- لماذا نظر المسيح الموعود إلى الفطرة الإنسانية بوصفها الميزان الأدق للمقارنة بين العقائد الدينية المختلفة؟
- كيف ساهمت الظروف السياسية والاجتماعية في الهند زمن الاستعمار في دفع المسيح الموعود لتأليف هذا الكتاب؟
- ما هي المآخذ التي سجلها الكتاب على تصور عقيدة الآريا الهندوس للخالق، وعلاقتها بتناسخ الأرواح؟
- كيف قارن المقال بين موقف الإسلام وموقف المسيحية من قضية “غفران الذنوب” وتأثير ذلك على سلوك المؤمنين؟
- بم استدل المسيح الموعود من القرآن الكريم على شمولية صفات الله وهيمنته على كل ذرة في الوجود؟
___
على الرغم من أن الغاية التي من أجلها ظهر مبدأ «الدين» إلى حيز الوجود كانت تنظيم حياة الإنسان والأخذ بيده نحو الرقي الروحي، ومن ثم المادي، بما يتضمنه ذلك الرقي من سعادة نوع الإنسان بعامة، تلك السعادة التي لا تكتمل إلا باكتمال شقيها، من إرضاء الخالق، ومواساة المخلوق، إلا أن تلك الغاية السامية قد انعكس اتجاهها إلى الضد، فباتت أكثر الأديان المعاصرة سببا في تنغيص راحة الإنسان وقض مضجعه، بعد أن تحولت إلى سبب تناطح وصراع دموي في كثير من الأحيان. وإن لم يتقاتل أتباع الأديان في ميادين المعارك بالأسنة، نراهم يتبارزون في محافل الجدال بالألسنة، وقلَّما نرى طرفين متحاورين يكن أحدهما للآخر شيئا من المواساة، بسبب الاختلاف! فإذا ما وقع بصرنا أو نمى إلى مسامعنا علمٌ عن واقعة حوار أو مقارنة بين دينين أو اكثر، وكانت تتسم بالحسم والمحبَّة في آن، فإننا ولا شك نتحين هذه الفرصة، فندخل بها عصرا جديدا من الحوار البنَّاء بين الأديان، حوارٍ تكتنفه مشاعر الصدق والمواساة. إننا بصدد الحديث عن أحد أبرز الكتب المهمة في مجال المقارنة بين الأديان في العصر الحديث، وهو كتاب «المقارنة بين الأديان في ميزان الفطرة».
أساس عام للمقارنة بين كافة الأديان
يُعد هذا الكتاب الذي نحن بصدد عرضه كتابا تأسيسيًّا في مجال المقارنة بين الأديان، ولسنا نرمي من هذا إلى القول بأنه أول كتاب في مجال المقارنات بين الأديان بالطبع، إذ خلت من قبله مؤلفات شتى في هذا الباب، ومطبوعات يزدحم بها نطاق الحصر. إنما نريد من قولنا ذاك أن نشير إلى أن مؤلِف هذا الكتاب قد وضع أساسا يمكن لكافة المقارنات المنعقدة بعده أن تقوم عليه، وهو أساس الفطرة الإنسانية، والتي تقبل أمورًا وتأبى أمورًا أخرى، من منطلق أن الفطرة التي فطر الله الناس عليها هي فطرة واحدة، مهما تباعدت الأزمنة والأمكنة، فتكون تلك الفطرة الإنسانية هي الميزان والحكم الذي يقضي بصدق دين ما وبطلان دين أو أديان أخرى.
لماذا هذا الكتاب في ذلك الوقت؟
قدم الاستعمار البريطاني إلى الهند، حاملا معه الإرساليات التنصيرية كإحدى صور القوة الناعمة التي أرادت بها بريطانيا بسط نفوذها على تلك البلاد وإخضاع أهلها إلى الأبد. فبدأ القساوسة في سل سيوفهم على الإسلام بالقدح في عِرض سيدنا محمد بطريقة شرسة لم يسبق لها مثيل. وقد حدث أن اعتنق المسيحية أعداد غفيرة من عوام المسلمين ومشايخهم، وأخذوا بدورهم يهاجمون الإسلام بشراسة. وقد حرّض هذا الهجوم المسيحي أتباع الديانات الأخرى أيضًا على محاولة النيل من الإسلام أيضاً. فقامت لأول مرة في التاريخ حركات هندوسية تهاجم الإسلام وتدعو إلى عودة المسلمين الهنود إلى دين آبائهم وأجدادهم.
