ملامسة معالم الخلافة الحقة

سامح العراقي

  • الخلافة الراشدة والمدنية
  • الغاية من خلق الإنسان آدم والخلافة الأولى
  • الغرض من خلق الإنسان
  • الخلافة قبل رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم
  • رسولنا هو آدم هذه الأمة
  • آدم الثاني والخلافة الإسلامية الأولى
  • كيف رفع الله الخلافة الإسلامية الأولى
  • هل هناك أمل في عودة الخلافة؟

إن الحديث عن الخلافة الراشدة وبركاتها هو الحديث عن البشرية ومدنيتها وتحضرها، فالخلافة على منهاج النبوة هى في صميمها الحديث عن تاريخ تمدن وتحضر البشرية، وتطورها من بشر أشبه ما يكونون بالوحوش الضارية إلى أناس يصطبغون بصبغة الله ويتجملون بصفاته ويتخلقون بأخلاقه، وما أبعد البون الشاسع بين مخلوقات تهيم على وجهها في صحراء المجهول ويخبطون في متاهات تاريخ الضلالات ما أبعدهم عن أناس ربانيين يسيرون في طريق التمدن الإنساني على هدى من ربهـم في ظل خـلافة راشدة تقتبس من مشكـاة النـبوة.

الغاية من خلق الانسان آدم والخلافة الأولى

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (البقرة 31)

لم يكن آدم أوّل إنسان من البشر، ولكنه كان أوّل إنسان من البشر يكتمل نموّه الذهني، بحيث يمكّنه من تحمل مسؤولية تلقي الوحي الإلهي. ولم يذكر القرآن المجيد، ولا في آية واحدة، أن الله تعالى أراد أن يجعل في الأرض إنسانًا فخلق آدم، وإنما أراد أن يجعل في الأرض “خليفة” فاختار آدم. وهذا يدل على أنه عندما جعل الله تعالى آدم خليفة في الأرض، كان في الأرض بشر، ولكن لم يكن من بينهم أحد يصلح بعد لتلقي الوحي الإلهي، حيث إن قدراتهم الذهنية لم تكن قد صُقلت بعد ليبدؤوا أول مراحل التطور الروحي والفكري والاجتماعي. فلما وصلت قوى الإنسان الذهنية إلى المرحلة التي تسمح له بتكوين مجتمع إنساني، يعيش فيه حسب مجموعة من القوانين التي تنظم حياته في ذلك المجتمع، أرسل الله تعالى وحيه إلى آدم الذي كان أوّل من وصل إلى أوْج أوّل مرحلة من مراحل النمو الذهني في زمنه، وبذلك كان هو أوّل رسول يبعثه الله تعالى إلى البشر. فهو لم يكن أوّل البشر، ولكنه كان أوّل الأنبياء إلى البشر، وكانت الشريعة التي أنزلها الله تعالى عليه تحتوي على قليل من القواعد الاجتماعية الأوّلية، والقليل أيضًا من الصفات الإلهية التي تُعرّف الناس بخالقهم.

الغرض من خلق الإنسان
يبيّن القرآن المجيد أن الله تعالى خلق الإنسان لكي تتجلى فيه الصفات الإلهية، فيُظهر الإنسان هذه الصفات في حياته. ويقول تعالى:

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَآ أُرِيدُ مِنْهُمْ مَّن رِّزْقٍ ومَآ أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (الذاريات: 57- 58).

ويقول تعالى في مكان آخر:

هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلآئِفَ في الأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ (فاطر: 40).

وهذا يعني أن الإنسان قد خُلق لكي يُظهر في نفسه الصفات الإلهية، وأنه نائب الله تعالى وخليفته في الأرض .بمعنى أن الله اختار الإنسان كى يكون الكائن الوحيد القادر على التخلق بأخلاق الله ويكون بحق خليفته في الأرض، أما إذا اختار الإنسان أن يتخلى عن المكانة التي خصصها الله تعالى له، فإنه لن يضرّ الله شيئًا، ولكنه يحرم نفسه من مقام الشرف، وسوف يتحمّل وحده عواقب كفره. ولكن لو التزم الإنسان وأطاع نظام الخلافة فقد ضمن الله له الراحة وعدم الشقاء

فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (طه: 118-119) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (طه: 120).

بمعنى أن الخلافة نقلت الإنسان إلى طور المدنية الأولى. وسوف يستمر هذا المبدأ. لا مدنية إنسانية بغير الخلافة الراشدة.ولتفهم جماعات الإسلام السياسى هذا حتى يريحوا أنفسهم ويريحوا البشرية، أن عودة مجد الإسلام الخالد وأستاذية العالم كما يقولون لابد أن يكون في ظل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

الخلافة قبل رسولنا الكريم
وبعد آدم أصبحت النبوة كذلك والخلافة على نهجها هي الوسيلة لتحقيق العظمة الروحية وتعتبر قمة التقدم الروحي. ولكننا حين ننظر إلى الخلافة في الذين خلوا من قبل نجدها ثلاثة أنواع:
النوع الأول من الخلافة هو «خلافةُ نبوةٍ» كخلافة آدم لقوله تعالى:

إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً (البقرة:31).

