مُحَمَّدٌ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْقِذُ الإنْسَانِيَةِ

عبد القادر مدلل

كاتب
  • لا أبغض الإنسان بل الشر الذي فيه.
  • القاعدة الأساسية تقوم عليها الرسالة الإسلامية هي غرس حب ذلك الخالق.
  • في زمن الغربة سينزل الله تعالى مجددا للرسالة المحمدية.

لو أن أحدهم سألني آيةً قرآنية تلخص الغايةَ من الرسالة الإسلامية، لتلوت عليه قولَ الله :

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (1)،

أي أنك يا محمد أُرْسِلتَ رحمةً للإنسانيةِ ومنقذًا لها، فتعاليمُك تدعو لخدمةِ الإنسانيةِ وتوطيدِ الأمنِ والسلامِ العالميِّ؛ فرؤيتُك ليست إقليميةً أو قوميةً – إنك أُرسلتَ من الله الذي هو ربِ العالمين وليس ربِ المسلمين أو العرب فقط، أُرسلتَ من ربٍّ رحيمٍ نظر إلى حالِ البشريةِ فوجدها على حافةِ الهاويةِ غارقةً في الظلمات.
لقد أجمع المؤرخون على أنّ القرنَ السادسَ الميلاديَ- زمنَ بعثةِ الرسولِ – كان من أحطِّ أدوارِ التاريخ الذي وصلت إليه البشرية. والسببُ هو أَنّ جوهرَ تعاليمِ الدياناتِ السماويةِ قد غاب عن جميعِ مناحي الحياة، وتحولت الدياناتُ إلى نسجٍ بشريٍ مبتدَعٍ، وباتت منظومةُ القيم والاخلاق الإنسانيةِ مهترئةً ممسوخةً، وتحول الدين إلى وسائلِ استثمارٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ واقتصاديةٍ عند الكهنة ورجال الدين، وهذا ما يحدث الآنَ أيضًا، ولذلك فقدت البشريةُ حالةَ السلامِ والأمنِ التي هي مبتغى الرسالاتِ السماوية. إنّ وصفَ حال البشرية هذه عبّر عنه الرسولُ فيما يَرويه عن ربه أنه قال:

«وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ»(2)

إن هذه الحالةَ التي وصلتْ إليها البشريةُ في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها، استدعتْ تدخلَ العنايةِ الإلهيةِ لإِعادةِ بناءِ أساساتِ الحضارةِ الانسانيةِ ومقوماتها ولكنْ بشكلِها النهائيِّ والأخير على يد ذلك الإنسانِ الكاملِ مظهرِ الرحمةِ والرحيميةِ الإلهيةِ محمدٍ المصطفى الذي حُمِّلَ هذه الأمانةَ الثقيلةَ وأُهِّلَ لها، تلك الأمانةَ التي أبت السماواتُ والأرضُ والجبالُ أن تحملَها وحملها الإنسانُ أي محمدٌ الذي ظلم نفسَه وأجهدها من أجلِ سعادةِ الإنسانية.
في هذا المقال سأسلطُ الضوءَ على ثلاثةِ محاورَ أساسيةٍ كانت وراءَ قيامِ الحضارةِ الإسلامية. وإذا ما أردنا استعادةَ دورِ الإسلامِ الحضاري الإنساني في الوقت الحالي فلا بدّ من الإنطلاقِ من هذه المحاورِ الأساسيةِ، والعملِ على إحيائِها من جديد … وأعتقد أن الجماعةَ الإسلاميةَ الأحمديةَ التي أسسها الإمامُ المهديُ والمسيحُ الموعودُ عليه السلام تسعى لتحقيق ذلك؛ بل مَهمتُها هي إحياءُ الإسلامِ وإعادةُ دورِه في الحياةِ الإنسانيةِ من خلالِ إحياءِ وتجديدِ هذه المحاورِ والأساساتِ الثلاثة.

وكيف أستطيع ألا أُبغِض إنسانا كافرا فاسقا معتديا؟ إنما فقط أُبغِض الشرَّ الذي فيه، ثم أسعى جاهدا لاصلاحِه بدافع الايمانِ والمحبةِ لله عز وجل القائل: وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَان ولم يقل كرَّه إليكم الكافرَ والفاسق والعاصي. كيف يحدث هذا كلُّه دون نفخةٍ روحانيةٍ تحيى موتى القلوب فتتوحدَ الأجسادُ من جديد؟!

