لا تكن شمعة تحترق كليا لأجل الآخرين

لا تكن شمعة تحترق كليا لأجل الآخرين

ثمر حفيظ

دكتوراه في علم النفس
  • ما هو التعريف الأكاديمي المتفق عليه لمصطلح “الاحتراق النفسي”؟
  • أيُّ الفئات الاجتماعية أكثر عرضة للإصابة به؟
  • كيف تؤثر العوامل البيولوجية لدى مقدم الرعاية على مواجهة الضغوط النفسية المزمنة؟
  • لماذا يُعد كلٌّ من “النية” و”الإيثار” حائطي صد يحمي المتطوعين ومقدمي الرعاية من الشعور بالمرارة واليأس؟
  • كيف تتماس متلازمة “الاحتراق النفسي” مع بعض الأوصاف القرآنية لسيدنا محمد ﷺ في سياق إيجابي يعزز من درجته بوصفه الإنسان الكامل؟!

____

لأنك إن فعلت، وبلغت حد إحراق نفسك، خسر المجتمع ومن هم بحاجة إليك عطاءك، فليتسمَ عطاؤك بالاستمرار، احرص على ألا تصل إلى حد إحراق نفسك تماما!

ثمة تساؤل جوهري يثير نقاشا بلغ مداهُ مجالَ علم النفس الإكلينيكي، ويمكن صياغة هذا التساؤل في عبارة مفادها «هل يختلف الناس في مستوى تحمل الألم النفسي الناتج عن معايشة من هم بحاجة مزمنة إلى الرعاية الصحية والاجتماعية والنفسية؟». ما توصل إليه الباحثون والملاحظون النفسيون هو أنه «نعم»، حيث يتفاوت الناس بشكل كبير في قدرتهم على تحمل هذا النوع من الألم، وهذا الاختلاف لا يعود إلى ضعفِ أو قوة الشخصية، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين عوامل عدة، بيئية، ونفسية، وحيوية كذلك.. وخلال هذا المقال، سيصحبنا مصطلح يُشار به غالبا إلى ظاهرة التألم المصاحب لتقديم الرعاية إلى المحتاجين إليها، ذلك المصطلح هو الإنهاك النفسي، أو الاحتراق النفسي..

 

فهم الإنهاك النفسي من المنظور الأكاديمي

الإنهاك النفسي، أو ما يُعرف أكاديميًا بمتلازمة الاحتراق النفسي، هو مصطلح صاغته عالمة النفس “كريستينا ماسلاك” خلال عقد السبعينيات من القرن العشرين. وقد صاغت له تعريفا محددا، فالاحتراق أو الإنهاك النفسي حالة من الإرهاق العاطفي، وفقدان الإحساس بالإنجاز الشخصي، ونزع الطابع الإنساني، التي تُصيب الأفراد العاملين في مهن الرعاية الإنسانية، كدور رعاية المسنين، والمُقعدين، والمصابين بالاضطرابات الذهنية، ودور الأيتام، ثم توسعت دلالة المصطلح ليشمل مفهومه أيضا مقدمي الرعاية بصورة غير رسمية، كرعاية الأقارب من الآباء أو الأبناء وغيرهم(1).

ومما يزيد النقاش في هذا الموضوع تعقيدا ملامسته لجوانب روحية دينية، وتُعَدّ التعاليم الإسلامية بشأن رعاية الآخرين ومواساتهم وسيلةً للتقرب إلى الله تعالى، وذلك من خلال رعاية الآخر، أيًّا كان ذلك الآخر، قريبًا أو بعيدًا، إنسانًا أو حيوانًا. فبالنظر إلى متلقي الرعاية القريب، فقد يكون أحد الوالدين أو كليهما، حيث يقول :

وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا(2)

 

عوامل موصلة إلى الاحتراق النفسي

على صعيد العوامل الاجتماعية والبيئية، فإن وجود شبكة دعم قوية من العائلة والأصدقاء والجماعات المماثلة يُعدُّ عاملًا حاسمًا. فالدعم العاطفي، والمعلوماتي، والعملي يخفف من الشعور بالوحدة والعزلة، ويوفر مساحة للتعبير عن المشاعر السلبية. تشير الأبحاث إلى أن مقدمي الرعاية الذين يفتقرون إلى الدعم هم الأكثر عرضة للإرهاق.