والظاهر أن آدم لم يُنتخب، كما لم يكن ملِكًا، إنما وعد الله الملائكة بإقامة خليفة له في الأرض، فأقام آدم بحسب هذا الوعد، وعاقبَ الذين كفروا به. لا شك أن آدم كان خليفة من حيث إنه هو وقومه خلَفوا جيلاً هلكوا، كما كان خليفة من حيث إن الله تعالى قد أخرج منه نسلا كثيرًا؛ ولكن أكبر ما يميّزه هو أنه كان نبيًا ومأمورًا من عند الله تعالى كما تدل على ذلك الآيةُ المذكورة أعلاه. وبهذا المعنى نفسه قد سُمي داود خليفة حيث قال الله تعالى:

يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (ص:27).

ولما كان داود نبيًا فثبت أن المراد من الخلافة هو خلافة نبوة.
إذًا، فخلافة السابقين كانت «خلافة نبوةٍ» كخلافة آدم وداود – عليهما السلام- حيث سمّى القرآن كليهما خليفة. ولكن كل واحد منهما قد سُمّي خليفة لكونه نبيًا ومأمورًا حيث تسبَّبَ في انجلاء صفات الله في الدنيا وصار مظهرًا لله تعالى في العالم.
والنوع الثاني من الخلافة هو «خلافةُ مُلْكٍ» كما هو ثابت من قول الله تعالى على لسان هودعليه السلام:

وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (الأعراف:70)،

وكذلك من قول صالح لقومه في القرآن الكريم

وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ (الأعراف:75).

فالمراد من الخلفاء هنا مجرد ملوك ماديين، وكما أن المراد من النعمة أيضًا مجرد نعمة الحُكم والمُلك. وقال الله تعالى عن اليهود مشيرا إلى هذه النعمة نفسها

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (المائدة:21).

فترى أن الله تعالى قد بيّن هنا أنه جعل اليهود خلفاء بطريقتين أولاهما إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ أي أعطاهم «خلافة نبوة»، وثانيتهما وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا أي أعطاهم «خلافة مُلْك». وبما أنه لم يكن في زمن موسى أيُّ مَلِكٍ يهودي آخر، فالمراد من الخلافة هنا نبوة موسى ومَلَكِيّته، حيث صار ملكًا عليهم بعد عبور نهر النيل، شأنه شأن النبي الذي كان بعد فتح مكة نبيًا من جهة وملِكًا من جهة أخرى، ولكن مَلَكِيّته كانت تابعة لأحكام الله تعالى ولم يكن كالملوك الماديين المستبدين.
والنوع الثالث من الخلافة هو أناس يخلفون النبي بعده ويتّبعون خطواته أي أنهم يدعون قومه إلى شرعه ويعملون على اتحادهم، سواء كانوا أنبياء أو غير أنبياء. فمثلا لما ذهب موسى إلى الطور في الليالي الموعودة أمر هارونَ بالإشراف على قومه وقال:

اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (الأعراف:143).

ولما كان هارون قد وُهب النبوة قبل هذه الواقعة، فالخلافة التي وهَبها موسى إياه لم تكن خلافة نبوة، بل كانت «خلافة نظام»، إذ لم يكن المراد منها إلا أن يتولى هارون نظام قوم موسى في غيابه ويحافظ على وحدتهم ويجنّبهم الفساد. فكان هارون نبيًا تابعًا وخليفةً لنبيٍ مَلِكٍ أيضًا، ولكن خلافته لم تكن «خلافة نبوة»، بل كانت «خلافة نظام». بيد أن الله تعالى قد يجمع في شخص «خلافة نظام» مع «خلافة نبوة» أي أنه تعالى يبعث لإصلاح أمة نبي سابق نبيا آخر لا يأتي بشرع جديد إنما ينفّذ شرع النبي السابق، وبتعبير آخر إنه يعمل على تكميل مهمة النبي السابق فيما يتعلق بالشرع؛ فيكون خليفة له من هذه الناحية، ولكن فيما يتعلق بمنصبه فيعطيه الله تعالى إياه مباشرة. وقد جاء في بني إسرائيل خلفاء كثيرون من هذا النوع، بل كل أنبياء بني إسرائيل بعد موسى كانوا خلفاء من هذا النوع؛ أعني أنهم كانوا أنبياء، ولكنهم لم يأتوا بشرع جديد، بل عملوا على إقامة شرع موسى نفسه. يقول الله تعالى في القرآن الكريم:

إِنَّا أَنـزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ (المائدة:45)..

