هَلِّلُوا إِيَّاهُ،وَأَشِيعُوا المُوَاسَاة

التحرير

  • عام جديد يحمل في طياته نار الدجال وجنته.
  • مواساة خلق الله حصن نتحصن به ضد فتنة الدجال.
  • الجماعة الإسلامية الأحمدية والأمن الروحاني.
  • هللوا إياه.

بطلوع عام جديد وتحديدا في ليلة رأس السنة الميلادية، تعم الدنيا ممارسات المرح واللهو بشكل مبالغ فيه في نظر البعض، حتى أن تلك الممارسات تكون مثارا لمزيج من الشجون والكآبة والحسرة. لقد باتت تلك الممارسات مشهدا تفرضه علينا آلة الدجل الإعلامي العالمي كل عام في هذا التوقيت تحديدا. فتصدِّق عن غير قصد طبعا، نبوءة حضرة سيدنا خاتم النبييين محمد المصطفى الذي قال عن الدجال أنه يأتي معه جنة ونار. أوليس هذا هو الواقع؟! أولم يُرِنا الدجال جنته وناره؟! أولم يُرنا بعين الكاميرا لقطات اللهو والفرح الغامر والتي يشعر المشاهد إزاءها كأن لم يبق في هذه الدنيا حزن يُذكر ولا حزين، بينما سرعان ما تتحول عين الكاميرا نفسها إلى مآسٍ يشيب لهولها الولدان، في اليمن وسوريا على سبيل المثال لا الحصر طبعا.. الأمر الغريب والمريب أيضا في تلك المشاهد أنها منقولة إلينا عبر الآلة نفسها، وهي آلة الإعلام التي يديرها الدجال نفسه، فماذا يريد ذلك اللعين أن يرينا من تلك المتناقضات؟! صدقت يا سيدنا يا رسول الله! إن الدجال يريد إراءتنا جنته وناره، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

والحق يقال، لا يكره الفرحة إلا مريض، ومن لا يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره فهو فاسد المزاج ليس له علاج، على حد تعبير الإمام أبي حامد الغزالي (رحمه الله)، ولكن شتان بين أن يفرح المرء ويعمل على إسعاد غيره، وبين أن يَعْدَم روح المواساة فيمسي وحشا بالتدريج.. إن الله تعالى أعلن أنه غني حتى عن أن يحج بيته الحرام امرؤ ترك وراءه جارا جائعا وهو يعلم، بل وتَقَبَّلَ ذلك الغني، سبحانه، نية حاج لم تطأ قدماه البلد الحرام أصلا، فقط لأن روحه كانت مفعمة بخلق المواساة، المواساة خُلقٌ لو هجره الإنسان لتحول وحشا بالتدريج. وكم تغذِّي يد الدجال ذلك الوحش وتنميه كل يوم! فترى مشاهد اللهو العابث في بقعة من بقاع العالم تتاخمها بقعة أخرى واقعة في حفرة من نار الفقر والمرض والمجاعة والظلم، وما يجري من أحداث دامية مدمية في سوريا واليمن ليس عن المتبصر ببعيد.

إن شريحة من المحتفلين بهذه المناسبة يدعون كما تعودوا من داخل كنائسهم مرددين العبارة العربية الإسلامية «هللويا» التي حُوِّرت عن الأصل العربي «هللوا إياه»، أي وحدوه وسبحوه وقدسوه تعالى، والتهليل في العربية كما يعلم الجميع هو اختزال لعبارة «لا إله إلا الله»، ومن منطلق المشاركة في الأفراح، نفرح نحن أيضا كمسلمين فنقول: «هللوا إياه، هللوا إياه، لا إله إلا الله، محمد رسول الله».

