إزالة الحصى...  عن  معجزات  موسى عليه السلام  والعصا (الجزءالأول)

إزالة الحصى…  عن  معجزات  موسى عليه السلام  والعصا (الجزءالأول)

الدكتور أيمن عودة

طبيب، باحث، كاتب وشاعر
  • شأن المعجزات
  • حوادث موسى الخمسة مع العصا
  • المفهوم التقليدي للمفسرين
  • طبيعة المعجزات
  • حقيقة هذه المعجزات
  • مفهوم الكشوف

__

تعتبر المعجزات من أهم ما جاء به الأنبياء، وسردته لنا الكتب المقدسة وتحدثت عنه الأديان المختلفة على مر العصور، وذلك لكونها عاملا مُهما في إظهار صدق هؤلاء الأنبياء والدعوات السماوية التي جاؤوا بها. إلا أنه غالبا ما صُبغت هذه المعجزات بروايات خرافية قد تكون أبعد ما يكون عن الواقع وعن حقيقة ما حدث بالفعل. وهكذا تداولتها الألسن مع مرور الزمن، فلم تسلم من التشويه والإضافات والتحريف سواء بقصد أو دون ذلك، لدرجة أن ما علق بأذهان الناس من هذه القصص والحوادث يرتكز في الأساس على مدى غرابة هذه الحوادث وكونها خارقة لقوانين الطبيعة والحياة، وبذلك تقرر مدى عظمة تلك المعجزات، فكلما كانت المعجزة مناقضة أكثر لقوانين الطبيعة اكتسبت عظمة أكبر عند أتباع الديانات المختلفة.

وبما أن هذه المعجزات تكاد لا تعد ولا تحصى، دأبت من خلال هذه الدراسة أن أخص الحديث عن بعض معجزات سيدنا موسى ، لا سيما تلك التي جاء بها ذكر العصا، والتي نالت حصة وفيرة من سور وآيات القرآن الكريم، وكذا في الشرح والتفصيل على يد المفسرين المسلمين كل حسب اجتهاده ومعرفته. إلا أنه كثيرا ما غلبت على هذه التفاسير مفاهيم سطحية خاطئة، أضفت على هذه القصص نوعا من الخيال الخرافي، وأكسبت العصا هالة سحرية خارقة للطبيعة وقوانينها، وهو ما ترتب عليه المفهوم والتفسير السائد بين عامة المسلمين للإعجاز في هذه الحوادث، وكأن المعجزات في حقيقتها لا تتأتى إلا إذا ضمت في طياتها ضربا من ضروب الخيال البعيد عن سنن وقوانين الطبيعة العلمية.

… إلا أننا لا بد أن نقر أنه لو حدث كمثل هذه الحوادث فمهما كانت القوانين الطبيعية التي تسيرها غير معروفة لنا فهي لا يمكن أن تناقض القوانين الطبيعية والسنن الإلهية والحقائق العلمية المثبتة والمعروفة لنا…..

وعليه فقد أردت من خلال هذه الدراسة، تبيان حقيقة الحوادث المتعلقة بهذه المعجزات، وإظهار حقيقة الإعجاز فيها وفقا لما تقوله وتفسره الجماعة الإسلامية الأحمدية لهذه الآيات، مستعينا باجتهادات مفسريها وخلفائها الكرام ومقارنا إياها مع التفاسير الإسلامية المتداولة بين عامة المسلمين والمفسرين ورجال الدين.