أي لا شك أننا أنـزلنا التوراة وكان كتابًا مليئًا بالهداية والنور يحكم بها لليهود الأنبياء الذين كانوا مطيعين لنا وكذلك العارفون والعلماء الربانيون لأنهم كانوا مطالَبين بالحفاظ على كتاب الله تعالى.
إذًا، فإن الله تعالى قد بعث بعد موسى أنبياء كثيرين ليعملوا على إقامة الشرع الموسوي، أي كانوا خلفاء لموسى. وبالإضافة إلى هؤلاء الأنبياء قد عُهدت مهمة إقامة الشرع الموسوي إلى أناس آخرين يمكن أن نسمّيهم ربانيين وأحبارًا.
لقد اتضح من ذلك أنه قد جاء بعد موسى أنبياء ومجددون لفترة طويلة خلفاءً له، وكانت مهمتهم تكميل الشرع الموسوي، وكان آخرهم المسيح الناصري الذي يعتقد كثير من المسلمين خطأً أنه كان نبيًا ذا شرعٍ جديد، ولكن القرآن الكريم يعتبر المسيح الناصري خليفة لموسى – عليهما السلام – جاء لإقامة دينه فحسب، حيث أوضح القرآن الكريم بعد الآيات المذكورة أعلاه فقال:

وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (المائدة:47)

باختصار فكل الأنبياء والمجددين الذين جاؤوا بعد موسى – بدءًا من يوشع الذي خلفه فور وفاته وانتهاءً بالمسيح بن مريم – كانوا خلفاء لموسى ومقيمين لشرعه. (1)

إن الحديث عن الخلافة الراشدة وبركاتها هو الحديث عن البشرية ومدنيتها وتحضرها، فالخلافة على منهاج النبوة هى فى صميمها الحديث عن تاريخ تمدن وتحضر البشرية، وتطورها من بشر أشبه مايكونون بالوحوش الضارية إلى أناس يصطبغون بصبغة الله ويتجملون بصفاته ويتخلقون بأخلاقه ….

رسولنا هو آدم هذه الأمة
وقبيل مبعث رسولنا الأكرم محمد ، كان العالم قد اتخذ شكلا آخر فتبَدّلت الأرضُ غيرالأرض. واشتدت الحاجة إلى آدم جديد، فقد صار الناس كسباع أو نَعَمٍ من تغير الحالة. فعند ذلك اقتضت الرحمة الإلهية والعناية الأزلية أن يُخلق في السماء ما يدفع الظلام، ويهدم ما عمّر إبليسُ وما أقام، من الأبنية والخيام. فنزل إمامٌ من الرحمن، وذُبّ جنود الشيطان، ولم يزل رسول الله والذين معه يجاهدون حزب الشيطان. ويناصرون من اهتدى، مُعلين معالم الهدى، مُحيين مواسم التُّقَى، حتى علم الناس أنه قد أَسَر طواغيت الكفر وشدّ وثاقها، وأخذ سباع الأكاذيب وغلّ أعناقها، وهدم عمارة البدعات وقوّض قبابها، وجمع كلمة الإيمان ونظم أسبابها، وقوّى السلطنة السماوية وسدّ الثغور، وأصلح شأنها وسدد الأمور، وسكّن القلوب الراجفة، وبكّت الألسنة المرجفة، وأنار الخواطر المظلمة، وجدّد الدولة المخلقة، وترك البشرية على الطريق المستقيم، ورحل إلى ربه بعد أن أدى الرسالة على الوجه الأكمل والأتم. (2)

