الأسرار المخفية  وراء الابتسامة
  • كيف كانت الابتسامة رفيقة النبي ﷺ في أحلك ظروف اليتم والفقد والاضطهاد؟
  • ما هو السر الروحي الذي يجعلنا ننفر تلقائيا من الوجوه العابسة؟
  • هل يمكن للابتسامة المتكلِّفة أن تخدع الدماغ وتحسن الحالة المزاجية فعلاً؟

 

 ___

انطلاقًا من سنة نبيِّنا

من منظور إسلامي، يمكننا تعلم الكثير من السنة النبوية عن فضائل الابتسامة، الأمر الذي أصبح محل اتفاق علمي. ومن المعلوم من سيرة الرسول أنه واجه العديد من التحديات في حياته، فقد والديه في حداثة سنه، ونشأ يتيمًا، كما فقد العديد من صحابته في غزوات مختلفة، ولكن رغم كل هذه الابتلاءات، لم تغِب ابتسامة محيَّاه قط،

فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ، قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ . (1)

لقد اعتاد أن يلقى أصحابه باسم الثغر، كانت ابتسامته تبعث على المحبة والارتياح، وتمنح الصحابة شعورا بالشرف، وبأنهم محبوبون. فعَنْ جَرِيرٍ، قَالَ: «مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ مُنْذُ أَسْلَمْتُ وَلاَ رَآنِي إِلاَّ تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي.»(2) وعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ : «لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ.»(3) نستشفُّ من تعاليم الرسول فضل التبسُّم في وجه من نلقاه، وأن هذا الفعل البسيط معدود من صالح الأعمال. إن فعل الابتسام، على بساطته، له بُعدٌ روحيٌّ أيضًا، كما إنه صدقةٌ بحد ذاته، ووسيلة سهلة، وبالغة التأثير في آن، لنشر الخير، حيث ترتفع بها المعنويات.

وعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلاَلِ لَكَ صَدَقَةٌ وَبَصَرُكَ لِلرَّجُلِ الرَّدِيءِ الْبَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَةَ وَالْعَظْمَ عَنِ الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ‏.»‏(4)

وعلى الرغم من بساطة فعل التبسُّم، فإنه ذو بُعد روحي خطير ومؤثر، حيث يُعوَّل عليه بدرجة كبيرة في نشر الخير وإفشاء السلام ورفع المعنويات. وقد حدث ذات مرة أن طرح طفل سؤالا على حضرة أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز)، عن كيف يجد حضرة أمير المؤمنين وقتا كافيا للراحة مع جدول أعماله اليومي المزدحم. أجاب حضرة أمير المؤمنين: أشتغل في مكتبي، وأستطيع أداء بعض المهام الأخرى، كمتابعة الأخبار.  الأمر يتعلق بالذهن، إذا كان أحد كسولاً، ثم قال أنه لم ينم بما فيه الكفاية، لن يتحقق له شيء أبدا. عليك أن تكون حازما بحيث تعرف إنه يتعين عليك أن تُكمِل مهاما ما.  كن دائم التبسُّم، فسيبقيك هذا نشيطا على الدوام.(5)

 

الابتسامة والصحة الجسمانية

لقد حدَّثنا رسول الله قبل 14 قرنًا من اليوم عن فضل الابتسامة، واليوم وقد تقدَّم الزمن وتقدمت معه العلوم الحديثة، ثبت أن للابتسامة فوائد صحية جسمانية شتى، ناهيك عما لها من تأثير نفسي إيجابي بالغ.

إن إطالة العمر من الأمور التي شغلت تفكير الناس على مر العصور. المثير للدهشة أن قضية إطالة العمر تلك باتت مؤخَّرًا في مُتناول كل إنسان، وهذا بفضل اتباع عادات صحية عديدة، من بينها الابتسامة.

وقد توصَّلت دراسة أجريت في جامعة هارفرد أن الأفراد الذين هم أكثر تفاؤلاً، عادة ما يعمرون طويلا، حيث تتجاوز أعمارهم 85 سنة، الأمر الذي يحمل دلالة على علاقة طردية بين الرؤية الإيجابية والصحة على مدى فترة طويلة من الزمن.

 

ماذا يحدث داخلنا حين نبتسم؟!

لم يعد خافيًا الآن أن التوتر بات المعاناة الأكثر شيوعا بين عدد كبير من الناس، لا سيما بين البالغين، وقد أعلنت إحصائية أُجريت في عام 2022 أن نسبة كبيرة من الناس يشتكون بالفعل من أعراض التوتر المعروفة، والتي منها الصداع والإرهاق والاكتئاب. فالمتفق عليه بهذا الصدد أن للتوتر تأثيرًا سلبيا عميقا على كياننا بأكمله، وهذا التأثير ينعكس بالضرورة على وجوهنا. وقد أثبتت دراسة أن فوائد الابتسامة لا تقتصر على مجرد إزالة آثار التعب والإرهاق، بل إنها تساعدنا بشكل فعال في تخفيض مستويات توترنا، فعندما نبتسم تفرز أجسامنا هرمون الإندورفين endorphin وهرمونات أخرى تمنح شعورًا مزاجيا جيدا، الأمر الذي يهدئ الدماغ ويخفض التوتر ويحسن صحتنا العامة(6). بوجه عام، الابتسامة يمكن أن تزيد من سعادتك. في المرة القادمة التي ينتابك فيها شعور الإحباط، جرِّب أن تبتسم، من المرجح أن ابتسامتك سترفع معنوياتك بشكل ملحوظ.

