كيف يعود المسلمون إلى كتاب الله؟

كيف يعود المسلمون إلى كتاب الله؟

الأستاذ المرحوم مصطفى ثابت

تُثار في الغرب مزاعم كثيرة ضد التحدي القرآني القائل بأنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله. ويُقال أيضا بأنه ليس بالضرورة من وحي الله تعالى، بل إن محمدًا كان طفرة من بين البشر. إذ يقولون إنه حسب قانون الطفرة يُمكن أن يُؤتى فرد من الأفراد موهبة فائقة أو قدرة خارقة، لا يماثله فيها أحد من البشر.

وعلى هذا.. فإن كان القرآن كتابا فريدا لم يستطع أحد أن يأتي بمثله، فلا يدل هذا بالضرورة على أن ذلك الكتاب من وحي الله تعالى، بل يمكن القول بأن محمدا كان رجلا عبقريا.. وإنه كان طفرة من بين البشر.

اقرأ الرد على هذا البهتان وافحص الدلائل على أن القرآن نزل من عند الله، من خلال كتاب: «القرآن معجزة الإسلام» الذي سننشره عبر حلقات في هذه الزاوية.   «التقوى»

الخــاتمــة

إن الكتاب الذي يأتي من عند الله يختلف تماما عن الكتب التي يكتبها البشر، لأنه يتميز بأمور لا يمكن أن توجد في الكتب التي يؤلفها الناس. إن الكتاب الذي هو تنـزيل من الله العزيز الحميد يعلن بكل قوة أنه من وحي الله، ويبيـن ذلك بدون أدنى شبهة، ويوضحه بغير مراء. فإذا لم يعلن الكتاب نفسه أنه مُنـزل من عند الله، فلا يصح أن نصفه بصفة لم يعلنها بنفسه. ولا تكفي جملة أو جملتان للدلالة على أن الكتاب من وحي الله، ولا تنفع عبارة أو عبارتان.. من هنا أو من هناك.. يمكن تفسيرها بشكل أو بآخر.. للإقناع يقينا بأن الكتاب بالفعل تنـزيل من عند الله. ثم.. بالإضافة إلى إعلان الكتاب نفسه أنه من وحي الله.. لا بد أن تكون هناك أدلة وبراهيـن تدل بشكل قطعي ويقيني على كونه كتابا مقدسا نزل من عند الله القدوس، وإلا تكون دعوى الكتاب مجرد دعوى خاوية لا تأثير لها، ولا يقيم لها أحد وزنا. وقد ذكرنا هذه الأدلة تفصيلا في الحلقات السابقة، ونذكرها مجملا فيما يلي:

أول هذه الأدلة هو استمرار حياة الإنسان الذي أتى بهذا الكتاب وأعلن أنه من وحي الله تعالى. وأعلن الكتاب وعد الله له بالعصمة والحفظ من الموت بيد الأعداء، أو الهلاك المبكر الذي يداهمه خلال بضع سنين من إعلان دعوته. ورغم محاولات الناس لقتله، ورغم التدابير المتواصلة للخلاص منه، فإن حفظ الله له يتجلى على الدوام، وتستمر حياة ذلك النبي لمدة عشرين عاما على الأقل من بدء إعلانه عن دعوته، ثم يتوفاه الله بعد أن أتم مهمته.