آدم الثانى والخلافة الاسلامية الأولى
وجاء الصديق الذي كان بحق آدم الثانى لهذه الأمة. فإن رسول الله لما تُوفّي نزلت المصائب على الإسلام والمسلمين، وارتد كثير من المنافقين، وتطاولت ألسنة المرتدّين، وادّعى النبوة نفرٌ من المفترين. واجتمع عليهم كثير من أهل البادية حتى لحق بمسيلمة قريب من مائة ألف من الجهلة الفجرة، وهاجت الفتن وكثر المحن، وأحاطت البلايا قريبا وبعيدا، وزُلزل المؤمنون زلزالا شديدا. هنالك ابتُلِيت كل نفس من الناس وظهرت حالات مُخوّفة مدهشة الحواس، وكان المؤمنون مضطرين كأن جمرًا أضرمت في قلوبهم أو ذُبحوا بالسكين، وكانوا يبكون تارة من فراق خير البريّة وأخرى من فتن ظهرت كالنيران المحرقة، ولم يكن أثرًا من أمن، وغلبت المفتتنون كخضراء الدمن، فزاد المؤمنون خوفا وفزعا، وملئت القلوب دهشا وجزعا. ففي ذلك الأوان جُعِل أبو بكر حاكم الزمان وخليفة خاتم النبيين. فغلب عليه غمّ وهمّ من أطوار رآها، ومن آثار شاهدها في المنافقين والكافرين والمرتدين. وكان يبكي كمرابيع الربيع، وتجري عبراته كالينابيع، ويسأل الله خير الإسلام والمسلمين. وعن عائشة رضي الله عنها قالت لما جُعل أبي خليفة وفوّض الله إليه الإمارة، فرأى بمجرد الاستخلاف تموّج الفتن من كل الأطراف، ومور المتنبّين الكاذبين، وبغاوة المرتدّين المنافقين. فصُبّت عليه مصائب لو صُبّت على الجبال لانهدّت وسقطت وانكسرت في الحال، ولكنه أُعطى صبرا كالمرسلين. حتى جاء نصر الله وقُتل المتنبئون وأُهلك المرتدون، وأُزيل الفتن ودفُع المحن، وقُضي الأمر واستقام أمر الخلافة ونجّا الله المؤمنين من الآفة، وبدّل من بعد خوفهم أمنا، ومكّن لهم دينهم وأقام على الحق زمنا وسوّد وجوه المفسدين. وأنجز وعده ونصر عبده الصدّيق وأباد الطواغيت والغرانيق، وألقى الرّعب في قلوب الكفار، فانهزموا ورجعوا وتابوا وكان هذا وعدٌ من الله القهّار، وهو أصدق الصادقين.(3) ثم كان من بعده الفاروق ثم ذو النورين عثمان ثم الإمام على المرتضى، اختارهم الله تبعا لتبدل بهم الأرض غير الأرض وتشرق الأرض من جديد بنور ربها، ويظهر الله دينه على الدين كله.

كيف رفعها الله
لقد مر عصر النبوة والخلافة الأولى، ثم أصاب الأمة السنن، فقد اختلفوا، وتمرد البعض على الخليفة وكان الأجدر بهم أن يكونوا مثل جوارحه، يأتمرون بأمره ويسارعون في طاعته، ويتفانون في مرضاته، ولكن بعض أعضاء جسد الأمة للأسف أصابه العطب، وقعد به المرض الروحاني عن إطاعة أمر الخليفة، وكان العقاب من رب العالمين، رفعت الخلافة بعد أن أعطى الله للأمة الفرصة تلو الأخرى بعد مقتل ذى النورين، ثم بعد مقتل الإمام على المرتضى، ولكن اندفعت الأمة في طريق التمرد على الخلافة، فتحقق ما ذكر رسول الله . فقد روى الإمام أحمد عن النعمان بن بشير ، قال: كنا جلوساً في المسجد فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله في الأمراء، فقال حذيفة: أنا. فقال حذيفة: قال رسول الله : تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت.

هل هناك من أمل؟

وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (النور -56 – 58)

في هذه الآية التي تسمى «آية الاستخلاف» يتحدث الله تعالى عن المكافآت والنعم التي ينالها المسلمون إذا أطاعوا محمدًا . فقال إن الذين آمنوا بالخلافة وعملوا بما يجعلهم صالحين للخلافة فإن الله تعالى يعدهم بأنه سيجعلهم خلفاء في الأرض كما جعل الذين كانوا من قبلهم، وسيوطد الدين الذي رضي به لهم، وسيبدّل كلّ خوفهم أمنًا، فيعبدونني ولا يشركون بي شيئًا. ولكن الذين يكفرون بالخلافة فيما بعد، فلن يتمتعوا بهذه النعمة بل سيُعَدّون خارجين على النظام.
لقد أصدر الله تعالى في هذه الآية قراره النهائي فيما يتعلق بمصير المسلمين، فوعدهم أنهم لو آمنوا بوجود الخلافة، ساعين لذلك كما ينبغي عليهم، فسيقيم الله بينهم الخلافة كما أقامها في الذين خلوا من قبل، وسيثبّتهم من خلال الخلافة على دينهم الذي اختاره لهم، وسيقوّي هذا الدين، وسيبدّل خوفهم أمنًا، مما يجعلهم عابدين لله الأحد دائمًا ولا يشركون به شيئًا.
ولا يغيبنّ عن البال أن هذا وعدٌ وليس نبوءة. فلو أن المسلمين لم يثبتوا على إيمانهم بالخلافة وتركوا العمل الصالح الذي هو ضروري لقيام الخلافة، فلن يعودوا مستحقين لهذا الإنعام، ولن يليق بهم عندها أن يقولوا بأن الله تعالى لم ينجز وعده. ثم يقول الله تعالى للمؤمنين بعد ذكر موضوع الخلافة مباشرة:

وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ..

