ملاحقة أعداء الإسلام قضائيا.. إلى أين؟

ملاحقة أعداء الإسلام قضائيا.. إلى أين؟

الدكتور أيمن عودة

طبيب، باحث، كاتب وشاعر
  • حيثيات القضية
  • ما هو الرد الأنسب حسب المسيح الموعود عليه السلام لمثل هذه التهجمات؟

__

تجري في هولندا منذ ما يقارب الشهرين، محاكمة عضو البرلمان، ورئيس حزب الحرية الهولندي، “خيرت فيلدرز” بتهم متعددة، أهمها: إهانة المسلمين والإساءة لهم، والعمل على نشر الكراهية ضدهم. وقد بدأت هذه المحاكمة إثر قيام هذا الشخص، بالتعرض للدين الإسلامي وشخص سيدنا محمد ،  بشكل لم يسبق له مثيل، في بلد ديمقراطي كهولندا، والمعروف بتسامحه الديني وحفظه لحرية الأديان والأقليات القاطنة فيه. فمن أهم ما قام به “فيلدرز”، تأسيسه لحزب الحرية الهولندي، ووضع على عاتقه مهمة مقاومة انتشار الدين الإسلامي والمسلمين، في هولندا بالذات وفي البلاد الغربية عامة.

ومما لا شك فيه، أن الجو السائد في العالم الغربي، ضد كل ما هو إسلامي- هذا الجو الذي عم في هذه البلاد، بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، على برجي التجارة العالمية في نيويورك- قد ساعد حزب الحرية الهولندي وزعيمه، على نشر سمومهم و أفكارهم المناوئة للمسلمين والدين الإسلامي، وبنجاح ملحوظ، كما أظهرته نتائج الانتخابات البرلمانية، التي جرت في هولندا مؤخرا، حيث حصل هذا الحزب على أربعة وعشرين مقعدا من مقاعد البرلمان الهولندي، وهو ما يعادل المليون ونصف المليون، من أصوات الناخبين الهولنديين؛ مما أهّل الحزب ليكون الدعامة الأساسية للحكومة اليمينية التي أقيمت إثر هذه الانتخابات.

من الأفكار الخاطئة والهدامة، التي  تسربت إلى الفكر الإسلامي بطرق شتى…مسألة قتل المرتد، والجهاد العدواني، الذي يسعى لفرض الشريعة الإسلامية في جميع أنحاء العالم، وأفضلية الرجل على المرأة….

لم تكن السبيل إلى هذا النجاح بالأمر العسير، في مثل هذا الجو المشحون بالأفكار المناهضة للمسلمين، إذ لم يتطلب الأمر من “فيلدرز”، سوى ملء  وسائل الإعلام بشتى الشعارات والاتهامات ضد المسلمين والدين الإسلامي الحنيف، حيث  قام بإصدار فيلم وثائقي عن الإسلام والنبي محمد أراد من خلاله عرض الدين الإسلامي بصورة سلبية للغاية، وتتلخص هذه الاتهامات التي نشرها في وسائل الإعلام بالنقاط التالية:

  1. الإسلام دين إرهابي، ونبي الإسلام نبي دموي، يهدف إلى قتل كل من هو ليس مسلما، وبناء عليه فإن القرآن الكريم أشبه بكتاب هتلر ” ماين كامف” ويجب حظره ومنع نشره.
  2. لا يعترف الإسلام بالحريات الفردية، ومن ضمنها حرية الفكر والمعتقد، ولذا يمنع أتباعه من الارتداد عن الإسلام، واعتناق أديان أخرى.
  3. طبيعة الحياة الإسلامية -لا سيما الحجاب الإسلامي- لا تتماشى مع روح الحرية الغربية، وقيم الحضارة الأوروبية، بل من شأنها هدم هذه الحضارة.
  4. هدف الإسلام والمسلمين السيطرة على البلاد الغربية، وفرض الشريعة الإسلامية فيها.
  5. لا يعترف الإسلام بحقوق المرأة، بل يعمل على اضطهادها والحث على ضربها.
  6. المسلمون في هولندا خاصة، يتسببون في الإخلال بالنظام العام، ونشر الجرائم وأعمال الشغب المختلفة، ولذا لا بد من الحد من هجرة المسلمين الى أوروبا. (وهو يعرض هذه المشكلة، بطريقة تومئ إلى أن الدين الإسلامي والتربية الإسلامية، هي السبب في تصرفات هؤلاء المسلمين).
  7. الحضارة الغربية تستمد قيمها فقط من الديانة المسيحية واليهودية، وليس من الديانة الإسلامية، ولذلك يجب العمل على الحد من انتشار هذه الديانة في أوروبا.

