مَهَامُّ الخِلَافَةِ مِن الدُّعَاءِ الإِبْرَاهِيمِيِّ

عطية بنداري

كاتب
  • ما الأصل الذي يُستند إليه في تحديد مهام الخلفاء؟
  • ما السر الكامن في أن مهام الخليفة هي نفسها مهام النبي؟!
  • لماذا عدَّ المصلح الموعود مهام النبوة والخلافة ثمان مجملة في أربع؟!
  • لماذا نحن متيقنون من عون الله تعالى للخليفة على أداء واجباته على النحو الأكمل والأتم؟!

قال الله تعالى:

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (1) 

ولقد أشار حضرة الخليفة الثاني عند توليه منصب الخلافة عام 1914م، ثم في التفسير الكبير بعد ذلك، أنَّ هذه الآية هي مِفتاح مضامين سورة البقرة، وأنَّ مواضيعها هي نفس مواضيع السورة، ورُتبت بنفس الترتيب، وأنَّه بشيء من التدبر لم يجد من عمل يتعلق بإصلاح العالم إلا شمله هذا الدعاء. إذًا، فإنَّ مهمة النبي تتلخص في الإصلاح بشتى مظاهره.
بالتأمل في أهداف الأنبياء عليهم السلام، وخلفائهم من بعدهم، نُدرك بسهولة أنَّها هي نفسها، لأنَّ مهمة الخليفة أن يُتابع أعمال سَلفِه، فمهمّةُ الخليفة هي في الواقع مهمة النبي، فالتدبر في هذه الآية يبين مهام النبي من ناحية وأعمال الخليفة من ناحية أخرى. وعن مهام الأنبياء وخلفائهم بيَّن حضرته الآتي:

المهمة الأولى:     

  يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ

أي يتلوا على الناس آيات الله تعالى. ومعنى الآية: السِّمةُ والدليلُ الذي يدل على شيء، فالمراد من تلاوة النبي آياتِ الله تعالى، أن يُقدم للناس البراهين الدالة على وجود الله تعالى وتوحيده، والتي فيها تصديق لملائكته ورسله وكتبه. فقد بيَّن الله تعالى في هذه الآية أنَّ على النبي أن يذكر للناس ما يقودهم إلى الإيمان بالله وكتبه ورسله. فالمهمة الأولى للنبي وخليفته هي تبليغ الحق والدعوة إلى الخير. إنَّه يدعو الناس إلى الحق ويدعم دعوته بالدلائل والآيات، وبتعبير آخر إنَّه يقوم بالدعوة والتبليغ. وبذلك فإنَّ تلاوة الآيات تتضمن بيان الدلائل على وجود الله تعالى والملائكة وضرورة النبوة وصدْق النبوة المحمدية وصدْق القرآن الكريم وضرورة الوحي والإلهام وقضاء الله وقدره والقيامة. وبصدد «تلاوة آيات الله»، قال الله تعالى في هذه السورة:

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (2) 

أي أنَّ في هذه الظواهر دلائل كافية للعاقلين على وجود الله والملائكة والكلام الإلهي والنبوة.

فالمراد من تلاوة النبي آياتِ الله تعالى، أن يُقدم للناس البراهين الدالة على وجود الله تعالى وتوحيده، والتي فيها تصديق لملائكته ورسله وكتبه.

المهمة الثانية:

وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ

يمر الإنسان بمرحلتين في إصلاح أحواله الأولى: بعد أن يؤمن بوجود الله تعالى، وببعثة الرسل من عنده، ونزولِ ملائكة الله عليهم، ونزولِ الكتب السماوية بواسطتهم، تليها المرحلة الثانية: وهي مرحلة الأعمال، ذلك لأن المرء حين يُؤمن بالله سبحانة وتعالى ينشأ لديه تساؤل عمَّا يتعين عليه من أعمال، فالشريعة السماوية هي التي تسد هذه الحاجة. إذًا، فالمهمة الثانية للنبي أن يُعلِّم هؤلاء الجُددَ الشريعةَ الإلهية. ولا بد من العمل بالتوجيهات والأحكام التي تأتي عن طريق رسل الله. فالمهمة الثانية للنبي هي أن يُعلِّم الناس أحكام الله وفرائضه، لأن من معاني (الْكِتَابَ): الشريعةَ والفرائض، فبيَّن في سورة البقرة، وبايجاز، أبرز أحكام شرع الإسلام بقوله في كل مرة: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ).. ومثاله في القرآن قوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ . وبذلك يكون معنى (تعليم الكتاب).. أي يجب على النبي أو الخليفة أن يُوجِّه أنظار المسلمين إلى الشريعة مرة بعد أخرى، ويُذكِّرهم بالاستجابة لأوامر الله وأحكامه على الدوام، وإذا لاحظ تهاونًا فليسعَ لإزالته. فتذكروا جيدًا أنَّ أولى مهمات النبي هي إدخال الناس في الإسلام، وثانيتها أن يُعلّمهم الكتابَ ويحثّهم على العمل به.