الدليل الثاني على قدسية كتاب هو أن ذلك الكتاب يتبع قوانين الله في الهداية، فهو يهدي من يريد أن يهتدي، ويُضل من يريد أن يَضل، بصرف النظر عن مقدار العلم الذي يتمتع به القارئ. فقد يقرأه ذو الفهم والعلم، ولكنه لا يبتغي منه الهداية، فلا يستفيد منه شيئا، بل يكون عليه عمًى وضلالا. بينما قد يقرأه آخر بسيط الفهم والمعرفة، ولكنه مخلص في البحث عن الحق والاهتداء إلى صراط الله المستقيم، فإذا به يجد فيه بغيته من الهداية والإيمان. وبطبيعة الحال.. لا بد أن يعلن الكتاب بنفسه عن هذه الخاصية، ويوضح في محتواه أنه كتاب يتصف بهذه الصفة الفريدة التي لا تتصف بها إلا كتب الله المقدسة. وإلا.. فما أسهل أن يدّعي بهذا كاتب يأتي بأمر غريب مشين أو يخالف العقل والمنطق، فيسوق أي خرافة.. كأن يدّعي مثلا أن الرقم اثنيـن يساوي الرقم أربعة أو أن الواحد يساوي ثلاثة، ثم يزعم أن من لا يقتنع بهذا المنطق المعوج يكون في قلبه مرض، وأن من يصدق هذا الهراء يكون من المؤمنين المخلصين!

الدليل الثالث على قدسية كتاب ما هو أنه لا يمسه إلا المطهرون، ولا يصل إلى حقائقه ومعانيه إلا من طهره الله تعالى، وجعل من نفسه مرآة تتجلى فيها الصفات القدسية، وتصطبغ ذاته بالصبغة الربانية، حتى يكون الله هو بصره الذي يبصر به، وسمعه الذي يسمع به، ويده التي يبطش بها، وقدمه التي يسعى بها.. أي أن سمعه وبصره وجوارحه ومسعاه تتفق جميعها مع إرادة الله وتصير طوع أمره. فقد يقرأ الكتاب عالم من العلماء حصل على أعلى الدرجات العلمية أو الأدبية، ولكن في قلبه كبر واستعلاء، فيراه كتابا متشابها، أو يرى بعضه محكما وبعضه متشابها، وقد لا يجد فيه نفعا كثيرا، بل قد يرى فيه بعض الاختلاف، وتشتبه عليه معاني العبارات والكلمات. بينما يقرأه آخر من المطهرين الذين زَيَّنتهم الصفات القدسية، فيجد فيه ينابيع العلوم، وبحور الهدى، ولآلئ المعارف. ويراه كتابا محكما تزينه أيضا الصفات القدسية، مثل صفات الله الحق الباقي، النور الهادي، العظيم الجليل، الحكيم الكريم، الحميد المجيد، العلي الكبير، المهيمن العزيز، الشهيد الجامع، الضار النافع، الخافض الرافع، الحفيظ الشافي… إلى آخر هذه الصفات القدسية التي تتجلى عليه من الله القدوس. وإذا لم يخلع الكتاب على نفسه هذه الصفات.. التي هي من تجليات صفات الله تعالى، فلا يصح أن يوصف بأنه كتاب مقدس. إذ قد يكون من تأليف البشر، أو تكون أيدي البشر قد عبثت به، ففقد قدسيته حين ضاعت أصوله، وماتت لغاته، ولم يبق منه سوى ترجمات متناقضة متخالفة.

الدليل الرابع على قدسية الكتاب أنه يبعث الحياة في الأمم وينفخ الروح في الموات من الناس، فإذا بهم بعد أن كانوا قوما لا شأن لهم إذا هم يصيرون محل احترام وتقدير من سائر الأمم الذين يحسبون لهم ألف حساب، وبعد أن كانوا في ظلام وجهل إذا بهم يحملون وحدهم مشاعل العلم والنور، وبعد أن كانوا في فُرقة وخلاف إذا بهم في اتحاد ووفاق، وبعد أن كانوا في فقر وحرمان إذا بهم في نعيم مقيم، وبعد أن كانوا في هزيمة واندحار إذا بهم ينتصرون على أقوى الأمم وتدين لهم الجبابرة والملوك.

