّا.. أي أن أصحاب الروحانية العالية أيضًا يضيقون ذرعًا ويقولون ما هذا الظلم والافتراء، فإننا نتمتع بهذه النعم وهؤلاء ينكرونها!

إنني كلما أحاور منكري الوحي والإلهام أقول لهم دائمًا: ماذا أفعل بأدلتكم في حين أن الله تعالى نفسه يكلّمني. لو أن الله تعالى لم ينـزل علي إلهاماته فلربما ظننت أن في أدلتكم بعض الثقل والقوة، ولكن كيف يمكن أن تؤثر فيّ حججكم القائلة بعدم نـزول الوحي والإلهام وأنا أتلقى الإلهام من الله تعالى فعلاً؟ فالشيء الذي قد رأيته وجرّبته بنفسي وأنا من خدام محمد رسول الله ، كيف يمكنني أن أقول عنه إن المصطفى أو المسيح الموعود لم يره ولم يجربه. عندما أسمع الطبيعيين يقولون أن القرآن ليس إلا عبارة عن أفكار عالية لمحمد (تفسير القرآن للسير سيد أحمد خان ص 32), فإني أضحك من قولهم، وأقول ما دمتُ أنا أتلقى الإلهام بكلمات محددة فكيف يستحيل نـزول كلام الله تعالى على رسول الله وهو أعظم مكانة وأعلى شأنًا جدًّا. وكما قلت إن قوله تعالى وتخرّ الجبال هدًّا تتضمن هذا المعنى أي أن الروحانيين من الطراز العالي الحائزين على هذه النعم كلها حين يسمعون هذا الهراء يشعرون وكأن هؤلاء المنكرين يحاولون هدم كل المقامات الروحانية السامية التي قد تبوءوها فعلاً (يُتبع)

تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via