وفي تلك الآونة، انبرى مؤلف هذا الكتاب مدافعا عن دين الإسلام، بالرد على مطاعن الخصوم وشبهاتهم. وبدأ بالرد من خلال المقالات في الصحف والرسائل. ثم عمد إلى تأليف كتاب الأشهر، والموسوم بـ «البراهين الأحمدية»، وقد ضمّنه أدلة وبراهين على صدق الإسلام وعلى صدق رسوله ، وتحدى أتباع الديانات الأخرى أن يستخرجوا من كتبهم المقدسة ما يضاهي جمال القرآن وكماله، وقام بتأليف الكتاب تلو الآخر من الكتب العظيمة حتى وصل عددها إلى نيف وثمانين كتابًا. وفي خِضَمِّ ذلك، اتجه حضرته بتأييد إلهي خاص، إلى دراسة الكتب المقدسة لهذه الأديان وبخاصة المسيحية، فاكتشف كمًّا هائلاً من التناقضات، مما جعله قادرا على إفحامهم في المناظرات وفي الكتب والمقالات.
يقدم سيدنا المسيح الموعود في هذا الكتاب مقارنة أجراها بين شتى الأديان، ومنطلق هذه المقارنة هو معيار الفطرة، وقد شملت المقارنة تصورات كل من الديانات الثلاث، أي الديانة الآرية، والتي هي الفرع الأكبر من الهندوسية، والمسيحية، والإسلام عن الله سبحانه وتعالى، ذلك لأن تلك الديانات تحديدا شكَّلت النسيج العقائدي لشبه القارة الهندية زمن المسيح الموعود وما زالت تشكله إلى يومنا هذا.
شكر واجب، تماشيا مع الفطرة السليمة
لقد استهلّ حضرتُه مقدمةَ الكتاب بتوضيح مدى تأثير البيئة المناسبة والمحفِزة لدراسة وفهمِ الأديان، فالفرصة التي قدمتها الحكومةُ البريطانية فرصة ذهبية؛ فمن خلال سماحها بالحرية الدينية، ضمِنت للجميع سهولةَ اطلاع كل طرف على دين الطرف الآخر، وأمكن لأتباع كل دين عرض ما يرونه في دينهم من مزايا، وبذلك انتفى جو الجهالة، والذي يعد في أغلب الأحوال أحد أسباب الارتياب، ومن ثم الكراهية، ذلك أن الإنسان عدو ما يجهله في الغالب، حتى إن هناك عبارة معاصرة صارت تجري على الألسنة وتترجم لسان الحال، تقول: «أكرهك لأني لا أعرفك، ولا أعرفك لأني أكرهك»!
بالنظر إلى ما يتيحه جو حرية التعبير عن الرأي والتعبير عن المعتقَد من إفشاء السلم العام، ناهيك عن إشاعة الحق والحقيقة، وجب شكر الجهة المسؤولة عن إفشاء هذا الجو الصحي، أيًّا كانت تلك الجهة، وبغض النظر عن توجهها ومُعتقدها. إننا نشير هاهنا إلى الحكومة البريطانية التي فرضت سيطرتها على شبه القارة الهندية في تلك الآونة، أي زمن تأليف ونشر هذا الكتاب.