على أنه لا بد للكتاب أن يَعِد المؤمنين به بكل هذه الأمور في صفحاته وكلماته، قبل أن يتحقق شيء منها. فكم من الأمم تقدمت علميا بغير كتاب مقدس.. مثل الدول الغربية في عالمنا المعاصر. وكم من الأمم عادت إلى الحياة بغير كتاب مقدس.. مثل ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية وإسرائيل بعد عام 1948. وكم من الأمم اتحدت بعد فُرقة وخلاف بغير كتاب مقدس.. مثل الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب الأهلية. وكم من دول انتصرت على أعدائها بغير كتاب مقدس.. كما انتصرت مصر على الهكسوس وطردتهم من أرضها. إن كل هذه الأمور قد تحدث في أمة من الأمم، وليس في ذلك ما يغاير السنن الطبيعية. ولكن.. أن يأتي كتاب.. يُعلن أنه من عند الله.. ويَعِد بكل هذه الأمور.. ثم تمر الأيام والسنون.. وتحدث بالفعل كل هذه الأمور.. تماما كما جاء بها الوعد في ذلك الكتاب، فإن هذا هو الدليل على أن ذلك الكتاب قد جاء بالفعل من عند الله.

الدليل الأخير.. فيما ذكرنا.. على قدسية كتاب ما هو ما يقدمه من تحديات للبشر، وقدرة البشر.. أو عدم قدرتهم.. على مقابلة ذلك التحدي. غير أنه يُشترط في التحدي أن لا يكون من أتى بالكتاب مجرد طفرة بين البشر، بل لا بد أن يكون التحدي بشكل يتبين منه بكل وضوح أنه لا طاقة لأي من البشر.. ولا لكل البشر.. مجتمعين أو متفرقين.. بكل ما أوتوا من قوة وقدرة، وعلم وفن، ودهاء وذكاء.. أن يُقابلوا التحدي الذي يقدمه ذلك الكتاب. ولا بد للكتاب نفسه أن يعلن عن هذا التحدي، ويؤكد مسبقا على أن أحدا لن يستطيع أن يقابل ذلك التحدي. ثم تمر الأيام والسنون.. بل وتمر القرون والعصور والأحقاب، ولا يستطيع أحد أن يواجه ذلك التحدي. أما إذا لم يعلن المؤلف أو الفنان أو الموسيقار عن أي تحد، لأنه كان مؤلفا عبقريا أو فنانا ألمعيا أو موسيقارا لوذعيا، فلا يصح لنا أن ننسب أعمال هؤلاء.. مهما عظمت.. إلى كونها من عند الله، بل نقول إن هؤلاء وأمثالهم كانوا طفرة بين البشر. أما الكتاب الذي يكون من عند الله فإنه لا بد أن يُقدم التحدي، ويؤكد على أنه لن يستطيع أحد مقابلة هذا التحدي، ويبين أن هذا العجز الواضح المستمر من جميع البشر هو الدليل على أن ذلك الكتاب هو يقينا من عند الله تعالى.

ولا يعني ذِكرنا لهذه الأدلة الخمسة وحدها أنها هي كل الأدلة على قدسية القرآن الكريم، فإن هناك الكثير من الأدلة اللغوية، والعلمية، والتاريخية، والاجتماعية، والتربوية، والأخلاقية، والنفسية، والتشريعية، والمنطقية، والعقلية على أن هذا الكتاب العزيز قد جاء من عند الله تعالى. وبطبيعة الحال.. فإن الموضوع أوسع من أن يحيطه كتاب واحد، أو يوفيه كاتب واحد. غير أننا أردنا هنا أن نُقدم من الأدلة ما نعتقد أنه يختص بالكتاب المجيد وحده، وما نرى أنه من السمات الخاصة بالقرآن الكريم، وما لم يتطرق إليه علماء السلف.