المحور الأول: هو الإيمان … القاعدة التي تتأسس عليها الحضارةُ الإنسانيةُ هي أنَّ الإيمان والحب الخالص الصادق لهذا الخالقِ هو القاعدةُ المتينةُ التي تُبنى عليها منظومةُ الأخلاقِ والقيم. واذا ضعُفت قاعدةُ الإيمانِ الحقيقي ضعُف المبنى وأمستْ منظومةُ القيمِ والأخلاقِ في حالةِ والاحتضارِ؛ ولم يبقَ منها إلا بَريقٌ زائف. إن الايمانَ هو الماءُ الروحانيُ الذي تُروى به شجرةُ الأخلاقِ؛ وإذا جفّ هذا الماءُ ذبُلت شجرةُ الأخلاقِ وأُجِيحت من الإهان. أيَُّ حضارةٍ لا تُروى بهذا الماء الزلال لا يمكن لها أن تدومَ وإن حققت منجزاتٍ ماديةً هائلةً، ولا يمكن لها أن تكون مؤهلةً لقيادةِ الإنسانيةِ نحو السعادةِ وتحقيقِ العدلِ والأمنِ والسلامِ العالميِّ، لأنها في النهايةِ ستسعى لتحقيقِ مصالحِها الذاتيةِ وسعادةِ شعوبِها على حساب الشعوب الضعيفة الفقيرة؛ بل إن هذه الحضاراتِ الماديةَ الجشعةَ ربما ستقود البشريةَ إلى الكارثةِ والدمارِ وحروبِ الإبادة.
إن القاعدةَ الأساسيةَ التي تقومُ عليها الرسالةُ الإسلاميةُ هي غرسُ حبِّ ذلك الخالق والإيمانِ به في القلوب. لذا كان يختلي بحبيبه حتى تتورم قدماه…ذلك العابدُ الذي ذابتْ روحُه في حب الله، وذَبَحَ نَفْسَهُ وَقُوَاهُ، وذبح النفسَ الأمارةَ لِرِضَى رَبِّ الْخَلِيقَةِ، وَذَبَّ الْهَوَى حَتَّى تَهَافَتَ وَانْمَحَى، وَذَابَ وَغَابَ وَاخْتَفَى، وَهَبَّتْ عَلَيْهِ عَوَاصِفُ الْفَنَاءِ، وَسَفَتْ ذَرَّاتِهِ شَدَائِدُ هذِهِ الْهَوْجَاءِ فكانت عبوديةُ هذا العبدِ المتفاني في الله لا لذنبٍ فَعَله ولا طمعاً في جزاءٍ من حبيبه، بل كانت شكرا وامتنانا لذلك الحبيبِ الذي سكن قلبَه، فسكن حبُّ البشريةِ والإنسانيةِ ومواساتُها والتفاني من أجل إصلاحِها والتحسرُ على حالتِها والتضرعُ إلى الله من أجل هدايتها وإخراجها من مستنقعِ تخلفِها وانحطاطِها. سكن هذا الحبُ للبشريةِ في فؤادِه . فقال له الله مواسيا:

فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ (3)…

إن هذا الحبَّ للجنسِ البشريِّ هو علامةُ الإيمانِ الحقيقيِ الصادقِ الذي يجعل المؤمنَ لا يسعى لتحقيق العدالةِ والمواساةِ للناسِ جميعًا فحسب بل أكثرَ من ذلك، أن يكونَ الناسُ له كالأقاربِ، فيسعى لخدمتِهم ومعونتِهم بعاطفةٍ ورغبةٍ فطريةٍ طبيعيةٍ وتلك أعلى مراتبِ الإيمان.
إن هذه العلاقةَ بالله عزوجل تغرسُ التقوى وتطهرُ النفوسَ وتنوِّرُ العقولَ، فتنالَ الأمةُ المأمورةُ رقيًا روحانيا يؤهلُها لقيادةِ الإنسانيةِ وخدمتِها وسعادتِها. إننا نتساءل: كيف يتحقق فينا وصف الله :

وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ (4)

وكيف تُطفأُ فينا جذوةُ الانتقامِ والتعصبِ والكراهيةِ والأنانيةِ؟ وكيف تُحرق أهواءُ النفسِ وجذباتُها؟ وكيف تسود الأُلفةُ بين الأوسِ والخزرجِ والمؤاخاةُ بين المهاجرين والأنصار؟ وكيف يكون من بينك وبينه عداوةٌ كأنه وليٌّ حميم؟ وكيف أستطيع ألا أُبغِض إنسانا كافرا فاسقا معتديا؟ إنما فقط أُبغِض الشرَّ الذي فيه، ثم أسعى جاهدا لاصلاحِه بدافع الايمانِ والمحبةِ لله القائل:

وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ (5)

