• الغرض من تعاليم القرآن وسنة النبي
  • القرآن معجزة علمية وعلمية
  • إعجاز النبوة المحمدية
  • تغيير طبائع الناس إلى الأحسن

فالغرض أن تعليم كتاب الله الأحكم ورسولِ الله ، كان منقسما على ثلاثة أقسام: الأول.. أن يجعل الوحوش أناسا، ويعلّمهم آداب الإنسانية ويهب لهم مدارك وحواسّا، والثاني.. أن يجعلهم بعد الإنسانية أكمل الناس في محاسن الأخلاق، والثالث.. أن يرفعهم من مقام الأخلاق إلى ذُرى مرتبةِ حُبِّ الخلاّق، ويوصل إلى منـزل القرب والرضاء والمَعِيّة والفناء والذوبان والمحويّة، أعني إلى مقام ينعدم فيه أثرُ الوجود والاختيار، ويبقى الله وحده كما هو يبقى بعد فناء هذا العالم بذاته القهّار. فهذه آخر المقامات للسالكين والسالكات، وإليه تنتهي مطايا الرياضات، وفيه يختتم سلوك الولايات، وهو المراد من الاستقامة في دعاء سورة الفاتحة. وكلُّ ما يتضرّم مِن أهواء النفس الأمّارة فتذوب في هذا المقام بحُكم الله ذي الجبروت والعزّة، فتُفتح البلدة كلها ولا تبقى الضوضاة لعامة الأهواء، ويُقال لِمنِ المُلْكُ اليوم.. للهِ ذي المجد والكبرياء. وأما مرتبة الأخلاق الفاضلة والخصال الحسنة المحمودة، فلا أمْنَ فيها من الأعداء عند الغفلة، فإن لأهل الأخلاق تبقى حصون يتعذّر عليهم فتحُها، ويُخاف عليهم صولُ الأمّارة إذا ضَرِمَ لَتْحُها، ولا تصفو أيام أهلها من النقع الثائر، ولا يؤمَّنون من السهم العائر.
فالحاصل أن هذه تعاليم الفرقان، وبها استدارت دائرة تكميل نوع الإنسان، وإنها لمعارفُ ما كفَلها كتاب من الكتب السابقة، وما احتوتها صحيفة من الصحف المتقدمة. فهذا إعجازُ نبيّنا من حيث الصورة العِلمية والعملية، ومعجزةُ الفرقان الكريم لكافّة البريّة. ولقد انقضتْ وانعدمت خوارق النبيين الذين كانوا في الأزمنة السابقة، ويبقى هذا إلى يوم القيامة.
وأما ما قلنا إن القرآن معجزة عِلمية وعملية.. فليس هذا كحكايات واهية، بل عليه عندنا أدلّة قاطعة، وبراهين شافية مسكِّنة. فاعلم أن إعجازه العلمي ثابت كالبديهيات، وليس عليه غبار من الشبهات، لأنه كلام جامع وتعليم كامل أحاط جميع ضرورات الإنسان وسبيل الرحمن، وما غادر شيئا من دلائل الحق وإبطال الباطل ودقائق العرفان، مع بلاغة رائعة وعبارات مستعذَبة وحسنِ البيان، وهذا أمر ليس في قدرة الإنسان. وأما قولنا إنها معجزة عملية.. فهي كشُعْبتِها الأولى واقعةٌ بديهية، ولا يسع فيها إنكار وخصومة. فإن تعاليم القرآن قد حيّرت العقلاء بتأثيراتها العجيبة، وتبديلاتها الغريبة، وتنويراته التي هي خارقة للعادة ومُزيلة للملكات الرديّة الراسخة، وقد تسورتْ أسوارَ الطبائع الشديدة الزائغة، ودخلتْ بيوتَ القلوب القاسية كالصخرة، ووصلتْ إلى الذين كانوا يسكنون وراء الخنادق العميقة الممتنعة من القرائح السِّفْلية الرذيلة، وألان الله بها الشديد وأدنى البعيد، وأخرج الصدور من القبض إلى الانشراح، ومن الضيق إلى السعة، ورفَع الحجاب وأرى الحق والصواب، حتى أوصل المؤمنين إلى الإلهامات الصريحة، والكشوف الصادقة الصحيحة، وذرَع حَبَّ الكرامات المستمرة الدائمة في قاع صدور الأُمّة، فلأجل ذلك لا نفرّ عند طلبِ كرامةٍ إلى زمن مضى، بل نرسو على مقامنا ونُري المُنكِر ما حضر غضًّا طريًّا مِن آيِ المولى. وليس في أيدي عِدانا إلا القصص الأولى، ولا يثبُت دينٌ بقصص، بل بأنوار لا تنقطع ولا تبلى.
ثم اعلم أن هذه معجزة عظُمتْ شُعبتاه، وضاعت ريّاه، وقد جمعتْ لتصديقها طوائف الأنام، كما يُجمَعون لحَجّةِ الإسلام. وإنا نرى أن أحدًا من أجلّ الحكماء إنْ توجّه إلى تقويم أَوَدِ سفيه من السفهاء، أو إلى إنابةِ فاسق أسير في الفسق والفحشاء، فيشقّ عليه قَلْعُ عادته، ولا يمكن له تبديل خيالاته، فما شأنُ رجل أصلحَ في زمان يسير ألوفًا من العباد، ونقَلهم إلى الصلاح من الفساد، حتى انحلّ تركيب الكفر واجتمع شمل الصدق والسداد. وتلألأتْ في نفوسهم أنوار التقى، ولمعت في أساريرهم سرائرُ حبّ المولى. وعلتْ هممهم للخدمات الدينية، فشرّقوا وغرّبوا للدعوة الإسلامية، وأيمنوا وأشأَموا لإشاعة الملّة المحمدية، وأنارت عقولهم في العلوم الإلهية، ودقّتْ أحلامهم لفهم الأسرار الربّانية، وحُبّب إليهم الصالحات، وكُرّه المعاصي والسيئات. وأُنزلوا في خيام الرشد والسعادة بعدما كانوا يعكفون على الأصنام للعبادة، وما آلوا في جهدهم وما تركوا جِدَّهم للإسلام، حتى بلّغوا دين الله إلى فارس والصين والروم والشام. ووصلوا إلى كُلِّ ما بسط الكفرُ جناحه، ووافَوا كلَّما شهَر الشِّركُ سلاحَه. وما ردّوا وجوههم عن مواجهة الرَدى، وما تأخّروا شبرًا وإن قُطّعوا بالمُدى. وكانوا عند الحرب لمواضعهم ملازمون، وإلى الموت لله حافدون. إنهم قوم ما تخلّفوا في مواطن المباراة، وبدروا ضاربين في الأرض إلى منتهى العمارات، وقد عُجِمَ عُودُ فراستهم، وبُلِيَ عصا سياستهم، فوُجدوا في كل أمر فائقين، وفي العلم والعمل سابقين. وإنْ هذا إلا معجزة خاتم النبيين، وإنه على حقيقة الإسلام لدليل مبين. وإن كنتم في شك فأَرُوني كمثلهم أحدا من أصحاب موسى أو من أنصار عيسى أو من صُحْبة رسل آخرين، وقد جاءتكم أنباؤهم، وسمعتم ما قال فيهم أنبياؤهم، وما أرجفتْ ألسنهم وما كانوا كاذبين، فإنهم نطقوا بإنطاق الروح وما تكلّموا كالمغضبين.
(نجم الهدى، ص 13-17)