أي حينما نقيم بينكم نظام الخلافة فمن واجبكم أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتطيعوا رسول الله. وكأنهم إذا ساعدوا الخلفاء في تمكين الدين فقد أطاعوا الرسول. وهذا هو نفس الموضوع الذي قد بينه النبي بقوله:

«مَن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني». (مسلم: كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية)

كما أن الله تعالى قد نبّه بقوله:

وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

إلى أن السبيل لطاعة الرسول عند قيام الخلافة أن تقيموا الصلاة من أجل تمكين الدين ونشره، وتؤتوا الزكاة وتطيعوا الخلفاء طاعة كاملة.
كما لفت الله تعالى بذلك نظر المسلمين إلى أنه لمن المحال بدون الخلافة إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة حقًّا. فقد كان في عهد النبي نظام لجمع الزكاة، ولما توفي وصار أبو بكر خليفة، وامتنع معظم العرب عن أدائها بحجة أن حكم الزكاة كان خاصًا بالنبي وليس بخلفائه، رفض أبو بكر دعواهم هذه وقال: والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدّونه لرسول الله لقاتلتُهم على منعه». ونجح أبو بكر في هذه المهمة فقام نظام الزكاة على قواعده من جديد، وظل قائمًا في زمن الخلفاء الراشدين الآخرين بعده. ولكن لما انتهت الخلافة الراشدة بين المسلمين لم يعد هناك نظام لجمع الزكاة.
كذلك لا يمكن إقامة الصلاة بدون الخلافة حقًّا، ذلك لأن أهمّ الصلوات هي صلاة الجمعة التي تكون فيها الخطبة التي يتم بها تذكير الناس بمصالح الأمة وضروراتها. فإذا لم يكن ثمة نظام الخلافة فكيف يطّلع الناس على تلك الأمور.
كذلك إن طاعة الرسول أيضا مستحيلة بدون الخلافة، لأن الغرض الحقيقي من طاعة الرسول أن ينخرط الجميع في سلك الوحدة.، فهذه الأمور الثلاثة هي جزء لا يتجزأ عن الخلافة. ويقول الله تعالى لنا: إذا لم تكن هناك خلافة فستضيع صلاتكم، وتضيع زكاتكم، وتخلو قلوبكم من طاعة الرسول.
ثم ذكر الله تعالى في هذه الآية علامات يُعرف بها الخليفة الحق من الخليفة الباطل، وهي كالآتي:
أولا إن الله تعالى هو الذي يختار الخليفة، وثانيا: أن الخليفة الصادق سينصره الله تعالى كنصرته للأنبياء لقوله تعالى:

كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ .

وثالثا أن استمرار الخلافة الراشدة منوط بإيمان الأمة وعملِها الصالح، فالله تعالى سيفي لهم وعده ما داموا مؤمنين يعملون الصالحات.ورابعا أن الله تعالى سينشر في الدنيا ما يأتي به هؤلاء الخلفاء من أحكامٍ وأفكارٍ دينية رغم الظروف غير المواتية لقوله تعالى:

وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ .

وهذا برهان عظيم على صدق الخلافة الحقّة، وإذا تدبّر فيه المرء وجده آية عظيمة على صدق الخلفاء.وخامسا قوله:

وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ..

أي كلما هدد خطر ما الخلافةَ الإسلامية على نطاق الأمّة هيأ الله الأسباب التي تُبدّل هذا الخطر أمنًا للأمّة شريطة أن تكون قلوبهم عامرة بنور الإيمانوسادسا هي:

يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ..

أي هؤلاء الخلفاء سيقومون بعبادتي دون أن يشركوا بي شيئًا.. بمعنى أن الله تعالى سيشحنهم بالشجاعة والجرأة فلا يخافون في الله تعالى لومة لائم. إنهم لن يعملوا أي شيء خوفًا من المخلوق، بل يتوكلون على الله تعالى ويعملون كل شيء ابتغاء وجه الله ورضوانه تعالى. وليس المراد من قوله تعالى:

لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا

أنهم لن يعبدوا الأصنام، ذلك لأن المسلم العادي أيضًا لا يعبدها فما بالك بالخلفاء. إنما المراد من قوله تعالى:

لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا

أنهم لن يتنازلوا عن أي موقف خوفًا من المخلوق، بل سيقومون بكل عمل تحقيقًا لمشيئة الله وابتغاء مرضاته تعالى غير مكترثين للمحن والمصائب التي قد تصيبهم في هذه السبيل؛ إذًا، فوعدُ الله تعالى للمسلمين:

لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ

يعني أنه تعالى سيمنح هؤلاء الخلفاء البركات كما منحها الخلفاء الأولين وسيعاملهم كمعاملته تعالى مع الأولين، أي أنهم سيتلقون التأييد الرباني كما تلقّاه الأنبياء وخلفاؤهم السابقون. ولو قال قائل: لقد ذكر الله تعالى في القرآن أن الأولين قد مُنحوا «خلافة المُلك» أيضًا، فلماذا شُبّهت الخلافة الإسلامية بخلافة النبوة بشكل خاص دون خلافة المُلك؟
والجواب أنه مما لا شك فيه أن الله تعالى قد وعد المسلمين بالملوكية أيضا، ولكن الله تعالى لا يتحدث هنا عن المُلك الماديّ بل يتحدث عن النعم الدينية فقط.
والدليل الأول على ذلك هو قول الله تعالى:

وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ..