ولم يقل كرَّه إليكم الكافرَ والفاسق والعاصي. كيف يحدث هذا كلُّه دون نفخةٍ روحانيةٍ تحيى موتى القلوب فتتوحدَ الأجسادُ من جديد؟! لن تؤلِّفَ اللغةُ ولا الثقافةُ ولا أموالُ النفطِ ولا الاتصالُ الجغرافيُ ولا المصالحُ المشتركةُ ولا حتى وجودُ العدوِّ المشتركِ، بل كما قال :

لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ (6)

لقد أطلقَ حضرة الخليفة الثالث مرزا ناصر أحمد (رحمه الله) عبارةً تُكتب بماءِ الذهبِ، تلخصُ هذه القاعدةَ التي تُبنى عليها الحضارةُ الإنسانيةُ العالميةُ حيث قال «الـحُبُّ لِلْجَمِيعِ وَلاَ كَرَاهِيةَ لأَحَدٍ» يقول مؤسس جماعتنا :

«لقد شاء الله تعالى أن يخلقَ هذه الجماعةَ ثم يَهَبَها تقدما ليُظهرَ جلالَه ويريَ قدرتَه ولكي يَنشرَ في الدنيا حبَّ الله تعالى والتوبةَ النصوحَ والطهارةَ والبِرَ الحقيقيَّ والأَمنَ ومؤاساةَ البشر» (7)

المحور الثاني: هو الأثرُ والتغيرُ الأخلاقيُ والروحانيُ والفكريُ الذي أحدثه في المؤمنين به حتى وصفه المعارضون بالساحر لقوة تأثيره في مَن آمنوا به. وهذا السببُ الذي حدا بالمفكر الغربي «مايكل هارت» أن يضع رسولَ الله على رأسِ المائةِ الأوائلِ العظماءِ الذين ظهروا عبر التاريخ الإنساني، إن هذا الأثرَ نابعٌ من القوةِ القدسيةِ والهالةِ الروحيةِ والخُلُقِ العظيمِ الذي كان يتفردُ به ، فلقد كان مظهرا وتجليا لصفة الله الرحيمية أي أصبح رحيما كما قال الله عنه:

حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (8)..

لقد اختُبِرتْ أخلاقُه في الشدة والرخاء، فقد «كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ»(9)، أي كان نموجا عمليا لكل التعاليم التي نزلت عليه من الله ، فإذا ما أردنا أن نحيي التعاليم الإسلامية فلنتمثلها عمليا في حياتنا… فإنه لم يثأر لنفسه قط كما هي طبيعة النخوة العربية والحميَّة الجاهلية إزاء الاعتداء. لم يثأر من قريش ولم يثأر من أهل الطائف رغم أنه كان بامكانه أخذُ حقِه، ولم يكن ضعيفا كما يُزعَم، بل عرض عليه ملَكُ الجبالِ أن يطبقَ علهيم الجبلين، ولم يدعُ حتى لهلاكهم بسبب سوء أعمالهم واعتدائهم وكفرهم، بل دعا الله بحرقةٍ وألمٍ وشفقةٍ من أجل إصلاحِهم، بل عفا عنهم.
لقد كان مظهرًا لصفة الله الرحمانية والرحيمية في كل تفاصيلِ حياته…نحن بحاجةٍ إلى أن نتخلقَ مثله بأخلاقِ الله وأن نكونَ مظهرا لصفاته .
ما الذي رآه زيدُ بنُ حارثةَ حتى يختارَ العيشَ معه خادمًا له بدلا من العيش مع والديه حرا؟ ما الذي رأته زوجتُه خديجةُ حتى وهبته النفسَ والمال؟ ما الذي رأته عائشة حتى قالت عنه: «كان خلقُه القرآن»؟ ما الذي رآه العربُ منه حتى دعوه بالصادق الأمين؟ ما الذي رآه الصحابة منه حتى فدوه بأنفسهم وتركوا ديارَهم وأهلَهم وأوطانَهم من أجله؟ بل فاقَ حبُّهم له حبَّهم لعيالهم وأبنائهم.