إن لعامل الصحة الجسدية لمقدم الرعاية دورًا بالغ الأهمية. فالأمراض المزمنة، أو قلة النوم، أو سوء التغذية كلها أمور من شأنها أن تضعف من قدرة الجسم على التعامل مع التوتر، وتجعله أكثر عرضة للإرهاق الجسدي الذي غالبًا ما يتبعه إرهاق نفسي. وغاية القول في هذا المقام أنه يتعذر على من يحتاج إلى نوع خاص من الرعاية أن يقدمه بدوره، ففاقد الشيء لا يُعطيه.

أما العوامل النفسية، والتي تُعد الركيزة التي تدور حولها فكرة المقال، فتقع على رأسها سمات الشخصية، حيث إن من يتسمون بسمات شخصية إيجابية، مثل المرونة النفسية، والصلابة، والتفاؤل، غالبًا ما يكونون أكثر قدرة على مواجهة الضغوط الواقعة على مقدمي الرعاية بصورة عامة. فالشخصية المرنة، على سبيل المثال، ترى في التحديات فرصا لتنمية الذات، فلا تعتبرها كتهديدات، مما يمنحها قدرة داخلية على الصمود. في المقابل، قد يكون ذوو الطبائع القلقة أو الانهزامية أكثر عرضة للإنهاك.

ليسوا سواءً

إن تباين قدرة الأفراد على تحمل الألم النفسي الناتج عن الرعاية لا يُعدّ حكمًا على شخصية أحدهم، بل هو نتيجة لعوامل متداخلة ومعقدة. وفَهم هذه العوامل يُعدّ خطوة أولى نحو تقديم الدعم المناسب لكل حالة على حدة.

ويختلف الناس في كيفية تعاملهم مع الضغوط الناتجة جراء التعامل المتواصل مع محتاجي الرعاية، فبعضهم يتبع استراتيجيات تكيف إيجابية، مثل حل المشكلات، والبحث عن الدعم الاجتماعي، وإعادة صياغة الأفكار السلبية. بينما يلجأ آخرون إلى استراتيجيات سلبية، مثل الإنكار، أو الانسحاب الاجتماعي، أو الهروب عن طريق الإدمان، وهذه الأخيرة تزيد من خطر الإنهاك النفسي.

السر في النية

في لحظات الإرهاق، قد يشعر القائم بالرعاية بالذنب أو اليأس. هنا تكمن أهمية تحويل هذه المشاعر السلبية إلى أفكار إيجابية. ومن الأمثلة الواقعية في هذا المقام شعور بعض الأبناء أحيانًا بالإحباط لأنهم لا يجدون فرصة للترويح عن النفس والانضمام إلى تجمعات الأصدقاء، نظرا إلى الانشغال المتواصل برعاية أحد الوالدين. فبدلاً من الاستمرار في الشعور بالمرارة، فإن التفكير في أن رعاية الوالد المريض فرصة جيدة لرد الجميل وتعبير حي عن الحب، فهذا سيمنح حتما إحساسًا بالرضا العميق. وهنا تبرز أهمية عقد النية قبل وأثناء تقديم الرعاية لأي أحد بشكل عام وللوالدين بشكل خاص.

وفي هذا المقام أيضا يبرز مفهوم إنكار الذات بمعناه الإيجابي، أو ما نعرفه بالإيثار، حيث يرى بعض مقدمي الرعاية أن دورهم هو جزء أساسي من هويتهم، مما يمنحهم إحساسا قويا بالرضا. هذا المفهوم الإيجابي لإنكار الذات يحصنهم ضد الإنهاك النفسي. وعلى النقيض من ذلك، إذا كان مقدم الرعاية يرى دوره مجرد عبء أو واجب مفروض عليه قسرًا، فإن احتمالية شعوره بالمرارة والإنهاك تزداد لا محالة بمضي الوقت.

وبما أن رعاية المحتاجين تتطلب تخطيطًا مستمرًا، تبرز هنا ضرورة إستراتيجية حل المشكلات بطريقة منهجية، فبدلاً من الشعور بالضياع أمام التحديات، يمكن للقائم بالرعاية أن يحللها ويضع خططًا للتعامل معها. فمثلا قد يواجه البعض صعوبة في نقل مريض بالشلل النصفي من السرير إلى الكرسي المتحرك. فبدلاً من الاستسلام، يبحث عن تقنيات رفع آمنة، ويستشير أخصائي علاج طبيعي، ويضع جدولًا زمنيًا للرعاية يساعده في تنظيم وقته وطاقته.