لقد بعث الله عز وجل الكثير من الأنبياء والرسل، وأنزل مع بعضهم كتبا مقدسة، ولكنه سبحانه لم يَعِد بحفظ تلك الكتب كما وعد بحفظ القرآن المجيد. يقول سبحانه:

إِنَّا نحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر:10) إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ * في كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (الواقعة:78 و79) بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَّجِيدٌ * في لَوْحٍ محْفُوظٍ (البروج:22 و23)

لقد طال العهد على تلك الكتب المقدسة، وضاعت معظم أصولها ونصوصها، بل ومات الكثير من لغاتها الأصلية، ولم يبق منها سوى ترجمات لا نعرف من الذي قام بها، ولا مدى التزام المترجمين بنصوصها الأصلية. إن بعض الكتب المقدسة تختلف الآن مع بعضها البعض، إذ ما قد يعتبره البعض مقدسا لا يعتبر البعض الآخر أنه مقدس، مع أنهم جميعا يدينون بنفس الدين ويتبعون نفس الكتاب. فمثلا.. هناك العديد من الأسفار التي يحتويها الكتاب المقدس يعتبر المسيحيون الكاثوليك أنها أسفار مقدسة، بينما لا يعتبر المسيحيون الأرثوذكس والبروتستانت أنها مقدسة، مثل سفر توبيت، وجوديث، والحكمة، وسيراك، وباروخ، والمكابين الأول والثاني. كذلك نرى أن بعض الأسفار تختلف عن بعضها البعض في الكتب المقدسة، فمثلا سفر أستير ينتهي في بعض الكتب عند الفقرة الثالثة من الإصحاح العاشر، بينما يمتد في البعض الآخر بعد الفقرة العاشرة. وتختلف الفقرات في سفر دانيال بالإصحاح الثالث ابتداء من الفقرة 24 إلى 30 عن نظيراتها في الكتب المقدسة الأخرى التي تزيد أيضا عنها فتمتد إلى الفقرة رقم 90. وهناك من الأسفار فيما يسمى بالعهد الجديد ما هو مجهول المؤلف، مثل الرسالة إلى العبرانيين وغيرها. ورغم أننا نعلم أنه قد أنزل على المسيح عيسى بن مريم عليهما السلام إنجيل واحد، فإننا نجد أربعة أناجيل تختلف مع بعضها البعض، كما أشار إلى ذلك الأسقف جون شيلبي صبونج (Bishop John Shelby Spong) في كتابه الذي نشره في أمريكا بعنوان: “إنقاذ الكتاب المقدس من الأصولية” Rescuing The Bible From Fundamentalism. وتعود أهمية هذا الكتاب إلى أن مؤلفه من علماء المسيحية، وله العديد من المؤلفات، بالإضافة إلى موقعه القيادي الذي يشغله وهو وظيفة الأسقف. وليس الأسقف صبونج وحده هو الذي يقول هذا الكلام، بل إن الكثير من علماء المسيحية.. الذين ما زالوا يشغلون مراكز قيادية في الكنيسة المسيحية.. يقولون أيضا إنه ليس كل ما هو مذكور في الكتاب المقدس هو بالضرورة من وحي الله تعالى، خاصة وأن بعض أجزاء الكتاب المقدس قررت الكنيسة مؤخرا أن تعتبرها مقدسة في مجمع ترنت الذي عُقد في 8 أبريل (نيسان) عام 1546. وكل هذا يؤكد ويؤيد ما ذكره القرآن في حق الأديان والكتب المقدسة التي أرسلها الله تعالى إلى الأمم السابقة حيث يقول:

تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (النحل:64 و65)

غير أن الأمانة والموضوعية تقتضي منا أن نذكر هنا سؤالا هاما قد يخامر أذهان بعض القراء: إذا كان القرآن كتابا من وحي الله تعالى، وكان محفوظا بوعد من الله عز وجل، فلماذا تدهورت أحوال المسلمين، وصاروا من أحط الأمم في عالم اليوم؟ لماذا يبدو المسلمون اليوم كأنهم موتى في دنيا الأحياء؟ لماذا تفرقت كلمتهم وصارت خلافاتهم كالداء الخبيث الذي لا يُرجى منه شفاء؟ لماذا انتكسوا علميا وحضاريا وأخلاقيا وصاروا من أجهل الناس بعد أن كانوا وحدهم شمس العلم التي أنارت العالم كله وأخرجته من ظلمات الجهل؟ لماذا صاروا أفقر الناس رغم ما في أيديهم من إمكانيات استراتيجية واقتصادية وثروات طبيعية لا يستطيعون استغلالها إلا بمساعدة  غير المسلمين؟ لماذا انهزم المسلمون في كل حرب مع أعدائهم، وخسروا كل معركة خاضوها مع غيرهم، حتى إنهم لم يستطيعوا الدفاع عن مقدساتهم فضاع منهم المسجد الأقصى.. أولى القبلتين وثالث الحرمين، ولم ينتصروا إلا في المعارك والحروب التي شنوها على بعضهم البعض، وسفك بعضهم فيها دماء بعض؟

