نحن دعاة لا قضاة

__

من المعروف أن غاية بعثة الانبياء هي هدايةُ الناس لربهم وإصلاح حالتهم الروحانية والأخلاقية، بأسلوب مفعم بالرحمة واللطف واللين التي تعكس حالة الحب التي يكنها هؤلاء الأبرار لخلق الله التائهين في الظلمات والشوق لإخراجهم منها إلى النور، فلا غرو أن الله عزوجل خاطب حبيبه محمدًا مواسيا:

فلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ (فاطر 9).

فهذه هي الحالة الشعورية الوجدانية العاطفية التي تختلج قلوب هؤلاء المصطفين الأطهار الذين وُصفوا بالمبلغين والمبشرين والمهديين، فلم يُبعثوا من الله عزوجل من أجل تصنيف الناس أو إعطاء صكوك غفران أو إصدار أحكام كفرية. لم يعطوا علم شق القلوب أو ما تَكُّن النوايا حتى يحاسبوا الناس على مقاصدهم أو تفسيراتهم. باختصار قال تعالى:

فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (الرعد41)

وقديما قال السلف “إذا كان في المسألة وجوه توجب التكفير ووجه واحد يمنع التكفير فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الذي يمنع التكفير، تحسينا للظن بالمسلم “، وقالوا: “يجب الاحترازُ من التكفير في أهل التأويل، فإن استباحة دماء المصلين الموحدين خطر، والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم واحد. [الشفا: 2/ 277]. كم هم أتقياء هؤلاء السلف؟ فهم يتورعون عن التكفير لأنهم يعلمون أن من كفر مسلما فقد كفر ولأنهم يعلمون أن واجبهم هو إصلاح حال هذا الشخص ومواساته وهدايته وبيان خطئه بالحجة والبرهان وبالتي هي أحسن  بدلا من إطلاق رصاصة التكفير والحكم بردته وبالتالي هدر دمه.
لقد خطى مسلك التكفير منحنى خطيرا جدا  في هذه الأيام فأصبح الكافر هو من يختلف مع المكفَّر بوجهات النظر، لذا نسمع اليوم أن هناك جماعة تؤمن بأركان الإسلام والإيمان ومع ذلك يُحكم على أفرادها بالكفر والردة ومن خلال محكمة رسمية ليفقد أبناء هذه الجماعة حقوق المواطنة  وبالتالي يمارس ضدهم مختلف أشكال الاضطهاد المدني والديني والاجتماعي  وو…
لقد حذر الرسول من هذا الداء الخطير ونهى عنه، فلم يحكم بردة وكفر أحد إلا من أعلن عن نفسه أنه مرتد أي أعلن أنه ترك الإسلام. لذا لم يحكم بكفر المنافقين وعاملهم على الظاهر بالرغم من أنهم في الحقيقة كفروا. كما أنه عليه السلام اعتبر  كل من تلفظ بلا اله إلا الله مسلما مهما كانت الظروف والدوافع وراء تلفظه، كما أنه لم يبحث عليه السلام أو يسأل هذا المتلفظ عن أي فهم أو قول أو فعل ينقض لفظ الشهادة حتى يحكم بكفره.
وأخيرا فمما لا شك فيه أن بدعة التكفير  دخيلة على الإسلام، وأدخلت لدوافع سياسية وخاصة في عصر غياب الخلافة الراشدة، ولا تزال تستخدم سلاحا قويا لتحقيق أهداف سياسية لأجندة داخلية وخارجية، مما جعل هذه البدعة جوهرا أساسيا في الثقافة الدينية التي تأسست عليها مناهج التربية الإسلامية في المؤسسات التعليمية، ليصبح رجل الدين أو الشيخ قاضيا وتكفيريا بدلا من أن يكون مبلغا أو داعيا الى الله متأسيا برسل الله.

Share via
تابعونا على الفايس بوك