• الإسلام يحترم حرية الاختيار ويؤكد عليها.
  • الوفاء بالعهود من سمات المسلم الحق.
  • نبوءة واختبار للقلوب الصادقة.
  • الجزاء الزائل، والجزاء الإلهي الأبدي.
  • الإسلام منبر لحقوق الإنسان.
  • التعوذ من الشيطان أساس كل فلاح.
  • قلبي مع الحبيب، ويدي في الشغل.

وَلَوْ شَاءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (النحل 94)

التفسـير:
قد يتساءل هنا أحد قائلاً: لا شك في سمو هذا التعليم، ولكن لماذا لم ينفذه الله جبرًا حتى تبقى الدنيا محمية من هذه الفتن؟ فرد الله على ذلك في هذه الآية موضحًا: لا جرم أننا لو أردنا تنفيذ مشيئتنا لفعلنا هذا، ولكننا قرّرنا اختبار الإنسان بحرية الخيار؛ فمن آثر الضلالَ على الهدى فلن نمنعه من ذلك، ومن أراد الإيمان هديناه إليه؛ ذلك لأننا قد جعلناه مكلَّفًا ومسئولاً عن أعماله، ولا يجوز تكليفه ما لم يعطَ القدرةَ والحرية ليختار ما يحلو له: الهدى أو الضلال.
والحق أن الآية تمثّل نصيحة للمسلمين إذ قد يخطر ببالهم: ما الحرج من عقد اتفاقيات ملتوية كهذه لصالح الإسلام؟ فالله تعالى يؤكد هنا تحريمها كليةً، وإن كانت بنية تأييد الإسلام؛ ذلك لأنه لو كان جعل الدنيا كلها على طريقة واحدة أفضلَ وأولى من التمسك بمبادئ العدل والإنصاف كلها لجمعهم الله جميعًا على الهدى ولم يتركهم يتورّطون في إثم الغدر؛ لذا فجمعُ العالم كله على الإسلام أيضًا ليس مما يسوّغ لكم الغدر في المعاهدات. إذن فالآية تحذير إلهيّ بأن أية أمة ستلجأ إلى الجبر والعدوان لتوحيد الدنيا على دين واحد فلن تنجح في هدفها أبدًا، ولا بد أن تُسأل عن ذلك وتعاقَب.
والظاهر أنه من المستحيل أن تُرغَم أيُّ أمةٍ على البقاء تحت سيادة أمة أخرى لفترة طويلة، والأمم التي تستعبد الآخرين تذوق وبال ذلك في النهاية حيث تفسد أخلاقها بأخلاق المستعبَدين. والحق أن هذا هو أكبر سبب وراء الدمار الذي حل بالمسلمين، لأن أجيالهم تعلمت أخلاق العبيد الذين كانوا في بيوتهم، فتردَّت أخلاق هذه الأجيال شيئًا فشيئًا حتى صارت أخلاقهم كأخلاق العبيد تمامًا. فلو أنهم قضوا على الرقّ بسرعة عملاً بتعليم القرآن لما رأوا هذا اليوم المشئوم. فدمارهم يمثّل منظرًا مؤلمًا لصدق قول الله تعالى: ولتُسألُنّ .

والحق أن هذا هو أكبر سبب وراء الدمار الذي حل بالمسلمين، لأن أجيالهم تعلمت أخلاق العبيد الذين كانوا في بيوتهم، فتردَّت أخلاق هذه الأجيال شيئًا فشيئًا حتى صارت أخلاقهم كأخلاق العبيد تمامًا. فلو أنهم قضوا على الرقّ بسرعة عملاً بتعليم القرآن لما رأوا هذا اليوم المشئوم.

وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ الله وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (95)

التفسـير:
لقد أعاد الله هنا قولَه ولا تتّخِذوا أيمانَكم دَخَلاً بينكم ، لينبه على أن عقد الاتفاقيات بنية سيئة أو نقضَها بعد توكيدها عملٌ سيئٌ من حيث المبدأ، ولكنه يصبح أسوأ للمسلمين خاصةً، لأنهم حَمَلَة لواء الدين الحق، وسوف يؤثر سلوكهم الخاطئ – ولو في الأمور السياسية – في الناس سلبيًّا، وينفّرهم من دين الله الحق. كما أن هذا لن يأتي بنتائج طيبة في حق الأمة الإسلامية نفسها، لأن عدوى هذا السلوك الخاطئ سيسري إلى معاملات أفرادها أيضًا، فيصيبهم الضعف والاضمحلال.
وقوله تعالى وَتَذُوقُوا السُّوءَ إشارة إلى أنكم لو نكثتم العهود من أجل المصالح الدنيوية فستضرون بالدين.
أما قوله تعالى فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا فالمراد من قَدَم هنا الحكومة القوية. وقد جاءت قَدَمٌ نكرةً على سبيل التعظيم، وتحمل بشرى بقيام حكومة عظيمة للمسلمين.
إن هذا الحث الشديد للمسلمين على الوفاء بالمعاهدات كان في الواقع يمثّل نبأً من الله بأنه سوف تُكتب لهم الغلبة على الأمم كلها. ذلك لأن الأمة التي يؤدي خروجها على المعاهدات إلى تفشي الفساد في العالم لا بد أن تكون أمة غالبة على الأمم الأخرى، لأن الأقوام الضعيفة لا تتجاسر على نقض الاتفاقيات، كما لا يخل نقضها للمعاهدات بأمن العالم. فثبت أن الله تعالى قد نبه المسلمين إلى العظمة التي تنتظرهم، ناصحًا إياهم بأن يعقدوا الاتفاقيات بوعي وتدبر، وأن يفوا بها بصدق وأمانة.
إنه لمما يبعث على الأسف والحزن أنه لم يَعِ هذا الدرس القرآني إلا المسلمون الأوائل وحدهم، أما الذين أتوا بعدهم فنسوه، فهلكوا. ولقد أتى على المسلمين حين من الدهر كان لفظ “المسلم” فيه مترادفًا للثقة والاعتماد بحيث إذا عرف الناس أن فلانا مسلم لم يروا أية حاجة إلى ضمان أو كفالة. وأما اليوم فليس في العالم كلمة هي أقل اعتبارًا وثقةً من كلمة “المسلم”. إنا لله وإنا إليه راجعون!!

وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ الله ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ الله هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (96)

التفسير:
هذه الآيات حملت نبأً عن رقيِّ المسلمين وقيام دولتهم، وعن أن العدو سيتآمر على حكومتهم ببثِّ العيون بين ظهرانيها وإغراء بعض أفرادها بالمال، لذلك قد حذر الله هنا المسلمين سلفًا من هذه الظروف منبهًا إياهم من أن يقعوا في فخ العدو، فأوضح: سيأتي زمن أيها المسلمون يحاول فيه أهل مكة إغراءكم بالمال لتبثّوا لهم أسرار النبي ، فحذارِ ثم حذارِ أن تفعلوا ذلك، ولا تشتروا بعهد الله ثمنًا قليلاً، ولا تتهاونوا في الوفاء به؛ فإن هذه الرشوة ثمن قليل إزاء الأجر العظيم الذي ينتظركم عند الله تعالى، فهو خير لكم جدًّا بحيث لا تستطيعون الآن تصوره.
وفعلاً ما كان المسلمون ليستوعبوا أبعاد هذا النبأ وهم في مكة. ورد في الحديث أن سيدنا عمر قال: لم أعرف تأويل قوله تعالى سيُهزَم الجمعُ ويولّون الدبرَ حتى كان يوم بدر وفتح مكة.