«قَد آثروك وفارَقُوا أحبابَهم وتَباعَدُوا مِن حَلْقة الإخوانِ» (10)

ما الذي رآه ألدُّ خصومِه ومن ارتكبوا الجرائمَ بحقه وحقِّ أهلِه وصحابتِه حتى يشعروا بالثقةِ والأمانِ والطمعِ في عفوِه فيقولوا له: أخ كريم وابن أخ كريم؟…ما الذي رآه منه اليهوديُ حتى يقبلَ بحكمه بينه وبين المسلم؟ ما الذي رآه أهلُ المدينة حتى نصبوه حاكما عليهم؟ ما الذي رآه من تربوا على العادات والتقاليد الجاهلية وانغمسوا فيها طوالَ حياتهم حتى انسلوا منها وانسلخوا عنها بين ليلة وضحاها طوعا منهم وحبا له؟
إخواني، إنه الإيمان، إنه هذا الأثرُ القدسيُّ للرسول هو من حوَّلَ البشر الهمجيَ الوحشيَ إلى إنسانٍ متحضرٍ متمدن. كان على استعدادٍ أن يقدِّمَ أغلى ما يملكُ رغم فقره من أجل أن ينشرَ هذه التعاليمَ الإنسانيةَ، وكان مقدرا لهذه التعاليم أن تشيدَ حضارةً إنسانيةً عظيمة..

«أَحييتَ أمواتَ القرونِ بِجَلْوةٍ
ماذا يُماثِلكَ بهذا الشانِ؟!» (11)

لقد بعث الله في هذا العصرِ مؤسسَ الجماعةِ الإسلاميةِ الأحمديةِ ليكونَ خادمًا لتعاليمِ حبيبِه محمدٍ وليحييَ من جديدٍ ذلك الأثرَ الروحيَ والأخلاقيَ والفكريَ في المنضمين لجماعته، ذلك الأثرَ الذي تركه معلمُه الأولُ في صحابته .

المحور الثالث: طبيعةُ التعاليمِ التي امتازت بها الرسالةُ المحمديةُ، وهي تعاليمٌ تحققُ الوحدةَ والسعادةَ للإنسانية. إن المتأمل في هذه التعاليمِ يجِد أنّ الإسلامَ لم يسعَ لإقامةِ نظامٍ سياسيٍ أو يمكِّنَ له على بقعةِ أرضٍ لتكونَ منطلقا لهدي العالم بالقوةِ والإجبارِ كما يظن البعضُ وكما يفعلون، أو ينتظرون، نتيجة تصوراتهم حول شخصية المهدي المنتظر، هذه الشخصية الأسطورية الدموية التي ستضع العالم أمام خيارين: إما الإسلام أو القتل لأن الخيار الثالث (الجزية) غير مقبول في زمن المهدي، نعوذ بالله من هذه الأفكار الشريرة.
إن التعاليمَ الإسلامية المحمدية تشكِّلُ دستورًا لإقامةِ الدولةِ الإنسانيةِ العالميةِ. إن مهمةَ جماعةِ المؤمنين هي عولمةُ هذه التعاليمِ الزاخرةِ بالمبادئِ والقيمِ الروحيةِ والأخلاقيةِ والاجتماعيةِ النبيلةِ التي تؤدي في النهايةِ إلى قيامِ هذا الكيانِ الإنسانيِ العالميِ. في هذا الكيانِ يعيشُ المواطنُ بأمنٍ وسلامٍ وسعادة. في هذا الكيانِ الإنسانيِّ تكونُ جنسيةُ المواطنِ هي «إنساني»، في هذا الكيانِ الإنسانيِ يختلفُ كلُّ مواطنٍ في عرقِه وجنسِه ودينِه وثقافتِه، فالجميع له هذه الخصوصيةُ، لكنهم متحدون في مواجهة المشكلاتِ والتحدياتِ والمخاطرِ الطبيعيةِ والبشريةِ التي تهدد هذا الكيان الإنساني العالمي، حيث يقع الدورُ الأكبرُ والمسؤوليةُ الكبرى على عاتق القوى الكبرى التي تمتلكُ الخبراتِ والإمكاناتِ في هذا الكيان الإنساني.. .في هذا الكيان ننظر إلى تحقيق أمن الإنسان العالمي، لا الأمنَ القوميَ أو الوطنيَ أو العرقيَ أو الدينيَ فقط.
لقد سنحت الفرصة للرسولِ في المدينةِ لإقامة هذا النموذجِ المدنيِ الذي لا يزال دستورُه محفوظًا تستمد منه النظمُ الحديثةُ أُسس الدولةِ المدنيةِ الحديثة. وفي الدولة الإنسانية التي نسعى لتشيدها، هناك مبادئ أساسية:
* أن تحبَ لأخيك ما تحبُ لنفسِك. *فإذا الذي بينك وبينه عدواةٌ كأنه وليٌ حميم. *وتعاونوا على البر والتقوى. *لا إكراه في الدين. *لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين. *ومن يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة. *لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على على عربي في هذه الدنيا. *أحَبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس.
هذا هو جوهرُ الرسالةِ المحمدية ومبتغاها، لذلك كلُ من درسوا سيرتَه بإنصافٍ وموضوعيةٍ انعكست في كتاباتهم هذه الحقيقة الناصعة.