كما ثبت بالدليل الطبي القاطع أن التبسُّم في الأوقات العصيبة من شأنه أنْ يُخَفِّض معدل ضربات القلب. كما تشير أبحاث أخرى ذات صلة أنه يعمل على ضبط مستوى ضغط الدم. وتوصلت دراسة سريرية إلى أن العلاج بالإضحاك يُسهِم في تقليل اعتماد مرضى القلب على العلاجات العقاقيرية، وهذه نتيجة منطقية تماما بالنظر إلى العلاقة الوثيقة بين التعبيرات الإيجابية وصحة القلب.

هذا وقد توصلت دراسة نفسية إلى أن الابتسامة، حتى وإن بَدَت مصطنعة في البداية، تحفز مسارات عصبية تؤثر بشكل مباشر في استجابة الجسم للضغط. شارك في الدراسة 170 شخصًا لم يكونوا على دراية بهدفها، حيث أكملوا مهمتين مختلفتين مُجهدتين أثناء حملهم عيدان الطعام في أفواههم بطريقة تُنتج ابتسامة دوشين، أو ابتسامة عادية، أو تعبيرًا محايدًا. (7)

مكمن السر الروحي في ضرورة الابتعاد عن صاحب الوجه العبوس

الابتسام يحسن صحتك العامة عن طريق دعم جهاز المناعة لديك. إنه ينشط الجهاز العصبي اللاإرادي، وهذا التنشيط يساعد في التحكم في إفراز بعض هرمونات الأمعاء والأجسام المضادة التي تخلق تأثيرًا مضادًا للالتهابات، مما يحسن الاستجابة المناعية. إذا كنت تحاول الحفاظ على صحة جيدة أو تعزيز مناعتك، حاول الابتسام، فإنه يُقدم فوائد بسيطة ولكن ذات مغزى.

مصاحبة المبتسمين يبعث فينا عادة شعورًا بالارتياح، لما لمُحيَّاهم من إطلالة مشرقة تبعث السرور في قلب من يلقاهم. إننا، تلقائيًّا، ننفر من أولي الوجوه العابسة والجباه المُقطبة، ونتجنب مصاحبتهم أو التعاون معهم في أغلب الأحوال.

والسر في ذلك كامن في أن كلا من تعبيرات الوجه الباسم وتعبيرات الوجه العابس تعملان في اتجاهين متعاكسين تماما، ولا أحد يرغب في أن يعيش لحظات تعيسة، فلأن المرء على دين خليله، ومن جاور السعيد يسعَد، فإن مصاحبة المبتسمين تُورث السرور بالضرورة، والعكس صحيح، فمصاحبة العابسين تورث العبوس والضجر بالضرورة كذلك.

وعلاوة على كل ما سبق، فإن الابتسام يجعل المرء يبدو أصغر سنا مما هو عليه في الواقع، فعندما نبتسم فإن عضلات الوجه ترتفع قليلا، مما يجعلنا نبدو أكثر شبابًا، ومعلوم أن المرء مع تقدمه في السن، تأخذ عضلات وجهه في التدلي، وهذا ما يفسر ظهور التجاعيد كأحد أعراض التقدم في السن والشيخوخة. وهنا تبرز فائدة جديدة للابتسام، ليكون طريقًا طبيعيًّا، ليس إلى شعور الشباب وحسب، بل إلى مظهره أيضًا. ففي عالم طغت عليه بواعث الاكتئاب والقلق والضوضاء، يتعين علينا أن خوض تحدي أن نبقى إيجابيين مهما كلَّفنا الأمر. من هنا تبرز ضرورة اتباع سنة الرسول بأن نحفِّز أنفسنا على الابتسام في كافة الظروف. فإذا كان قد عبَّر عن التبسُّم بوصفه صدقة، فلننشر إذن بهذه الصدقة المحبة والسلام والسعادة في العالم من حولنا، ولتغمر الابتسامة وجوهنا، لا لراحة بالنا وحسب، بل لإسعاد من تنير حياتهم ابتسامتنا أيضا.

الهوامش:

  1.  (جامع الترمذي، كتاب المناقب)
  2.  (صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة)
  3. (صحيح مسلم، كتاب البر والصلة والآداب)
  4. (جامع الترمذي، كتاب البر والصلة عن رسول الله )
  5.  Smile your life depends on it, Alhakam Magazine
  6. Nicholas A. Coles and Jeff T. Larsen, A Meta-Analysis of the Facial Feedback Literature: Effects of Facial Feedback on Emotional Experience Are Small and Variable,
  7. Tara Kraft & Sarah Pressman, Grin and Bear It: The Influence of Positive Facial Expressions
تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via