هذه الحكومة على حسن صنيعها إذ يُعَدُّ وجودها نعمة إلهية عظيمة، فقد ساهمت في نشر مزايا ديننا الحنيف، بالإضافة إلى كونها حكومة تمنح الحريات العقائدية للناس جميعًا، ووفرت كذلك بتطويرها الطابعات لنشر الكتب و فتحت الطرق وهيأت نظام البريد؛ فما كان من الكتب شبه دفين استعاد الحياة ورأى النور مرة أخرى، فلا نظير لهذه الفرصة التي أُتيحت للنّاس لنشر الدعوة وتبليغ رسالة الإسلام. وبفضل ما تقدّم تيسر إلقاءُ الوعظِ في تأييد الإسلام وسطَ أسواق لندن، كما ساهمت في نشرِ العلوم والفنون وفتحت العيونَ بالتّعليم والتربية، وإنها حكومة عالية الهمة تواسي بني البشر وأحسنت للناس كثيرًا. فوجب الشكر والإخلاص لها لأن شريعتنا الإسلامية تحثنا على عدم تضييع حق أحد من الناس وإحسانه.(1)
ويرى حضرته في الوسائل السابقة كلها نعمةً هيأها الله تعالى لإحقاق الحق، وللاستفادة منها بمنتهى الحرية، مما سهّل النظر والتمحيص والاطلاع على الأديان كلها وتمكن الشخص من استيعاب المزايا واتباع الحق.
يُعد هذا الكتاب الذي نحن بصدد عرضه كتابا تأسيسيًّا في مجال المقارنة بين الأديان، ولسنا نرمي من هذا إلى القول بأنه أول كتاب في مجال المقارنات بين الأديان بالطبع، إذ خلت من قبله مؤلفات شتى في هذا الباب، ومطبوعات يزدحم بها نطاق الحصر. إنما نريد من قولنا ذاك أن نشير إلى أن مؤلِف هذا الكتاب قد وضع أساسا يمكن لكافة المقارنات المنعقدة بعده أن تقوم عليه، وهو أساس الفطرة الإنسانية، والتي تقبل أمورًا وتأبى أمورًا أخرى، من منطلق أن الفطرة التي فطر الله الناس عليها هي فطرة واحدة
ضرورة إلقاء النظر على المبادئ الأساسية لكل دين
ما من دين على وجه هذه البسيطة يأمر أتباعه في المجمل بالفحش الصريح، أو الكراهية بشكل مباشر، إنما تنشأ الفواحش والسيئات غالبا من أعمال تمارس بحسن النية، وتكون مبادئ للسيئة والذنب، وهذا ما حدث ويحدث دائما، إذ كانت سائر الأديان في البدء دينا واحدا، ثم تفرَّعت وتشعبت بسبب تلك الأعمال والتوجيهات التي صدرت بداية ربما بحسن النية، ولكنها كانت مخالفة للفطرة بصورة ما.
التصور الذي يقدمه دين الآريا الهندوس عن الإله
يحدثنا المسيح الموعود عن التصور الذي يقدمه كل دين من الأديان الثلاثة عن الإله، فيبدأ بعرض تصورات دين الآريا الهندوس، فيقول بأن تصورهم يدعونا للاستغراب، فالكل فاهم بأن قدرة الإله لا تحدها حدود، بيد أن الآريا يحدُّون من قدرة إلههم، بل يصفونه عمليًّا بالنقص، والعجز، وقلة الثروة، وتتوقف قدرته عند استنساخ الأرواح، وكذلك تخليق الأجسام والمواد من أجسام أقدم موجودة من تلقاء نفسها.، باختصار، إن إله الآريا الهندوس عاجز عن الخلق من عدم، حيث لا يقدر على الخلق إلا من موجود!(2)
ومن الناحية الأخلاقية ينظر الهندوس إلههم على أنه غير متسامح مع المذنبين، وكل ذنب بحسب عقيدتهم يجلب على الإنسان مئات الملايين من الولادات، وما لم يواجه العقوبةَ المستحقة كاملةً من خلال الولادات المتكررة فلا سبيل إلى النجاة. إن عقيدة الهندوس في تناسخ الأرواح تُعدُّ مسلكا خاطئا سلكوه للخروج من مأزق عدم قدرة إلههم على غفران الذنوب.