أي أن الله تعالى سيقيم الدين الذي ينتمي إليه هؤلاء الخلفاء. وهذا الأمر لا ينطبق على الملوك الماديين، إذ لا يقيم الله تعالى دينهم؛ بل هذا خاص بالخلفاء الروحانيين فقط. فثبت أن الخلافة الإسلامية تشبه «خلافةَ النبوة» لا «خلافة الملوكية».
والدليل الثاني هو قول الله تعالى:

وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ..

إذ لا تتوافر هذه الميزة في الملوك الدنيويين أبدا، حيث تجدهم اليوم جالسين على عروشهم لابسين تيجانهم، بينما تجدهم غدًا مخلوعين عن عروشهم يتسوّلون الناس في الشوارع. كما ليس هناك أي وعد لهم من الله تعالى بأنه سيبدّل خوفهم أمنًا، بل الواقع أن هممهم تنهار في كثير من الأحيان إذا داهمهم خطر كبير.
والدليل الثالث هو قول الله تعالى

يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ..

أي أن هؤلاء الخلفاء يكونون موحِّدين خالصين وأكبر أعداء للشرك. أما ملوك الدنيا فيقعون في الشرك أيضا حتى قال الرسول إنهم قد يقعون في الكفر البواح المكشوف (البخاري: كتاب الفتن، باب قول النبي سترون بعدي أمورًا تنكرونها). فلا يمكن، والحال هذه، أن يكون هؤلاء مصداقا لآية الاستخلاف.
والدليل الرابع على أنه ليس المراد من الخلفاء المذكورين هنا ملوكا دنيويين هو قول الله تعالى:

وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ..

أي الذين يكفرون بهؤلاء الخلفاء سيصبحون فاسقين. فكيف، يا ترى، يمكن أن يصير الإنسان فاسقا إذا رفض طاعةَ ملِكٍ يمكن أن يقع في الكفر البَوَاح؟ كلا، لا يمكن أبدًا أن يصبح المرء فاسقًا لإنكاره طاعة الملوك الماديين كهؤلاء. إنما تصدر فتوى الفسوق ضد الإنسان إذا ما رفض الطاعة للخلفاء الروحانيين.
فهذه الأدلة الأربعة المذكورة في آية الاستخلاف تؤكد أن الخلافة المذكورة هنا ليست «خلافة الملوكية». فقول الله تعالى:

لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ… إلخ

يؤكد أن الخلافة الموعودة في هذه الآية تشبه «خلافة النبوة» لا «خلافة المُلك».(4)

المسيح الموعود هو آدم الثالث للأمة
كان لابد من تحقق الوعد ومجيء الأمل، وهكذا حقق الله وعده، وجاء المسيح الموعود، جاء في وقت عُصِرَ فيه الإسلام عصرا، واشتدت الحاجة إلى وجود المخلص، ونادت الضرورة بتحقق وعد الله للأمة بالاستخلاف. يقول حضرته في الخطبة الالهامية: (وإني خُلقتُ في هذه الجمعة في ساعة العصر والعسر للإسلام والمسلمين. كما خُلق آدم صفيّ الله في آخر ساعة الجمعة وإن زمانه كان نموذجا لهذا الحين. وكان وقت عصره ظلاًّ لهذا العصر الذي عُصِرَ الإسلام فيه وصُبّت مصائب على ديننا وكادت أن تغرب شمس الدين. وترون في هذه الأيام أن نور الإسلام قد عُصر من كثرة الظلام واللئام وصول المخالفين بالأقلام والمكذّبين. وكاد أن لا يبقى أثر منه لو لم يتداركه فضل الله الكريم المعين. فاقتضت غيرة الله أن يبعث فيه مُجدّدًا يُشابه آدم، فخلقني في هذا اليوم في وقت العصر، أعني ساعة العسر، وعلّمني من لدنه وأكرم، وأدخلني في عباده المكرمين. وجعلني حَكما للأقوام الذين يختلفون وهو أحكم الحاكمين. ورأى القومُ أن الله نصرني وفي كل أمرٍ أيّدني، وطَرَدُوا فآواني وصالوا فحماني، وزاد جماعتي وقوّى سلسلتي، فألقاهم في التحيّر فضلُ الله عليّ وزاده سوء ظنهم، وقالوا أيجعل الله رجلا خليفة في الأرض وهو يُفسد فيها ويسفك الدماء، فأجابهم الله بواسطتي فقال إني أعلم ما لا تعلمون. ثم يقول: «وإن مَثَلي عند ربي كمَثل آدم، وما خُلِقْتُ إلاّ بعدما كثرت على الأرض النَّعَمُ والسباع، والدود والضباع، وكثر كل نوع الدواب على ظهرها وخالف بعضها بعضا، وما كان آدم ليملكهم ويكون حكما عليهم وفاتحا بينهم، فجعلني الله آدم وأعطاني كل ما أعطى لأبي البشر، وجعلني بروزا لخاتم النبيين وسيد المرسلين. والسر فيه أن الله كان قضى من الأزل ان يخلق آدم الذي هو خاتم الخلفاء في آخر الزمان، كما خلق آدم الذي هو خليفته الأول في شرخ الأوان، لتستدير دائرة الفطرة وليُشابه الخاتمة والفاتحة، وليكون هذا التشابه للتوحيد كسلطان مبين.» (5)