ولقد أتى على المسلمين حين من الدهر كان لفظ «المسلم» فيه مترادفًا للثقة والاعتماد بحيث إذا عرف الناس أن فلانا مسلم لم يروا أية حاجة إلى ضمان أو كفالة. وأما اليوم فليس في العالم كلمة هي أقل اعتبارًا وثقةً من كلمة «المسلم». إنا لله وإنا إليه راجعون!!

مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ الله بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( 97)

شرح الكلمات:
ينفَد: نفَد الشيءُ ينفَد نفادًا: فنِيَ وذهَب وانقطعَ (الأقرب).

التفسير:
لقد نبّه الله تعالى هنا أن أموال الرشوة التي من أجلها يغدر الناس أقوامَهم تنفد وتفنى في آخر الأمر، ولكن العزة التي ينالها الإنسان برقي قومه عظيمة ولا تزول بسرعة.
كما أخبر أنه مهما كثُر المال الذي يقدمه العدو لأحد كرشوة فإنه مال محدود على كل حال، ولكن الجزاء الذي يناله الإنسان من الله نظير الصلاح والتقوى والوفاء فهو جزاء أبدي حيث تمتد خيراتُه من هذه الحياة إلى الآخرة.
وقال الله تعالى بأحسنِ ما كانوا يعمَلون أي أننا لا نتعامل معهم كزبون بخيل يختار أردأ حبة من السلع ويقيس ثمن الباقي بحسبها، بل سوف ننتقي أفضل عمل من أعمالهم، ونقيس عليه جزاء أعمالهم العادية الأخرى.
كما بيّن الله بذلك أنه تعالى سيجزيهم بأكثر مما عملوا، لأن جزاء الحسنة الواحدة سيضاعَف عشر مرات (الأنعام: 161).
ولكن الله تعالى نبّه أيضًا أن هذا الجزاء المضاعف إنما يكون للصابرين أي الذين لا يخافون المشاكل والصعاب، ولا يشترون حطام الدنيا بالدين.

مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (98)

التفسير:
لقد نبّه الله هنا المسلمين من جهةٍ أن الإسلام يُقرّر الحقوق للجنسين كليهما، وأنه تعالى سيجزي في هذا الكفاح كلاً من الذكر أو الأنثى وفقَ عمله جزاءً سواءً دونما تمييز بينهما؛ ومن جهة أخرى نبّه الكفار أنكم تقتلون الأنثى، فكيف يمكن أن يوضع زمام الحكم في أيدي الظالمين أمثالكم. كلا، إنما ننشئ الآن نظامًا سيحافظ على حقوق الجنسين كليهما.
ما أقوى هذه الآية برهانًا على صدق الإسلام! فبعد مرور آلاف السنين على تاريخ البشرية أقرّ الإسلام لأول مرة للجنسين حقوقهما، وذلك حين لم يكن المسلمون قد نالوا الحكم بعد، وبالرغم من هذه الحقيقة الناصعة يقول الظالمون من أعداء الإسلام أنه لم يحافظ على حقوق المرأة!

فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (99)

شرح الكلمات:
فاسْتَعِذْ: عاذَ به من كذا يعوذ عَوذًا وعِياذًا: لَجَأَ إليه واعتصَم، تقول “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم” أي ألتجئُ إلى الله وأعتصمُ من الشيطان. استعاذ به منه: اعتصمَ ولجأَ إليه منه (الأقرب).