لقد ورد ذكر عصا موسى في خمس سور من القرآن الكـريم، تناولت سرد خمس حوادث وقـعت مع سيدنا موسى :

 الحادثة الاولى:

ما جرى له وهو في طريقه إلى مصر، بعد أن قضى في مَدين مدة عشر سنوات من الخدمة مع النبي شعيب ، حيث ألقى عصاه فإذا هي حية تسعى، وقد ورد ذكر هذه الحادثة في القرآن الكريم في ثلاث سور كما يلي:

  1. وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى* قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (طه: 18-22 )
  2. وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُون (النمل: 11 )
  3. وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (القصص 32 )

 الحادثة الثانية:

هي ما حصل له ، عندما أرسله الله عز وجل إلى فرعون وملئه، ليبشرهم برسالة السماء، وقد أعطاه الله عز وجل آيتين لإظهار صدقه، كما جاء ذكره في القرآن الكريم على النحو الآتي:

  1. فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ (الأعراف 108-109 )
  2. فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِين (الشعراء 33-34 )

الحادثة الثالثة:

تتعلق بالمبارزة التي جرت بين سيدنا موسى وسحرة فرعون، وجاء ذكرها في الآيات التالية :

  1. قَالُواْ يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ* قَالَ أَلْقُوْا فَلَمَّا أَلْقَواْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ * وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُون (الأعراف: 116-118)
  2. قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى* قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إليه مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى* فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى* قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى* وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى* فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (طه: 66-71)
  3. فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ* قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ* قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ* فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ* فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ* فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ* قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ* رَبِّ مُوسَى وَهَارُون (الشعراء 42-49)

الحادثة الرابعة:

تتحدث عن قصة عبور بني إسرائيل البحرَ عند مناهضة فرعون لهم ومطاردته إياهم، وجاء ذكرها في سورة الشعراء فَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (الآية: 64).

الحادثة الخامسة:

تتحدث عن استسقاء موسى لقومه عندما هاموا على وجههم في صحراء سيناء، فأمره الله بضرب حجر ليخرج من تحته الماء، وهو ما ذكر في الآيات التالية:

  1. وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ الله وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِين (البقرة: 61)
  2. وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ…… (الأعراف 161)

نخص الحديث أولا عن الحوادث الثلاث الأولى المذكورة أعلاه:

المفهوم الرائج عند العامة والمفسرين:

باديء الأمر أورد على سبيل المقارنة بعض التفاسير المأخوذ بها عند عامة المسلمين لهذه الآيات، فبالنسبة للحادثة الأولى يقول ابن كثير: “عندما ألقاها (العصا) تحولت في الحال إلى حية عظيمة هائلة في غاية الكبر وسرعة الحركة، والجان ضرب من الحيات أسرعه حركة وأكثره اضطرابا… فلما عاين موسى ذلك ولى مدبرا ولم يعقب، أي لم يلتفت من شدة فِرقه.” ويقول أيضا: “تضطرب (الأفعى) من حركتها السريعة، مع عظم خلقها وقوائمها واتساع فمها واصطكاك أنيابها وأضراسها، بحيث لا تمر بصخرة إلا ابتلعتها، تنحدر في فيها تتقعقع كأنها حادرة في واد.”

و في شرح ما حدث للأفعى، عندما ذهب موسى إلى فرعون يقول ابن كثير: “فألقى عصاه فتحولت إلى حية عظيمة، فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون، فلما رآها فرعون أنها قاصدة إليه، اقتحم عن سريره واستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل”. وفي رواية أخرى يوردها ابن كثير حيث يقول “إنها (العصا) تحولت إلى ثعبان وهو الذكر من الحيات، فاتحة فاها واضعة لحيها الأسفل في الأرض والآخر على سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذعر منها ووثب وصاح يا موسى، خذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذها موسى فعادت عصا”. وفي رواية أخرى “إنها” (العصا) حملت على الناس فانهزموا، ومات منهم خمسة وعشرون ألفا قتل بعضهم بعضا”.

وعما حدث في المبارزة بين موسى وسحرة فرعون يقول: “إنه (موسى) عندما ألقاها (العصا)، صارت تنينا عظيما هائلا ذا قوائم وعنق ورأس وأضراس، وجعلت تتبع الحبال والعصي حتى لم تُبق منها شيئا إلا تلقفته”.