ولا يغيبنّ عن البال أن هذا وعدٌ وليس نبوءة. فلو أن المسلمين لم يثبتوا على إيمانهم بالخلافة وتركوا العمل الصالح الذي هو ضروري لقيام الخلافة، فلن يعودوا مستحقين لهذا الإنعام، ولن يليق بهم عندها أن يقولوا بأن الله تعالى لم ينجز وعده.

القدرة الثانية
وكان لابد من الرحيل، سنة الله في الذين خلوا من قبل، وكانت هناك القدرة الثانية، الخلافة على منهاج النبوة. يقول حضرته في كتاب الوصية: «فالحاصل أنه تعالى يُري قسمين من قدرته: أولاً، يُري يدَ قدرته على أيدي الأنبياء أنفسهم، وثانيًا، يُري يدَ قدرته بعد وفاة النبي حين تواجه المحن ويتقوى الأعداء ويظنون أن الأمر الآن قد اختل، ويوقنون أن هذه الجماعة سوف تنمحي، حتى إن أعضاءها أنفسهم يقعون في الحيرة والتردد، وتنقصم ظهورهم، بل ويرتدّ العديد من الأشقياء، عندها يُظهر الله تعالى قدرتَه القوية ثانيةً ويُساند الجماعة المنهارة. فالذي يبقى صامدًا صابرًا حتى اللحظة الأخيرة يرى هذه المعجزة الإلهية، كما حصل في عهد سيدنا أبي بكر الصديق ، حيث ظُنَّ أن وفاة الرسول قد سبقت أوانَها، وارتد كثير من جهال الأعراب، وأصبح الصحابة من شدة الحزن كالمجانين، عندها أقام الله تعالى سيدنا أبا بكر الصديق ، وأظهر نموذجًا لقدرته مرة أخرى، وحمى الإسلام من الانقراض الوشيك. وهكذا أتم وعده الذي قال فيه:

ولَيُمكِّننَّ لهم دينَهم الذي ارتضى لهم وليُبدِّلنّهم من بعد خوفهم أمنًا

أي أنه تعالى سوف يثبّت أقدامهم بعد الخوف. وهذا ما حدث بالضبط في زمن سيدنا موسى عليه السلام حين اختطفته يد المنون وهو في الطريق ما بين مصر وأرض كنعان قبل أن يوصل بني إسرائيل إلى غايتهم المنشودة حسب الوعد. فقام بموته مأتم كبير بين بني إسرائيل. وكما ورد في التوراة أن بني إسرائيل ظلوا يبكون وينوحون إلى أربعين يوما جراء صدمة موته المفاجئ. وهذا ما حدث في زمن عيسى عليه السلام أيضا حيث تشتت الحواريون كلهم عند حادث الصلب وارتدّ واحد منهم أيضًا. فيا أحبائي، مادامت سنة الله القديمة هي أنه تعالى يُري قدرتين، لكي يحطّم بذلك فرحتَين كاذبتين للأعداء، فمن المستحيل أن يغيّر الله تعالى الآن سنته الأزلية.
وينبغي لصلحاء الجماعة ذوي النفوس الطاهرة أن يأخذوا البيعة من الناس باسمي من بعدي. فالله يريد أن يجذب إلى التوحيد جميع الأرواح ذوي الفطرة الصالحة من مختلف أقطار المعمورة، سواء كانوا من أوروبا أو آسيا، وأن يجمع عباده على دين واحد. هذه هي غاية الله التي أُرسلت من أجلها إلى الدنيا. لذلك اجعلوا هذه الغاية نصب أعينكم، ولكن باللطف وحسن الخلق وكثرة الدعاء. فإلى أن يقوم أحدٌ مؤيَّدا بروح القدس من عند الله، ثابروا جميعًا على العمل بعدي متكاتفين.
وينبغي أن تنالوا نصيبًا من روح القدس جراء التعاطف فيما بينكم وتزكية أنفسكم، وذلك لأن التقوى الحقيقية لا تُنال بدون روح القدس.» (6)
حديث القرآن عن بركات وأحكام الخلافة الراشدة
هذا هو تاريخ الخلافة، وهو باختصار تاريخ البشرية، أو بمعنى آخر تاريخ المدنية البشرية، وفي الختام نريد أن نرى كيف يلقي القرآن الكريم والحديث الضوء على هذا الموضوع.