لعل أسهل الإجابات هي أن المسلمين تخلوا عن كتاب الله فآل حالهم إلى ما هم فيه، وأنهم لو عادوا إلى كتاب الله فسوف تدب فيهم الحياة، وتعود إليهم أمجادهم، ويرجع إليهم العز والشرف، وتدين لهم الأمم، وتنظر إليهم الشعوب بعين الإكبار والتقدير والإعزاز.

هذه إجابة صحيحة ولكنها ساذجة. فإن الأمة الإسلامية.. بعد القرون الثلاثة الأولى.. التي قال عنها رسول الله : “خير القرون قرني.. ثم الذين يلونهم.. ثم الذين يلونهم.. وبعد ذلك فيج أعوج.. ليسوا مني ولست منهم”.. بعد تلك القرون الثلاثة الأولى تدهورت أحوال المسلمين، وبدأ مُنحنَى تقدمهم وازدهارهم يحوّل اتجاهه إلى أسفل حتى وصل إلى الحضيض. وها قد مضى عليهم ألف عام بعد تلك القرون الثلاثة الأولى، وبين أيديهم كتاب الله وسُنة رسوله، فلماذا لم يعودوا إلى كتاب الله خلال هذا الألف عام، خاصة وهم يعلمون أن في هذه العودة الحل الشافي لكل مشاكلهم ومصائبهم؟

إنه من السهل رفع شعار “الإسلام هو الحل”، كما أنه من السهل القول بأن الحل هو العودة إلى كتاب الله، ولكن ليس من السهل القول كيف يعود المسلمون إلى كتاب الله. إن القول بأن الحل هو العودة إلى كتاب الله يُشبه في بساطته وسذاجته القول بأن الطريق الوحيد لشفاء المريض الذي غزت جسمه جراثيم المرض هو أن يتخلص من تلك الجراثيم ليتم له الشفاء. صحيح أن هذا هو الطريق الوحيد للشفاء، وهذا أمر يعرفه المريض كما يعرفه كل إنسان، ومع ذلك فإن المريض يظل مريضا لأنه لا يعرف “كيفية” تحقيق الشفاء.

ثم.. ألا يحق لغير المسلمين أن يقولوا إن القرآن كتاب كان يصلح في الزمن الماضي، ولكنه الآن لم يعد يصلح بعد أن تقدم العالم كله، وظل المسلمون في أقصى المؤخرة؟ إن بعض المسلمين راودتهم هذه الأفكار حتى إنهم اتبعوا أسلوب الدول الغربية التي فصلت الدين عن الدولة، فظنوا أنها تخلت عن تمسكها بكتابها المقدس، وأرجعوا أسباب تقدمها إلى التخلي عن الدين والتمسك بالعلم. وتصوروا أنه إذا كان الغرب قد نجح وتقدم بتخليه عن كتابه المقدس، فلماذا لا ينجح ويتقدم المسلمون أيضا إذا تخلوا عن القرآن؟

إن البهائية سلكت هذا المسلك.. إذ إن “بهاء الله” ظن أن عهد القرآن قد انتهى كما انتهت عهود الكتب المقدسة لدى الأمم الأخرى، ولذلك فقد “أنزل” على أتباعه كتابه الأقدس الذي يعتقد البهائيون أنه بديل للقرآن الذي عَفَا عليه الزمن في زعمهم. أما الكثير من المسلمين الذين يعانون من عُقَدة التقدم الغربي وتخلف المسلمين.. فقد أقنعوا أنفسهم بأن الوسيلة الوحيدة للتقدم هي في التخلي عن القرآن واتباع الغرب. ولم يدرك هؤلاء وهؤلاء أن هناك فرقا بين الكتاب المقدس الذي يظنون أن الغرب قد تخلى عنه، وبين القرآن الذي هجره المسلمون.