هذه بعض الاقتباسات من التفاسير المأخوذ بها، التي غلبت على أذهان المسلمين، وهي ترى في تحول العصا بشكل فعلي، إلى أفعى حقيقية عظيمة بأوصاف غير اعتيادية للأفاعي المعروفة لنا وفي عالمنا، وقد أفزعت هذه الأفعى فرعون وأتباعه، ونُسبت إليها القصص التي لا أصل لها ولا منطق فيها. والأدهى والأمر من ذلك، أن أخذ المسلمون هذه القصص وصبغوها بطابع الإعجاز، الذي منحه الله عز وجل لموسى تصديقا له أمام أعدائه.

طبيعة المعجزات

لا بد أن أنوه هنا، إلى أنه لا شك في كون هذه الحوادث كلها معجزات من الله عز وجل لموسى ، إلا أننا لا نأخذ بهذه التفاسير الخرافية المعمول بها في فهم هذه المعجزات، كمثل التي أوردناها آنفا. كذلك فإننا لا نرى في وجوب اندراج المعجزات تحت إطار القوانين الطبيعية المعروفة لنا، وذلك لأنه إذا ثبت وجود شيء معين أو حدوث حدث ما بشكل قطعي ويصرح به الله عز وجل، يجب علينا أن نقبل به حتى لو لم نستطع فهم المعجزات وتفسيرها حسب القوانين الطبيعية المعروفة لنا، وذلك لأن معرفتنا لهذه القوانين محدودة، وليس بإمكاننا أن ننكر حقيقة معينة على أساس معرفتنا المحدودة هذه. إلا أننا لا بد أن نقر أنه لو حدث كمثل هذه الحوادث فمهما كانت القوانين الطبيعية التي تسيرها غير معروفة لنا فهي لا يمكن أن تناقض القوانين الطبيعية والسنن الإلهية والحقائق العلمية المثبتة والمعروفة لنا، وذلك انطلاقا من قوله تعالى ولن تجد لسنة الله تبديلا ، كما أن الله عز وجل الخالق الذي أحسن كل شيء خلقه بنظم وقوانين متجانسة ومتناسقة، لا يمكن أن يخل بنفسه في هذا النظام الذي صنعه بيده، لا لشيء سوى أنه بنفسه قد صرح بذلك وفق الآية السابقة، كما أنه عند الحديث عن المعجزات، لا بد من التفريق بين كون الحوادث خارقة للعادة وبين كونها خارقة لقوانين الطبيعة، فليس ضروريا أن تكون المعجزات خارجة عن نطاق هذه القوانين، لتحمل في طياتها صبغة الإعجاز، بل قد تكون خاضعة لهذه القوانين في الوقت الذي تكون فيه أمرا غير عادي، لتكون بذلك حجة دامغة على صدق الأنبياء والمرسلين، وهو الهدف الأسمى المرجو منها، وهذا هو الأمر الأساسي الذي يضفي صبغة الإعجاز على حوادث الأنبياء، وليس ما يعتريها من خيالات بعيدة أشد البعد عن الواقع والطبيعة. فعند تتبعنا لمعجزات الأنبياء، لسنا ملزمين في تحري هذه الخيالات والخرافات للوقوف على وجه الإعجاز فيها، إذ قد يكون هذا الوجه مستترا في نواح معينة من الأحداث، قد تغيب لأول وهلة عن أنظار القراء والمفسرين، كما سوف أبينه لاحقا.

وبمعنى آخر، فإن هذه المعجزات قد تندرج تحت إطار القوانين الطبيعية، مع أنه ليس من العادة وليس مما نجابهه في الحياة اليومية بشكل اعتيادي، أن نرى تضـافر وتزامن هذه الأسباب والمسببـات، في مكان وزمـان واحد، مع الأحداث الخاصـة بها، لـوقوع هذه الظواهر الطـبيعية الإعجـازية.