هذا بالإضافة إلى اتهامات أخرى تهدف إلى نفس الأمر، ألا وهو عرض الديانة الإسلامية بصورة مشوهة، من أجل تنفير الشعوب الغربية من المسلمين والديانة الإسلامية. ولهذا الأمر عمل “فيلدرز” جاهدا لنشر أفكاره في البلدان الغربية الأخرى، إذ يلقى تجاوبا جديا من قبل أمثاله، من السياسيين المتطرفين، الذين تبنوا هذه الأفكار المناوئة للمسلمين، وأخذوا يعملون على نشرها في بلدانهم أيضا.

إثر هذه الهجمة الشرسة، التي شنها خيرت “فيلدرز” على الديانة الإسلامية، قامت بعض الجهات الإسلامية وغير الإسلامية، بالتصدي له بطرق مختلفة، من ضمنها العمل على مقاضاته قانونيا، بتهمة المس بمشاعر المسلمين كما أسلفت من قبل. ومن متابعة مجريات هذه المحاكمة، يبدو جليا أن التعويل على هذه الملاحقات القضائية لأعداء الدين الإسلامي، كأمثال هذا الشخص ليست مما يجدي نفعا، ولا ما من شأنه أن يكون في صالح المسلمين حتما، ولا ما من شأنه أن يسعف في تغيير الصورة المشوهة التي يحاول هؤلاء نشرها عبر وسائل الإعلام عن الدين الإسلامي والمسلمين؛ بل على النقيض من ذلك، فقد تكون لها آثار سلبية وضرر أكبر على المسلمين، وذلك للأسباب التالية:

  1. تحظى هذه المحكمة بتغطية إعلامية شاملة، يبدو فيها المتهم كممثل سينيمائي في فيلم هوليوودي جديد، حيث التزم الصمت وعدم التجاوب مع القضاة منذ اليوم الأول لبدء هذه المحكمة، تاركا الحديث لمحاميه اليهودي الأصل “أبرام موسكوفيتش”، والمعروف بمهاراته الدفاعية في مثل هذه القضايا. هذه التغطية الإعلامية الواسعة هي ما يسعى المتهم نفسه للحصول عليها، ما من شأنه أن يلعب دورا هاما في الدعاية له واستثارة مشاعر الناس واستعطافهم لصالحه، بإظهار نفسه كأنه ملاحق سياسيا، لسلب حريته في التعبير عن رأيه بشكل حر.
  2. رغم أن جهاز القضاء في الدول الغربية، لا سيما في دولة مثل هولندا، يعتبر جهازا قضائيا نزيها وناجعا، إلا أنه رغم هذه النـزاهة، فإن وسائل الإعلام والرأي العام الشعبي، لها تأثير لا يستهان به، في تحديد الحكم النهائي الصادر في مثل هذه القضايا، خاصة إذا ما تعلقت المسألة بسياسي بارز، له عدد كبير من الأتباع والمصوتين، ولذلك لا يمكن التعويل على محكمة كهذه، بإصدار حكم في غاية النـزاهة والعدالة في مثل هذه القضايا.
  3. إن “الألاعيب” القضائية، التي يسعى محام محنك كمثل أبرام موسكوفتش، لاستغلالها من أجل تبرئة موكله، لا شك أن لها هي الأخرى دورا هاما في تحديد النتيجة النهائية لهذه المحكمة، ففي الوقت الذي رأى به محامي الدفاع أن ميول القضاة تنحو منحًى لمقاضاة موكله وتغريمه، صب جل جهده على التشكيك بمصداقية المحكمة، لدرجة مطالبته بتبديل القضاة والمطالبة ببدء المحكة من جديد، وقد نجح بذلك ولأسباب في غاية التفاهة، الأمر الذي أثار حفيظة بعض رجال القانون الذين اعترضوا على قرار استبـدال القضاة لهذه الأسبـاب.