إن الكتاب المقدس.. بعهديه القديم والجديد، يحتوي على التوراة في الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم، ويحتوي على الأناجيل الأربعة والرسائل.. التي كتب أكثرها بولس.. في العهد الجديد. فأما التوراة فكانت قوانينها ونواميسها تخص بني إسرائيل وحدهم، ولم تأت للعالم كله مثلما جاء القرآن. ثم إن بولس في العهد الجديد اعتبر أن الشريعة لعنة، وقال إن المسيح قد افتدَى الناس من لعنة الناموس، ولهذا فقد نسخ بولس شريعة التوراة وأبطل نواميسها، ولكنه لم يقدم شريعة أخرى بديلة.. على الأقل كما فعل بهاء الله. ولهذا.. فإن الغرب في واقع الأمر لم يتخل عن قوانين التوراة، لأنه لا يؤمن أصلا بفاعليتها ولا باستمرارها. وإذا كان الغرب قد تخلى عن شيء فقد تخلى عن تسلط الكهنوت والكنيسة على الحكم، ولكنه لم يتخل أبدا عن الدين. كذلك لم يتخل الغرب عن القوانين الأخلاقية، وإنما تقوم كل قوانينهم على احترام حقوق الآخرين وتقديس الحرية الشخصية. إن الإنسان الغربي.. في معظم الأحيان.. لا يكذب، ولا يخادع، ولا ينافق، ولا يغش، ولا يخلف المواعيد، ولا يقول شيئا ويبطن شيئا آخر، ولذلك.. فإن الإنسان في الغرب يُعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته في جُرم ما، وحريته الشخصية محل احترام وتقديس من الدولة والمجتمع، ما دامت لا تتعارض مع حرية الآخرين. أما الإنسان في الدول الإسلامية.. فهو في معظم الأحيان.. يكذب ويخادع وينافق ويغش ولا يحترم المواعيد وكثيرا ما يقول أشياء ويبطن غير ما يقول. ولذلك.. فإن الإنسان في الدول الإسلامية عامة يُعتبر مذنبا إلى أن تثبت براءته، كما أن حريته الشخصية أمر بعيد المنال، لا يتمتع بها إلا من كان ذا قوة ونفوذ.

إن من يتصور أن الغرب قد نجح وتقدم لأنه تخلى عن الدين وعن المسيحية فهو واهم. لقد تولى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية ثلاثة رؤساء ينتمون إلى الأجيال الجديدة من المسيحيين الذين يسمون أنفسهم: “المسيحيين المولودين ثانية” (Born Again Christians)، وهم جيمي كارتر، ورونالد ريجان، وجورج بوش. بل إن هناك في الولايات المتحدة ولايات ما يُعرف بـ “حزام الكتاب المقدس” (Bible Belt)، لا يستطيع غير المسيحيين أن يعيشوا فيها بسهولة. ومن الواضح أن حزب الجمهوريين في الولايات المتحدة هو الحزب الذي تسيطر عليه المؤسسات المسيحية الأمريكية، التي اتحدت وكونت فيما بينها ما يعرف بالائتلاف المسيحي (Christian Coalition). وفي أوربا رأينا أن الحزب الديمقراطي المسيحي كان يتولى الحكم في ألمانيا لعشرات السنين، وفي بريطانيا تُعتبر الملكة هي حامية حمى المسيحية، ويتولى تتويجها رجال الدين.