التفسـير:
لقد زعم البعض أن قوله تعالى فإذا قرَأتَ القرآن يعني أنك إذا ختَمت قراءة القرآن فاقْرَأ المعوِّذتين أي السورتين الأخيرتين من المصحف. ولكن هذا الرأي ليس بسليم، لأن هاتين السورتين موجودتان في المصحف، ولا بد للقارئ أن يقرأهما على كل حال لدى وصوله إلى آخر القرآن؛ لذا فالمراد الحقيقي هو أن نبدأ تلاوة القرآن الكريم بـقولنا “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”، كما هو ثابت من السنة الشريفة. (الترمذي: فضائل القرآن)
لقد قال الله من قبل إن الصابرين سينالون جوائز كبيرة، والآن أخبرنا عن واحدة من الطرق التي تضمن لنا هذه الجوائز والنعم، فقال: عليكم أن تعتصموا بحمى الله تعالى من هجمات الشياطين، لِترِثوا هذه النعم، ولا تَضلّوا الطريق.
لقد زعم بعض الجهلة – بناء على آراء وروايات باطلة – أن هذه الآية تخاطب النبي ، حيث قالوا إن النبي كان يقرأ سورة النجم ذات مرة، فأجرى الشيطان- والعياذ بالله- على لسانه كلمات تنمّ عن الشرك، فأمره الله تعالى أن يستعيذ باسمه دومًا قبل قراءة القرآن، حتى لا يستطيع الشيطان إلقاء أي شيء على لسانه. (تفسير القرآن للقسيس “ويري” مجلد 3 ص 43 و167)
ولكن الزعم أن هذه الآية تخاطب النبي زعم باطل، وذلك للأسباب التالية:
أولاً: إن هذه الأسطورة باطلة لا أساس لها من الصحة، وسوف نناقشها بالتفصيل في محلها الأصلي في سورة الحج. وثانيًا: لا تمتّ هذه الخرافة إلى السياق بأية صلة، إذ كيف يمكن لعاقل أن يصدق بأن يكون الحادث المشار إليه قد وقع لدى قراءة سورة النجم، ولكنه يُسجَّل في سورة الحج، ثم يؤمر النبي بالاستعاذة في سورة النحل هنا خلال الحديث عن غلبة الإسلام. إنه أمر لا يستطيع أحد استيعابه. ونعوذ بالله من هذه الخرافات!
الحق أن هذه الآية منسجمة تمامًا مع موضوع الآيات السابقة، وأن ربطها بأية خرافة كهذه إنما هو ظلم عظيم.
ثم يجب أن لا يفوتنا قولُ النبي بأن شيطانه قد أسلم فلا يأمره إلا بخير (مسند أحمد ج 1 ص 257). فكيف يمكن لعاقل – بعد هذا التصريح النبوي – أن يقبل زعم هؤلاء الجهلة بأن الشيطان ألقى على لسان النبي كلمات تنمّ عن الشرك؟ ما دام شيطانه مسلمًا، والمسلم يكون موحِّدًا، فلا يمكن لهذا الشيطان الموحد – لو كان يملك عليه أي تصرف أصلاً – أن يُجري على لسانه ما ينمّ عن الشرك. إذًا فربطُ هذه القصة المنحولة بهذه الآية لبهتان عظيم ضد النبي .
أما السؤال: ما الداعي إذن للاستعاذة قبل تلاوة القرآن الكريم؟ فجوابه: أن السارق إنما يأتي حيث الكنـز، وإنما يهتم الإنسان بمقاومة من يتوجس منه الخطر؛ والقرآن الكريم كنـز روحاني عظيم يتمنى الشيطان سرقتَه، كما أن القرآن هو السلاح الذي تُشَجّ به هامة الشيطان، ولذلك يسعى الشيطان وأعوانه جاهدين لإبعادِ الناس عن القرآن، ومن أجل ذلك أُمرنا أن نعوذ بالله من الشيطان قبل تلاوته.
ويمكن أن نستنتج من ذلك حكمًا آخر وهو أننا ما دمنا مأمورين بالاستعاذة بالله من الشيطان حتى قبل قراءة القرآن أيضًا، فما أحوَجَنا إلى ذلك قبل البدء في سائر الأعمال الأخرى!
أما السؤال: لماذا ذُكر هذا الحكم هنا بالذات، فجوابه: أن القرآن الكريم قد صرّح هنا لأول مرة وبكل وضوح عن قيام الدولة الإسلامية – مما لا شك فيه أنه قد أخبر عن قيامها من قبل أيضًا، ولكن تلميحًا لا صراحةً – ومن الطبيعي أنه لدى الحديث عن الرقي المادي ينصرف تفكير ضعاف الإيمان عن الدين إلى الأمور الدنيوية. وبما أن الله تعالى قد أخبر المسلمين هنا بالترقيات المادية فلم يلبث أن أمرهم أيضًا بأن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم قبل قراءة القرآن دائمًا، كيلا تصرف أنباءُ الفتوحات المادية هَمَّهم عن أهداف الدين العليا، فيؤثروا الدنيا على الدين.
كم يفيض هذا الكلام بالقداسة والصفاء! وكم فيه من أسباب لحماية إيمان المؤمنين! ومع ذلك لا يبرح أعداء الإسلام الظالمون يقولون أن القرآن الكريم استمال قلوب القوم إلى الإسلام بشتى الإغراءات! (ستيارث بركاش (ترجمة أردية) طبعة 1939 باب 14 ص 696).