وها هي المحكمة الآن قد عُلّقت، على أن تُستأنف من جديد بعد حوالي شهرين، ليقوم بإدارتها طاقم جديد من الحكام والقضاة، والذي سوف يُعنى بالبت في هذه القضية من جديد. وأيّا كان القرار النهائي لهذه المحكمة، إن كان إيجابيا في حق المسلمين، أو في حق فيلدرز نفسه، فليس من المؤكد أن النتيجة الفعلية، في التأثير على أفكار الشعب الهولندي ومؤيدي فيلدرز خاصة، سوف تكون في صالح المسلمين. فعلى افتراض أن  الحكم الصادر هو تغريم فيلدرز حتى سجنه، فليس من المستبعد أن يثير هذا القرار استعطاف الناس أكثر فأكثر تجاهه، ويستقطب عددا أكبر من الناخبين في الانتخابات المقبلة من أجل التصويت لحزبه، الأمر الذي سوف يساعد في إقامة حكومة يمينية متطرفة للغاية، تلقي بظلالها الوخيمة على المسلمين في هولندا، بسنّ العديد من القوانين المقيدة لحرية المسلمين في هذه البلاد.

وبناء على ما تقدم ذكره، كيف يمكن التعويل والاتكال على مثل هذه المحاكمات، من أجل الدفاع عن المسلمين والدين الإسلامي الحنيف ونبيه محمد ؟ لذا فمن واجب المسلمين، بدلا من التركيز والتعويل على هذه الوسائل القضائية، أن يهبوا بشتى الوسائل الإعلامية، من أجل الرد على الاعتراضات التي تثار ضد الدين الإسلامي الحنيف، وإظهار محاسنه ونقض جميع الشبهات التي تثار ضده، وكذلك العمل بشكل جاد على نقد ذاتي ونقد للفكر الإسلامي بصورة جذرية، وذلك لتنـزيه الإسلام والنبي من الأفكار الخاطئة والهدامة، التي  تسربت الى الفكر الإسلامي بطرق شتى، والتي يستغلها أعداء الإسلام من أجل الطعن بالدين الإسلامي الحنيف، مثل: مسألة قتل المرتد، والجهاد العدواني، الذي يسعى لفرض الشريعة الإسلامية في جميع أنحاء العالم، وأفضلية الرجل على المرأة ؛ فإن هذه السبل من شأنها أن تعمل على تغيير الرأي العام السائد في الدول الغربية، وأن يكون لها تأثير إيجابي أكبر، مقارنة مع الإجراءات القضائية.

ولكني أرى الخير في أن نجتنب المحاكمات، ولا نوقع أنفسنا في المخاصمات، ونتحامى أموالنا من غرامات التنازعات، وأعراضَنا من القيام أمام القضاة، ونصبر على ضجر أصابنا وغم أذابنا ليُعد مِنّا مَبرّة عند أحكم الحاكمين.

وقد أعادت محاكمة عضو البرلمان الهولندي خيرت فيلدرز إلى ذهني، ما أكده سيدنا أحمد ، المسيح الموعود والمهدي المعهود،  في كتابه “ترغيب المؤمنين في إعلاء كلمة الدين”، والذي ألفه بعد صدور كتاب “أمهات المؤمنين”  في البلاد الهندية سنة 1316 هجرية، -والذي ألّفه أحد المتنصرين، مسيئا به إلى الإسلام والنبي محمد وأزواجه رضي الله عنهن؛ فقد حث حضرته المسلمين على عدم اللجوء الى القضاء للرد على مثل هؤلاء المعترضين، لما فيه من إظهار عجز المسلمين على تقديم الردود الشافية، إزاء الاعتراضات التي تثار ضد دينهم، الأمر الذي بدوره قد يضر بالإسلام أكثر فأكثر.فمن جملة ما ذكره سيدنا أحمد في هذا الكتاب، ما يلي: “فالذي أُشرِب حِسّي، وتلقّفَه حدسي، أن الأصوب طريق الرد والذبّ، لا الاستغاثة ولا السبّ بالسبّ، وإني أعلم بَلْبال المسلمين، وما عرى قلوب المؤمنين من ألسن المؤذين، ولكني أرى الخير في أن نجتنب المحاكمات، ولا نوقع أنفسنا في المخاصمات، ونتحامى أموالنا من غرامات التنازعات، وأعراضَنا من القيـام أمام القضـاة، ونصـبر عـلى ضجـر أصابنـا وغم أذابـنا ليُعد مِنّا مَـبرّة عند أحكم الحاكمين.

فيا ليت المسلمين اليوم، ينتفعون بمثل هذه النصائح التي أفادنا بها سيدنا أحمد ، قبل أكثر من مئة سنة مضت، بكونه مهدي الإسلام ومسيح آخر الزمان، ومجدد الدين، والحكم العدل ، وها نحن اليوم بأمـس الحـاجة لتطبيقها بشكل فعلـي.

Share via
تابعونا على الفايس بوك