لا.. إن الغرب لم ينجح ويتقدم لأنه تخلى عن الدين، وإنما نجح لأنه تخلى عن جمود وتعنت واستبداد رجال الكهنوت. ولا كهنوت في الإسلام، ولا يصح أن يكون فيه كهنوت، وبالتالي فليس من حق رجال الدين أن يفرضوا آراءهم على أحد، بل كما كان يقول رجال الدين الأولون.. من أمثال الإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي وغيرهم: ”رأْيُنا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب“.

إنه مما يثير الأسى والأسف أن المسلمين الذين هجروا قرآنهم ظنا منهم أنهم يقلدون الغرب.. قد فقدوا قرآنهم ولم يفلحوا لا في تقليد أخلاقيات الغرب ولا في اتباع أساليبه العلمية، فخسروا بذلك الدين والدنيا. وأكثر من تمسك منهم بالدين تمسك بالمظهر دون الجوهر، فأطلقوا اللحى وارتدوا الجلابيب وفرضوا على النساء لبس الحجاب، وانخرط الشباب منهم في جماعات.. الكثير منها لها أسماء دينية بينما تعمل من أجل أهداف سياسية، وأحيانا تكون لها وسائل إرهابية. والنتيجة.. العالم الإسلامي بأكمله يحتل المؤخرة في قافلة التقدم العالمي.

وهنا يفرض السؤال نفسه مرة أخرى.. إن لم يكن القرآن قد عَفَا عليه الزمن كما زعم البهائيون، وإن كان القرآن هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى للعالم أجمع، وإن كان هو الكتاب الذي فيه خير الإنسانية وفلاحها وتقدمها، وإن كانت العودة إلى القرآن هي ضمان نهوض المسلمين من وهدتهم التي تردوا فيها، فلماذا لم يعد المسلمون إلى القرآن خلال الألف عام الماضية.. رغم استمرار تأخرهم وتواصل اضمحلالهم؟

إن المريض الذي غزت جسده جراثيم المرض يعرف تماما أنه لكي يتم له الشفاء فلا بد له من القضاء على تلك الجراثيم، ولكنه لا يعرف كيفية تحقيق ذلك.. فيذهب إلى الطبيب المختص ليتولى علاجه. وجسد الأمة الإسلامية غزته جراثيم هجر القرآن، والمسلمون جميعا يعرفون ذلك، ويعرفون أنه لا بد لهم من العودة إلى القرآن لتحقيق شفائهم من كل الأمراض التي يعانون منها. فمن هو الطبيب الذي يمكن له علاج الأمة؟

هل يمكن أن يكون الطبيب هو الملوك والقادة ورؤساء الأمة؟ لا شك أن الكثيرين من هؤلاء قد سعوا قدر طاقتهم وجهدهم للنهوض بأممهم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. والملوك والقادة ورؤساء الأمة كانوا ولا زالوا موجودين خلال الألف عام الماضية، ولكنهم لم يستطيعوا علاج الأمة.. مع كل الاحترام لما يقومون به من خدمات لبلادهم.

هل يمكن أن يكون الطبيب هو العلماء ورجال الدين في الأمة؟ لقد أثنى رسول الله على علماء الأمة فقال: “علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل”. ولا جرم أن هؤلاء قد بذلوا جهدا عظيما في توجيه الأمة، ولكن رغم استمرار وجودهم في الأمة خلال الألف عام الماضية، فإنهم أيضا لم يستطيعوا علاجها.. مع كل التقدير لما يقومون به من توعية وتهذيب لأفراد الأمة.

هل يمكن أن يكون الطبيب هو الجماعات الدينية التي تكاثرت في الأمة؟ لعل هؤلاء كان ضررهم أكبر من نفعهم. فمنذ قيام الخوارج بالتمرد على خلافة سيدنا عليّ كرم الله وجهه، لعبت هذه الفرق دورا خطيرا في ازدياد الخلافات وتعميقها بين أفراد الأمة.