حقيقة هذه المعجزات

نعود الآن لشرح ما حدث مع موسى في الحوادث المذكورة أعلاه، إذ أن تحول العصا إلى أفعى المزعوم به في الحالات الثلاث الأولى المذكورة آنفا، لم يحدث بالطريقة المعروفة بين الناس، وذلك لأن المعجزات التي تُرى من قبل الله عز وجل على يد أنبيائه ليست من قبيل السحر والشعوذة، بل إن لها أهدافا روحانية عالية. أحد هذه الأهداف هو ترسيخ الإيمان واليقين وإضفاء شعور من التقوى ومخافة الله في نفوس من يشاهدها، فلو تحولت العصا بالفعل إلى أفعى لكان الأمر أقرب للشعوذة منه إلى معجزة نبيّ. وفي الحقيقة إن القرآن لا يؤيد وجهة النظر التي تقول بتحول العصا إلى أفعى حقيقية، بل إنه لم يحدث شيء من هذا القبيل قط، وما حدث بالفعل في هذه الحوادث، لهو بمثابة رؤى وكشوف قد رآها موسى لوحده وهو في طريقه إلى مصر، والأخرى اشترك فيهما كل من موسى وفرعون نفسه مع قومه، وفي كل هذه الحالات بقيت العصا كما كانت ولم تتغير أو تتبدل، وإنما قد سيطر الله عز وجل على أبصار كل من موسى وفرعون وملئه، ليريهم كشفا يرون من خلاله بأن العصا تأخذ شكل الأفعى، وهذه في الحقيقة ظاهرة روحية شائعة تحدث للإنسان الذي يكون في مستوى روحي عال، حيث يتسنى له عندئذ أن يرى أمورا خارج نطاق معرفته، وما لا يمكن أن يُرى بالعين المجردة.

وعلى سبيل المثال أذكر حوادث مماثلة حدثت في زمن الإسلام، وهي تطابق تماما ما حدث مع موسى وفرعون وأتباعه، وهي تندرج تحت نفس الكيفية والإطار كالتالي:

  1. حادثة انشقاق القمر التي جاء ذكرها في القرآن الكريم في سورة القمر اقتربت الساعة وانشق القمر ، والتي كانت معجزة من معجزات سيدنا محمد ، فخلافا للتفسير المتداول بين عامة المسلمين، فإن انشقاق القمر لم يحدث هو الآخر فعليا، بل إن ما حدث هو أيضا كشف اشترك فيه سيدنا محمد وأتباعه ومعارضوه من الكفار، فقد أراهم الله كشفا رأوا به القمر كأنه انشق، رغم أنه بشكل فعلي لم يتغير ولم يتبدل، بل بقي كاملا متكاملا وهذا لا يخالف قوانين الطبيعة وسننها.
  2. الحادثة التي وقعت عندما كان جيش المسلمين يقاتل في العراق، فرأى سيدنا عمر بن الخطاب جيش العدو يطوق جيش المسلمين، وهو بعيد عنهم آلاف الأميال على منبر المسجد يخطب بالمسلمين خطبة الجمعة، فصاح يقول مناديا قائد جيش المسلمين “يا سارية الجبل.. يا سارية الجبل” وأما سارية قائد الجيش قد سمع بدوره هذا النداء وسط ضجيج المعركة وأزيز السيوف، وكل هذا ما كان سوى كشف رآه سيدنا عمر بن الخطاب عن وضع جيش المسلمين بالمعركة، وتبعه على الفور كشف آخر رآه سارية قائد الجيش، فما كان له إلا أن يمتثل لهذا النداء وينقذ المسلمين من هزيمة نكراء كانت على وشك أن تلم بهم.
  3. الحادثة الثالثة هي رؤية الملائكة التي أنزلها الله عز وجل لنصرة المسلمين في معركة بدر، فقد كانت هي الأخرى من قبيل الكشف، حيث رأى المسلمون والكفار هذه الملائكة بهذه الطريقة.