لا نكره أن يفرح الثري بما آتاه الله الخالق الرزاق من مال، بل إن على ذلك الثري أن يُحَدِّث بالنعمة مظهرا إياها على سبيل الشكر. ولأننا صنعة ذلك الخالق رب كل شيء، فقد دعانا عز وجل إلى أن نأكل ونشرب ونفرح في حدود المعقول دون إفراط أو تفريط. ولأنه سبحانه وتعالى خالقنا، فهو الأعلم بما يضرنا وما ينفعنا، شأن الأم الرؤوم مع ولدها، لأجل ذلك فقد شرع سبحانه وتعالى من الدين ما يذكي جذوة المواساة تلك ويبقي شعلتها وقادة في قلوبنا، فإن خمدت، لا سمح الله، سرى البرد في الروح كما يسري في الجسد الميت. ومما يُذْكي شعورنا بالمواساة تجاه بعضنا البعض، دولا وأفرادا، أن نحزن سويا ونفرح سويا، وكانت المشاركة في الحزن أولى من المشاركة في الفرح، فكان من حق المؤمن أن إذا مَرض وجب على أخيه المؤمن عيادته، وإذا مات شيَّع أخوه المؤمن جنازته، فما بالنا ابتعدنا عن ذلك التعليم السامي؟! في الأقوال الشعبية شاعت مقولة مفادها أن دنيا اليوم تحولت ل غابة، فلماذا نستغرب هذا التحوُّل؟! نعم، لقد تحولت الدنيا إلى غابة، ولكن بيد أهلها، إذ نبذوا مواساة خلق الله وراء ظهورهم.وفي الوقت الذي ينغمس فيه الجميع في المرح واللهو وإشباع نهم النفس الشَرهة، تعكف فئة من الناس بدافع الواجب مدفوع الأجر المالي على السهر حفظا لأمن تلك المجتمعات اللاهية، فنرى أجهزة الشرطة والمستشفيات في كافة أرجاء العالم ترفع من درجة استنفارها واستعدادها للتعامل مع أية طوارئ قد تخل بسلامة المجتمع الذي تخدم ضمن دائرته. ولكن أيضا هناك فئة عاكفة في هذا التوقيت على حفظ الأمن الروحي للعالم، فيبيتون لربهم سجدا وقياما داعين إياه أن يصرف عن هذا العالم البائس عذاب جهنم، ثم لا يتوقف سعيهم عند هذا الحد، بل يصبحون ليصلحوا ما أفسده اللاهون عشية، مواساة لهم وللعالم أجمع لوجه الله، لا يريدون من مخلوق جزاء ولا شكورا، تلك هي الجماعة الإسلامية الأحمدية التي يقضي أبناؤها ليلتهم مكبرين مهللين مسبحين الله تعالى تنزيها وتسليما، ويفتح الصبح عينيه عليهم وهم يُزيلون مخلفات الآخرين، قائلين بلسان حالهم: إنما نخدمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا، فهللوا ذلك الإله الواحد الذي لم يلد ولم يولد، هللوه وسبحوه وحده، فما نواسيكم إلا ابتغاء مرضاته.

إن شريحة من المحتفلين بهذه المناسبة يدعون كما تعودوا من داخل كنائسهم مرددين العبارة العربية الإسلامية «هللويا» التي حُوِّرت عن الأصل العربي «هللوا إياه»، أي وحدوه وسبحوه وقدسوه تعالى، والتهليل في العربية كما يعلم الجميع هو اختزال لعبارة «لا إله إلا الله»، ومن منطلق المشاركة في الأفراح، نفرح نحن أيضا كمسلمين فنقول: «هللوا إياه، هللوا إياه، لا إله إلا الله، محمد رسول الله».

وفي عدد مطلع العام الجديد من مجلة التقوى، وبدافع مواساة خلق الله تعالى، نعرض على القراء الكرام باقة من المواضيع الغنية بهذا المعنى السامي، بدءا من كلمة حضرة أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه الصلاة والسلام) التي يبين من خلالها روح الحسنة والعمل الصالح وفلسفتهما الحقيقية، وكيف أن مواساة العالم لا تتحقق إلا بتطبيق تلك الفلسفة. ثم مرورا بمقال ذي صبغة طبية متخصصة بعض الشيء يُدرَك من خلاله كيف أن شريعة الله تعالى التي ارتضاها لعباده فيها المواساة لهم، ولا مواساة في شريعة سواها. كما نعرض من قطوف الشعر أبياتا تتغنى بالبلد المبارك الذي ارتضاه الله تعالى لغرس بذرة المواساة وإنبات شجرتها في هذا الزمان، أي قاديان دار الأمان والتي احتفت أواخر الشهر المنصرم بعقد جلستها السنوية، إضافة إلى باقة من الأبواب الثابتة الأخرى..ندعو الله تعالى أن يكون العام الجديد صفحة جديدة بيضاء بمواساة العالم بعضه بعضا، كما ندعوه تعالى أن تعم الناس كلهم فيه المسرَّة، اللهم آمين