من أحرق نفسه ظلمًا وجهلا!

إن للإنسان سبيلين لتحقيق مقتضيات عبادة الله عز وجل، أحدهما أن يواسي خلق الله تعالى، فمواساة الخلق أحد شقي العبادة، والتي لا تكتمل إلا بهما. وغاية العبادة تكميل نفس الإنسان حتى يكون ربانيا، حيث يقول جل في علاه:

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ.(3)،

وذلك التكميل لا يكون إلا بتمرين النفس على المصاعب وتمريرها بالآلام. وما من شك في أن أكثر الناس تألُّما أكثرهم مواساة لخلق الله، وفي هذا المضمار يحوز أنبياء الله وأولياؤه قصب السبق، وأسبقهم على الإطلاق من أرسله الله تعالى رحمة للعالمين، إنه خاتم النبيين، سيدنا محمد المصطفى ، الذي قال فيه ربه :

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً.(4).

وتُعد هذه الآية من بين أكثر آيات القرآن عمقا، فهي تلخص الغاية من خلق الإنسان الكامل وجوهر فطرته. والأمانة التي ورد ذكرها في الآية هي إشارة مُجمَلة إلى حرية الاختيار وامتلاك الإرادة الحرة المُتجلِّية في القدرة على التمييز بين الخير والشر واتباع طريق الهدى طواعية، وهذا لم يتأت إلا لنوع الإنسان.

ووصف الإنسان الكامل بالظلم والجهل طالما أُسيء فهمه في هذا السياق من قِبَل الغالبية الساحقة من المفسرين على مر العصور، غير أن حضرة مرزا بشير الدين محمود أحمد في تفسيره الوسيط طرح رؤية تفسيرية عميقة ودقيقة، فالظلوم في سياق الآية هو من يميل إلى ظلم نفسه بكبح جماح رغباته وشهواته في سبيل مرضاة الله، أو أنه يعرض نفسه للمخاطر والصعاب لخدمة الحق. والجهول هو من يتجاهل مصالحه الشخصية الضيقة وعواقب المخاطر المادية في سبيل الوفاء بعهد الله وعظمة الأمانة التي تقلدها. ويشير حضرته إلى أن هاتين الصفتين، رغم ظاهرهما السلبي، هما اللتان مكنتا الإنسان الكامل من التفوق؛ فقدرته على التضحية بذاته، وتحمله إيقاع الظلم بنفسه بالمعنى الإيجابي وتجاوز حدود المادة، والذي يُشير أيضا إلى تجاهل المخاطر المادية في سبيل غاية أسمى، كل هذه الأمور أسهمت معًا في صقل جوهر إنسانيته وكماله الروحي(5).

وبالرجوع إلى السياق النفسي للموضوع، ينبغي المقارنة بين صورتين من صور الاحتراق النفسي، أولاهما الصورة السلبية التي هي صورة مرضية تُنغِّص على المرء حياته وعلاقته بالخلق والخالق، وهي الصورة التي كُتب هذا المقال تكريسًا للنهي عنها وحيلولة دون الوقوع فيها. أما الصورة الأخرى للاحتراق النفسي فهي الصورة الإيجابية البراقة، والتي لا يحظى بها سوى أولئك البشر الفائقين، ومبعوثي العناية الإلهية بسائر الخلق، فهم بشر مؤهلون لخوض قسوة ذلك الألم بما وهب لهم الله تعالى من قدرة وما حمَّلهم من تكليف بحمل تلك الأمانة التي قبلوها بطيب خاطر.

الهوامش:

  1. Christina Maslach, Burned-out, Human Behavior, Vol 5, No 9, P: 16-22, 1976.
  2. (الإسراء: ٢٤)
  3. (الذاريات: 57)
  4. (الأحزاب: 73)
  5. Mirza Bashir Ud Din Mahmoud Ahmed, The Holy Quran with English Translation and Commentary, Vol 4, P 2592-2593, Islam International Publications Limited.
تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via