ورب سائل يسأل، كيف يمكن للكفار أن يروا رؤى وكشوفا، خاصة أن هذه الرؤى والكشوف الصالحة يهبها الله لعباده الأبرار؟

والجواب على هذا السؤال هو، أن الله عز وجل عندما يريد أن يقيم الحجة على الكافرين، من الممكن أن يريهم هذه الكشوف علهم يتعظون بها ويؤمنون بالرسول المبعوث إليهم. فعلى سبيل المثال هنالك حادثة تؤكد إمكانية وقوع هذا الأمر، حيث إنه قد روي عن أبي جهل الذي كان ألدّ أعداء الرسول الكريم ، أنه كان مَدينا بمبلغ من المال لأحد الأشخاص الفقراء الغرباء في مكة، ولم يرد أن يعيد هذا المبلغ إلى صاحبه، فذهب إليه النبي محمد يطلب منه إعادة هذا المبلغ إلى صاحبه فأعاده على الفور، فتعجب أصحاب أبي جهل من تلبيته لطلب الرسول ، وهم على علم بعداوة أبي جهل للنبي محمد ، فاستوضحوا منه الأمر، فأجابهم أنه قد رأى على جنبي الرسول محمد جملين عظيمين يريدان أن ينهالا عليه ويمزقاه، فخاف ولبى طلب النبي محمد . فإن رؤية الجملين ما كانت سوى كشف آخر أراه الله عز وجل لأبي جهل لكي يهيبه ويجعله يمتثل لأمر النبي ، وهذا دليل على أنه من الممكن أن يرى الكفار في حالات معينة، كمثل هذه الرؤى والكشوف، خاصة إذا كان الهدف من ذلك إعطاءهم حجة دامغة على صدق النبي المرسل إليهم.

مفهوم هذه الكشوف

بعد أن بينا أن معجزة تحول العصا إلى أفعى المزعومة، لم تحدث فعليا وإنما كانت كشفا من الله عز وجل لموسى ومن حوله، لا بد لنا أن نعرج على المغزى المرجو من هذا الكشف الذي أراه الله عز وجل للناس. وهنا لا بد أن ننوه إلى أن الآيات التي تحدثت عن هذه القصة قد ورد فيها ثلاثة أوصاف للعصا وهي:

  1. الجان وتعني الأفعى الصغيرة سريعة الحركة، وقد استعملت عندما رأى سيدنا موسى الكشف لوحده في رحلته من مدين إلى مصر.
  2. ثعبان وتعني الأفعى الكبيرة وقد استعملت عندما كان موسى مع فرعون وقومه.
  3. حية ومعناها عام فتعني أفعى كبيرة أو صغيرة واستعملت عند مجرد ذكر تحول العصا إلى أفعى دون التطرق إلى ما يراه سيدنا موسى بنفسه.

وعليه فإن هذه الاستعمالات الثلاثة لم تكن عشوائية، وإنما استعملت كل منها في ظرف معين وبشكل مقصود، ليكون لها معنى خاص بالظرف نفسه، لذا فلا تناقض في استعمالها رغم أنها لا تحمل نفس المعنى الحرفي.

فعند استعمال كلمة “جان” لوصف العصا والتي تعني الأفعى الصغيرة سريعة الحركة، أراد الله عز وجل أن يرمز بذلك لموسى أن بني إسرائيل – قومه المتمثلين بالعصا في هذا الكشف- سوف يتطورون بسرعة من أمة صغيرة منحطة إلى ثعبان كبير يحطم فرعون وقومه، أي أنهم سيكونون الوسيلة التي تحطم فرعون وجنوده.

ومن الجدير ذكره هنا أنه عند ذكر كلمة جان في الآيات المذكورة آنفا لم يذكر بأن العصا قد تحولت إلى جان، وإنما قال الله عز وجل (كأنها جان) باستعمال أداة التشبيه (كأن) وهذا دليل على أن العصا لم تتحول فعليا إلى أفعى أو جان.

الله عز وجل عندما يريد أن يقيم الحجة على الكافرين، من الممكن أن يريهم هذه الكشوف علهم يتعظون بها ويؤمنون بالرسول المبعوث إليهم.