يقول جورج برناردشو:

«يجب أنْ يسمّى محمد منقذَ البشرية، وفي رأيي أنّه لو تولّى أمر العالم اليوم لَوفّق ….. لو تولى العالَمَ الأوروبيَّ رجلٌ مثل محمد لشفاه من علله كافة».

أما الفيلسوف الروسي «ليو تولستوي» فيقول:

«إن محمداً كان من عظماء الرجال، فقد قدم ببعثته خدمةً كبيرةً للبشريةِ، فهي فخرٌ وهدى للناس، وهي التي أرست دعائمَ الصلح والاستقرارِ والرخاءِ، وفتحت طريقَ الحضارة والرقيِّ للأجيال».

إن أيَّ فهمٍ سقيم أو رواية مهترئة تناقض جوهرَ تعاليمِ الرسالةِ الإسلاميةِ التي هي رسالة الرحمةِ والانسانيةِ لَهيَ جسمٌ غريبٌ ودخيلٌ ستلفظُه كلُّ فطرةٍ طاهرةٍ وعقلٍ سليم. أقول وبكل أسف أن كثيرا ممن درسوا سيرةَ الرسول أَغفلوا الجانبَ الإنساني لشخصيةِ الرسول الأعظم والرسالةَ التي جاء بها مقارنةً مع ما كُتب حول غزواتِه والطريقة التي فسروها بها، حتى أصبحت الثقافةُ السائدةُ ثقافة الروايات المسيئةِ، كرواية «جئتكم بالذبح»، أو فكرةِ «انتشار الاسلام بالسيف»، أو فكرةِ قتل المرتد، أو فكرةِ تخطيط الرسول لقيام كيان سياسي من أجل السيطرة على الكيانات الأخرى، وغيرها من الفِكَرِ التي تتنافى مع خُلُقه الإنسان الكامل الذي هو منقذ الإنسانية وخادمها والمحسن إليها. إن هذا الجانبَ المحوريَ الجوهريَ في شخصيةِ الرسول يكاد يكون باهتا في ثقافتنا أو في تصوراتنا عن هذا الانسان الكامل ، بل إن بعضَ الفرق الإسلاميةِ أو أحزاب الإسلام السياسي قدمت وبكل أسف صورةً مغايرةً تماما لهذه الحقيقة من خلال ممارساتها اللإنسانية المتمثلة في اعتداءاتِها المتكررة على الأبرياءِ والمقدساتِ وإثارةِ النعراتِ الطائفيةِ والفوضى والفتنِ الداخليةِ وتشريع الانقلاباتِ والثورات، حيث تحولت هذه الفرق والأحزاب إلى أدواتٍ تخدمُ أجنداتٍ سياسيةٍ متصارعةٍ متسترةٍ بعباءةِ الدين.
وأغرب الغرائب أن يُوضعَ من كان مثالا فريدا للإنسانية في قفصِ الاتهامِ طعنا في إنسانيته، والمجرمون يتحدثون باسمِه وبكل أسف، حتى بدت تعاليمُ الإسلامِ غريبةً وتحققت نبوءةُ الرسولِ في الزمن الاخير: «إِنَّ الْإِسْلَامَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ» (12) لكن هناك نبوءة أخرى تحمل بشارة مفادها أنه في زمن الغربةِ والظلامِ الأخيرِ سيبعث الله مجددا خادما للرسالةِ المحمدية يُعيدُ الإيمانَ الضائعَ (المحور الاول) ويحدث الأثر والانقلاب الروحاني والأخلاقي والفكري في النفوس الطهارة الصادقة (المحور الثاني) ويُظهرُ جمالَ وجلالَ تعاليمِ الإسلامِ الحقيقيةِ التي تشكل مبادئ قيام الكيان الإنساني (المحور الثالث)… لقد سُخِّر هذا المحامي المتفاني وجماعتُه المتفانيةُ في هذا العصر لنشرِ تعاليمِ الإسلام الصحيحةِ بعد أن تمَّتْ إعادةُ قراءةِ هذه التعاليمِ من جديد ولكن في ضوء الوحي الإلهي.

1. الأنبياء: 108
2. صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها.
3. فاطر: 9
4. آل عمران: 135
5. الحجرات: 8
6. الأَنْفال: 64
7. الخزائن الروحانية المجلد 3 ومجموعة الإعلانات المجلد 1
8. التوبة: 128
9. مسند أحمد، كتاب باقي مسند الأنصار
10. كتاب التبليغ، ص 152
11. كتاب التبليغ، ص 153
12. صحيح مسلم، كتاب الإيمان