التصور الذي تقدمه المسيحية عن الإله
يَعُدُّ أتباعُ الديانة المسيحية ربهم الذي أسموه يسوع المسيح إلها حقًا. وفي عرضهم لأوصاف وسيرة ذلك الإله نرى أنه رجل إسرائيلي وُلد من رحم السيدة مريم، ورحلَ من هذا العالم الفاني عن عمر يناهز اثنين وثلاثين عامًا. وقد خاب أملُه رغم دعائه طول الليل عند الاعتقال، ووقع في قبضة آسريه ذليلا، وبحسب شهادة كتبة الأناجيل علِّق على الصليب ومات صارخا «إيلي إيلي»(3)، في مشهد تقشعر له الأبدان. أيمكن أن يُعد ذلك الإنسان الذي لم يُتقبل دعاؤه عند االله ومات، بحسب زعم النصارى، بمنتهى الفشل وخيبة الأمل وتعرض لضربات متتالية، أيمكن عدُّه إلهًا قادرًا؟! بل أيليق بالإله أن يُدان أصلا؟!
إن المصيبة الأكبر تتبدى في أنَّ القول بصلب هذا البريء، بدعوى أنه مات تكفيرا عن ذنوب العباد، هو قول يشجع أتباعه على ارتكاب الذنوب، ونشر الفسق والفجور وكل أنواع الفاحشة بكل حماس ونشاط اعتمادًا على كفارته. فمن يتقبل ذلك إلا الذي هو في الحقيقة محروم من الإيمان والتقوى، ويريد أن يلقي بالآخرين أيضًا في جحيم المعاصي بسبب أهوائه النفسانية(4).
التصور الذي يقدمه دين الفطرة عن الإله
مقابل هذين الدينين اللذين ذكرهما حضرته يقدم نظرة الإسلام إلى الله عزّ وجل، فهي واضحةٌ ونقية وملائمة للفطرة الإنسانية. فالإله الذي يكشفه القرآنُ الكريم لا يملك سلطة جبرية على ما أوجده بل تخضع لحكمه كلُ ذرة بطبعها وروحانيتها بحسب الآية الكريمة
وكلُ شيء يقدس الله عز وجل ويبين محامده كما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى:
فلو لم يكن االله خالق هذه الأشياء فمن أين هذا الانجذاب إليه ؟ فالمتدبر يدرك أنَّ سبب هذا الجذب صلة خفية تتمثل في كونه خالقًا لها. لكن من المؤسف أن أصحاب جميع الأديان الأخرى قد أرادوا منع قدرة االله ورحمته وقداسته الواسعة، بسبب ضيق آفاقهم؛ فالتصقت بآلهتهم الخيالية وصمةُ أنواع العيوب من الضعف والغضب في غير المحل وفرض السيطرة. بينما لم يحدَّ الإسلامُ صفاتَ االله الكاملة المتدفقة بشدة قط، فالإله الحق ذو الجلال منـزه عن جميع هذه النقائص ومقدس، وهو فوق الغضب الوحشي ومتسامح وغفور للتائبين الأوابين .
ويعلِّم القرآن الكريم المعرفة الحقة والمقدسة والكاملة عن وجود االله وصفاته وأنه لا حد ولا حصر لقدرته ورحمته وعظمته وقداسته، وأنه قادر على كل ما يريد باستثناء الأمور التي تنافي قداسته وكماله وصفاته الكاملة أو تعارض سننه غير المتبدلة. ويبين القرآن العظيم أن االله عز وجل كما هو خالق كل شيء وصانعه فهو قيومه أيضًا، أي يبقى كل شيء مرتبط به بعد خلقه. وإن وجوده بمنـزلة روحٍ لكل شيء، وبقاء كل شيء وحياته يستلزم معية الله عزّ وجلّ، وأنه تبارك وتعالى فوق كل شيء في ذاته وصفاته وكمالاته. فالقرآن الكريم يقول:
وكما يقول:
ويقول أيضًا:
فهذا هو نموذج التعاليم الثلاثة.
الهوامش:
- انظر: مرزا غلام أحمد القادياني، المقارنة بين المذاهب في ميزان الفطرة، ص1-3
- انظر: المرجع السابق، ص5-7
- (متى 27: 46)
- انظر: المقارنة بين المذاهب في ميزان الفطرة، ص15
- (الأَعراف: 173)
- (الإسراء: 45)
- (البقرة: 116)
- (الحديد: 5)
- (ق: 17)