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا* أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا* أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا* فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا* إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا* وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا* إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا* يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (النساء: 53- 59)

يبين الله في هذه الآيات أن أهل الكتاب يعملون بالكذب والخداع والشرك ويعرضون عن الحق، وكلما قارنوا بين المؤمنين وغيرهم قالوا إن المؤمنين سيئون جدا، وأن الكافرين أفضل منهم، وهذا ما يفعله غير الأحمديين كما يفعله غير المبايعين الذين لا يتبعون نظام الخلافة الراشدة، حيث يقولون أن المسلمين الآخرين بل وأحيانا يقولون أن غير المسلمين أفضل من الأحمديين، ولكن الله يؤكد أنهم يقولون هذا حسدا على ما أعطاهم من حكم وقوة روحانية وخلافة راشدة، ولو كانوا يملكون هذه القوى الروحانية والملك الروحانى لما أعطوا الناس نقيرا، والنقير هو الشق في نواة التمر، والمراد أنهم بخلاء جدا، وهذا هو حال من لا يؤمن ولا يتبع نظام الخلافة الراشدة، ومن شدة بخلهم هذا يقولون كيف نال هؤلاء الحكم والخلافة؟ الا يفكرون من هذا الذي حاز الملك والخلافة الآن؟ أليس من آل إبراهيم ؟ فإذا كان منهم فماذا يضره حسدهم؟ فقد أعطى الله آل إبراهيم الحكم والسلطان من قبل وسيعطيهم إياه الآن أيضا. فبدلا من الحسد عليهم أن يفكروا كيف يكونون أبناءا لإبراهيم كي ينالوا العز والسلطان. أما إذا رفضوا فسوف ينالون العقاب. والملك والحكم الذي سيعطاه آل إبراهيم الآن سيكون مدعاة رحمة وبركة عظيمين للناس، فطالما قبلوا هذا الحكم وعاشوا في ظل الخلافة الراشدة فسينعمون بالراحة والسكينة، ولكنهم إذا رفضوا فسيلقيهم الله في عذاب لامناص لهم منه.وسيعيشون في الآلام دائما. ثم يقول الله تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا

من فطرة الإنسان أن يعتاد العذاب بعد فترة، ولا يتألم منه كما كان يتألم في البداية.فمهما كان الملك ظالما فلا يشعر الناس بظلمه بعد مدة من الزمن كما كانوا يشعرون من قبل، وهو الآخر يميل إلى اللين بعد مرور الأيام، ولكن لوجاء مكانه ملك ظالم آخر فيشعرون بظلمه كثيرا. لذلك يقول الله أن من رفض نعمة الخلافة فسوف يحكمهم ملوك مستبدون وسوف تتعاقب عليهم الحكومات الظالمة بسرعة ليذوقوا وبال إعراضهم. أما المؤمنون بنظام الخلافة الراشدة والذين يعملون الصالحات في ظلها، فسوف نعطيهم ملكا عظيما وندخلهم جنات ترافقهم فيها أزواجهم وينعمون فيها براحة وسكينة دهرا طويلا، وهذا من بركات اتباع الخلافة الراشدة. وما يحدث الآن من عدم الشعور بالأمن المادى والروحانى على السواء لدى غير الأحمديين مقارنة مع ما يشعر به الأحمديون من أمن وتمكين في الدين وثقة في الرد على شبهات المتنصريين، ويقين في عدم اندفاعهم في موجات الدجال الذى يثير فتنًا وفوضى سياسية وأمنية، أن هذا اليقين لهو أكبر بركات الخلافة الراشدة. (7)

مراجع المقال
1- التفسير الكبير المجلد السادس سورة النور الآية 56 صفحة 451 وما بعدها (بتلخيص)
2- كتاب إعجاز المسيح الباب الرابع في تفسير الحمد لله رب العالمين صفحة 66-67 (بتصرف)
3- كتاب سر الخلافة الباب الأول ص24
4- التفسير الكبير المجلد السادس سورة النور الآية 56 ص 451 وما بعدها (بتلخيص)
5- كتاب الخطبة الإلهامية الباب الخامس ص 66- 67.
6- كتاب الوصية صفحة 4-5.
7-كتاب الخلافة الراشدة ص 82- 85 (بتلخيص)