انظروا كيف انقطع النبي وصحابته عن الدنيا رغم ممارستهم السلطة والحكم، وضربوا في هذا المجال أروع مثال بحيث لا تزال قلوب أولي الألباب ترقص من ذكراه طربًا، رغم مرور 13 قرنًا على ذلك.

إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (100)

التفسـير:
يظن البعض أنه من المستحيل أن يحب الإنسان ربه وهو منشغل بأمور الدنيا، حيث نُسب إلى المسيح في الإنجيل القول التالي: “إن مرور جَملٍ مِن ثَقْبِ إبرةٍ أَيْسَرُ مِن أن يدخل غنِـيٌّ إلى ملكوت الله” (متى 19: 24)، وأيضًا: “ما أَعْسَرَ دخولَ ذوي الأموال إلى ملكوت الله، لأن دخول جَملٍ مِن ثقبِ إبرةٍ أيسرُ من أن يدخل غني إلى ملكوت الله” (لوقا 18: 24 و25)؛ لذا كان من الممكن أن يطعن أصحاب هذا الرأي في القرآن فيقولوا: ما دام من المحتمل أن يؤدي خبر الفتوحات المادية إلى ضعف إيمان البعض فلماذا بشر القرآن أصلاً بالغلبة المادية؟ فردّ الله على ذلك مفنّدًا قولهم: إنما يتغلب الشيطان على ضعاف الإيمان دومًا، أما المؤمن الحقيقي فإنه رغم انشغاله بشؤون الدنيا لا يتغافل عن الدين؛ وتحذيرنا هذا موجَّه إلى ضعاف الإيمان فحسب، لأن الذين هم أقوياء الإيمان فعلاً لن يتهاونوا في الدين بسبب واجباتهم الدنيوية. وكأن الإسلام يعلّمنا أن نكون مصداقًا للمثل القائل: قلبي مع الحبيب ويدي في الشغل. وهذا هو المقام الأعلى، ومن أجل ذلك لم يأمر الإسلام بترك الدنيا كلية، بل حثنا على إصلاح أهلها مع قيامنا بالشؤون الدنيوية. ذلك لأنه لو تم الفصل بين الأبرار والدنيا لما أمكن إصلاح أهلها أبدًا. أما إذا صار زمام الأمر في أيدي أولئك الذين يتمسكون بالعدل والإنصاف والتقوى، رغم تملُّكهم الحكم والسلطة، فعندئذ هناك إمكانية لإصلاح الدنيا بتقديم نموذج مثالي للآخرين. انظروا كيف انقطع النبي وصحابته عن الدنيا رغم ممارستهم السلطة والحكم، وضربوا في هذا المجال أروع مثال بحيث لا تزال قلوب أولي الألباب ترقص من ذكراه طربًا، رغم مرور 13 قرنًا على ذلك.

Share via