المهمة الثالثة:

وَالْحِكْمَةَ

لقد أمرنا الله تعالى في القرآن الكريم بقوله: وأَقِيمُوا الصَّلاةَ (3)، وهذا الحُكم يندرج تحت قوله تعالى:
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ . أما قوله تعالى: إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ (4)، فقد بيَّن الله تعالى فيه حكمة الصلاة والغرض منها، كما بيَّن حكمة الركوع والسجود والقيام والقعود فيها في أماكن أخرى.
باختصار، إن قوله تعالى: يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ .. يعني أن النبي ينفخ فيهم من روح الإيمان، وقوله تعالى:
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ .. يعني أنه يحثهم على العمل بعد الإيمان، وقوله تعالى: (والحكمة).. يعني أنه يُبين لهم حقيقة الأحكام وحكمتها ليقوموا بها برغبة وحماس. ولذلك ذكر الله تعالى في سورة البقرة أغراضَ الشريعة وأسرار التقدم القومي بعد ذكر أبرز الأحكام الشرعية، فبيَّن بسرد وقائع إبراهيم وطالوت كيف تتقدم الشعوب وكيف تحيا الأقوام الميتة، لذا عليكم أن تسيروا على خُطاهم. وقد قال في هذا الموضع خاصة:
ومن يُؤت الحكمة فقد أُوتيَ خيرًا كثيرًا (5).
ليُشير إلى أن هذا الرسول قد حقق المهمة الثالثة أيضًا بتعليمه الحِكمَ. فمثلًا قد قال الله تعالى في قصة طالوت بأنه أمر اتباعَه ألا يشربَ أحدهُم من نهر، ومَن شربَ منه عاقبَه بفصله عنه، وبذكر هذا المثال علَّمنا الله أنَّ مَن لا يمتثل للحُكم الصغير، فكيف يُرجى منه أن يستجيب لأحكام كبيرة؟ كما بيَّن الله تعالى بذلك كيف تجب طاعةُ الحاكم في الحرب. ثم أخبر أن الخلفاء دومًا يتعرضون للاعتراض، لكن الله تعالى يكتب لهم الغلبة في نهاية المطاف.
وبذلك فمن مهام الخليفة أن يُـــــبـــيـِّن أغراض أحكام الله وأسرارها، لأن الاطلاع عليها يُولِّد في قلب المرء شوقًا ورغبة في العمل بأحكام الله تعالى.

المهمة الرابعة:

وَيُزَكِّيهِمْ

ثم قال الله تعالى: (ويُزكيهم).. أي يُطهرهم بعد تعليمهم الحكمة. غير أن التزكية ليست بوسع أي إنسان، بل الله هو الذي يُزكي من يشاء، وهو وحده القادر على ذلك. وهنا ينشأ تساؤل: إذا كانت التزكية من فعل الله وحده، فلماذا قال الله تعالى هنا في وصف النبي: (ويُزكيهم)؟ الجواب هنا بإيجاز: إن الله تعالى نفسَه قد أخبر عن طريقة تزكية النبي للناس، ألا وهي الدعاء. فالمراد من قوله تعالى: (ويُزكيهم) أنه يدعو ويتضرع إلى الله تعالى لتزكيتهم. ولذلك أنهى الله تعالى سورة البقرة بالدعاء، ليُعلّم أن طريق التزكية هو الدعاء. فعلى النبي أن يُركّز على الدعاء ويحثّ أتباعه أيضًا على الدعاء. وبذلك فمن واجبات الخليفة تزكيةُ القوم.
إنَّ مهمة النبي تتمثل في التبليغ والدعوةِ أو جعْلِ الكافرين مُؤمنين بحسن البلاغ والتلاوة، وإقامةِ المؤمنين على الشريعة، ثم إطلاعِهم على أدقِّ الطُرق المطابقة للحكمة، ثم التزكيةِ. وهذه هي أعمال الخليفة أيضًا.

ثماني مهام لا أربع

في معرض بيانه لمهام الخلافة، رأى الخليفة الثاني للمسيح الموعود (رضي الله عنه) أن هذه المهام الأربع من العمق بحيث تنطوي على المزيد من المعاني، بحيث صارت ثماني، وقد وضح حضرته (رضي الله عنه) مقصوده من خلال البيان التالي:
أولاً: قوله تعالى يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ .. أفسّره بمفهومين.. أولهما أنه يتلواْ آيات الله على الكافرين فيجعلهم مؤمنين.. أي أنه يقوم بالدعوة والتبليغ، وثانيهما أنه يقرأ على المؤمنين آيات الله.. أي أن من مهمته تصحيح الإيمان وتطويره أيضًا. وهكذا صارت المهمة الأولى مهمتين.

إنَّ مهمة النبي تتمثل في التبليغ والدعوةِ أو جعْلِ الكافرين مُؤمنين بحسن البلاغ والتلاوة، وإقامةِ المؤمنين على الشريعة، ثم إطلاعِهم على أدقِّ الطُرق المطابقة للحكمة، ثم التزكيةِ. وهذه هي أعمال الخليفة أيضًا.