إن في استعمال كلمة حية الواردة في سورة طه والتي تعني الأفعى الكبيرة أو الصغيرة له خاصيته من حيث التعبير، ففي هذا الكشف أراد الله أن يقول لموسى ، أن شعب بني إسرائيل الذي هو جامد ميت كالعصا، سيعطى حياة جديدة بواسطته هو أي موسى ، وذلك لأن كلمة حية تحمل في جذرها معنى الحياة والحركة.

كذلك فعند استعمال كلمة ثعبان، في وصف العصا في الحادثة التي جرت مع موسى أمام فرعون وملئه، فالعصا في هذا الكشف ترمز إلى الوحدة، بينما الأفعى ترمز إلى العدو، حيث أراد الله عز وجل أن يقول لموسى ، عندما رمى العصا وتحولت إلى ثعبان، إنك يا موسى إذا تركت قومك أي بني إسرائيل فإنهم سيتحولون إلى أعداء لك، بينما إذا حفظتهم تحت رايتك وعنايتك، فإنهم سيتطورون إلى أمة متماسكة من رجال نورانيين وعلماء ومن الصلحاء والأتقياء، وليشعوا بهذا العلم والنور إلى غيرهم. وهذا ما يُرمز إليه بتحول الأفعى إلى عصا عندما أمسك بها موسى مرة أخرى. وهذا لأن موسى قد اعتذر في باديء الأمر عن مهمة إصلاح بني إسرائيل، التي كانت تبدو له مهمة شاقة، فعلّمه الله بواسطة هذه الرؤيا أن الأمر منوط بمدى عنايته بهم ورعايته لهم.

وهذا بالفعل ما يؤكده تاريخ بني إسرائيل عندما تركهم سيدنا موسى، وترك أخاه هارون مع قومه خليفة له، فنبذوا الله وبدأوا بعبادة العجل، وتحولوا إلى أعداء لسيدنا موسى .

لقد تطرقنا حتى هذه السطور إلى الرؤيا التي رآها سيدنا موسى لوحده أو مع فرعون وملئه، وأما بالنسبة لما حدث مع السحرة من مبارزة، إذ تقول الآية الكريمة أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون ، إن معنى كلمة لقف: يقال لقف الطعام أي ابتلعه ولقف الشيء أي أخذه وأمسك به بسرعة ومعنى الإفك أي الغش والخداع، فالمعنى الحرفي لكلمة لقف هو ابتلع، ويرمز إلى أن العصا المؤيدة بالقوة الروحانية للنبي موسى ، والتي ألقيت بأمر من الله تعالى، قد أظهرت وفضحت كل ما عمله السحرة من الغش والخداع، وحطمته أمام الناس عن طريق تحطيم الأمور التي كانت تحت تأثير فعل السحرة – من حبال وعصي وخُدع الناس برؤيتها كأنها تسعى – إلى حطام. ومما يدل على ذلك أن الآيات لا تقول بابتلاع العصا لحبال وعصي السحرة، وإنما ما كانوا يأفكون، أي غشهم وخداعهم، وبما أن الغش والخداع هو شيء غير ملموس أو محسوس، يكون معنى تلقف في هذه الآيات أي تبطل، فهي ابتلعت أي أبطلت وفضحت أثر سحرهم وغشهم وخداعهم، بتأييد من الله عز وجل وإشراف يده العليا. ومن الجدير ذكره، أن كل الآيات التي تتحدث عن هذه المبارزة تقول بوضوح، أن العصا هي التي لقفت أو ابتلعت صنع السحرة، ولم تتحول إلى ثعبان كما يقول المفسـرون،وهذا بحد ذاته دلـيل صارخ على بطلان كل تلك القـصص الخرافية التي أُلحقـت بهذه المعـجزات.

(يتبع)

المصادر:
  1. الوحي، العقلانية، المعرفة والحق لسيدنا طاهر أحمد رحمه الله الخليفة الرابع للمسيح الموعود
  2. تفسير القرآن لابن كثير.
  3. THE HOLY QURAAN WITH SHORT COMMENTARY لسيدنا بشير الدين محمود أحمد الخليفة الثاني للمسيح الموعود
Share via
تابعونا على الفايس بوك