ثانيًا: قوله تعالى ويُعلمهم الكتاب .. إذ أن القرآن الكريم موجود فالمراد الحقيقي من تعليم الكتاب، تعليم القرآن وتفهيمُه وتفسيرُه. أي إنشاء مدارس لتعليم القرآن، ومعاهد أخرى لتعليم معاني القرآن وتفسيره بالإضافة إلى علومٍ أخرى خادمةٍ للقرآن الكريم. وفي هذه الحالة يتضمن «تعليمُ الكتاب» إشارة إلى إنشاء المدارس الدينية وتكميل أهدافها، كما يُشير إلى مهمة أخرى وهي جَعْلُ الناس يعملون بتعاليم القرآن الكريم، لأن التعليم نوعان: أحدهما تدريس الكتاب، وثانيهما جَعْلُ الناس يعملون بحسبه.
ثالثًا: قوله تعالى (والحكمة).. يشمل وضْعَ الخطط لبيان حكمة الكتاب ثم تنفيذها، لأن هذه الفريضة تتضمن إطْلاع الناس على أسرار أحكام الشرع.
رابعًا: قوله تعالى (ويُزكيهم).. عندما فكرت في معاني التزكية تبيَّن لي المعنى الذي ذكرته من قبل، أي يُزكيهم بالدعاء. وهناك معنى آخر ذكَره ابن عباس وهو: «يولِّد فيهم طاعةَ الله والإخلاص له».
إذًا، عليه أولاً أن يسعَى لأن يُبعِد أفراد الجماعة عن الذنوب حتى لا يتورطوا فيها، وثانيًا عليه أن لا يكتفي بتجنيبهم الذنوب، بل ينبغي أن يولِّد فيهم الرغبة في كسب الحسنات أيضًا. وبتعبير آخر عليه أن يتخذ التدابير لإبعاد الجماعة عن الذنوب من ناحية، ومن ناحية ثانية عليه أن يُزيِّنهم بالحسنات ويقودهم إلى أرفع المراتب ويُولِّد في نفوسهم روح الطاعة والإخلاص.
وهناك معنى ثالث للتزكية وهو الزيادة والنماء، وعليه فالمراد من قوله تعالى (ويُزكيهم) أنَّ عليه أن يعمل على رقيِّهم وتنميتهم – من كل النواحي – دينيًّا وماديًّا، فإذا كانوا مُتخلفين في العلوم المادية فعليه أن يعمل على ما يسدّ هذا النقص، وإذا كانوا قليلي العدد فعليه أن يسعى لزيادة عددهم، وإذا كانوا ضُعفاء من الناحية الاقتصادية فلينهض بهم اقتصاديًا.

أما الساعون لفرض سلطتهم بالقوة، والراغبين في خلع قميص الخلافة عن صاحبه، فما هم إلا كراسم على ماء جار، وحتى لو تسنى لهم القبض على زمام الحكم المادي، فإن أعمالهم لا تلبث أن تحبط، ذلك لأنهم لم ينتبهوا إلى مهام الخلافة الرئيسة، فقط كان شغلهم الشاغل أمور السياسة.

باختصار، إنَّ من مسؤوليته أن يسُدَّ كل ضعف ونقص فيهم. ومن هذا المُنطلق إنَّ من مسؤولية النبي والخليفة أن ينهض بأفراد الجماعة في جميع مناحي الحياة. وإذا تقرر أنَّ مِن مهمته أن يُطهّرهم من الأدران ويُطوّرهم (بالنظر إلى أن معنى التزكية هو التطهير أيضًا)، فلا بُدَّ له من الاعتناء بالفقراء ورعايتهم، لأنهم أيضًا مُصابون بنقص ماديٍّ، ومن واجبات الخليفة العمل على تحسين أوضاعهم المادية. ولتحقيق هذه المهمة فرض الله الزكاة على الأغنياء، لأنَّ من مسؤولية الخليفة توفير مُتطلبات الحياة لفقراء الجماعة ومساكينها، وهذا يتطلب مالاً. إذن، لقد فرض الله تعالى الزكاة على الأغنياء لتحقيق هذه المهمة.
لقد بيــّن القرآن المجيد بالتفصيل مسؤوليات الخليفة وواجباته، وهي المسؤوليات التي لم يخترها بنفسه، وإنما فرضها الله عليه، الأمر الذي يجعلنا متيقنين من عون الله تعالى له على القيام بها على الوجه الأكمل والأتم. أما الساعون لفرض سلطتهم بالقوة، والراغبين في خلع قميص الخلافة عن صاحبه، فما هم إلا كراسم على ماء جار، وحتى لو تسنى لهم القبض على زمام الحكم المادي، فإن أعمالهم لا تلبث أن تحبط، ذلك لأنهم لم ينتبهوا إلى مهام الخلافة الرئيسة، فقط كان شغلهم الشاغل أمور السياسة.

1. (البقرة: 129)

2. (البقرة: 164)

3. (البقرة: 43)

4. (العنكبوت: 45)

5. (البقرة: 269)