إن رسول الله لم يترك الأمة بغير أن يحذرها من المخاطر وبغير أن يقرر لها العلاج. وقد رَوَى عبد الله بن عمر في الحديث الذي جاء في الترمذي وفي مشكاة المصابيح أن رسول الله قال: “ليأتين على أمتي كما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتَى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك. وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة”.

إن هذا الحديث الشريف يشير إلى خطر تعدد الفرق الإسلامية التي يكون مآلها جميعا أن تكون في النار، إلا إنه يشير أيضا إلى فرقة واحدة ويقرر أنها الفرقة الوحيدة الناجية. فكيف نعرف هذه الفرقة الناجية؟ يقول رسول الله : “تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي” (مشكاة – باب الاعتصام بالسُنّة، وسنن الترمذي – كتاب الإيمان).

لا شك أن كل فرقة من الفرق الإسلامية الموجودة اليوم في العالم الإسلامي تقول إنها على ما كان عليه رسول الله وأصحابه، فكلهم يقولون إنهم يؤمنون بدعائم الإيمان الست: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. وكلهم يقولون إنهم يقومون بأداء شعائر أركان الإسلام الخمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج لمن استطاع إليه سبيلا. فما هي الوسيلة إذًا للتعرف على الفرقة الناجية؟

إن الرسول لم يبعثه الله تعالى ليزيد الفُرقة بين القبائل العربية التي دعاها إلى الإسلام، وإنما ليُوَحد بينهم ويجمع كلمتهم، ولذلك فقد أقام جماعة المؤمنين التي كان هو إماما لها. ولكَم تعرضت تلك الجماعة للاضطهاد والتعذيب والعزل عن المجتمع والمقاطعة الاقتصادية والاجتماعية والقتل وسفك الدماء، ولكنها تحملت كل أذى بصبر لا يقوى عليه إلا الجماعات التي ينشئها الأنبياء. إن هذا هو ما يميز جماعة المؤمنين.. جماعة النبي الذي يبعثه الله تعالى ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ويبعث فيهم الحياة، ويؤلف بين قلوبهم بالمودة والرحمة.

هذه هي الجماعة الناجية.. التي هي على ما كان عليه رسول الله وأصحابه من تحمل البلاء، والصبر على الأذى والشقاء، وتقبل الاضطهاد وسفك الدماء. وبالإضافة إلى كل هذا.. فإن جميع أفرادها.. في أي مكان كانوا وفي أي بلد يعيشون أو يهاجرون إليه، يتبعون قائدا واحدا وإماما واحدا.

فلننظر إلى جميع الفرق الإسلامية التي تعمل على الساحة الإسلامية، فإذا وجدنا الجماعة التي تتعرض للاضطهاد والتعذيب، وتُعزل وتُقاطع من بقية الفرق الإسلامية ومن المجتمعات الإسلامية، ويُقتل أفرادها وتُسفك دماؤهم، ومع ذلك يتحمل أفرادها كل أذى بصبر كما فعلت الجماعات التي أنشأها الأنبياء من قبل.. إذا رأينا أفراد هذه الجماعة في كل مكان يعيشون فيه أو يهاجرون إليه يتبعون إماما واحدا ونظاما واحدا.. إذا رأينا أفراد هذه الجماعة ينتمون إلى بلاد مختلفة، ويتكلمون بألسنة ولغات مختلفة، وينتمون إلى حضارات وثقافات وأعراق مختلفة، ومع ذلك نرى أن الله قد ألّف بين قلوبهم ووحّد كلمتهم وجمعهم على التقوى.. فلنعلم يقينا أن هذه هي الجماعة الناجية، فإن مثل هذه الجماعة هي الجماعة التي ينشئها الأنبياء. وقد ذكر القرآن صبر وثبات جماعة موسى عليه السلام حين هددهم فرعون بالقتل والصلب في جذوع النخل:

قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَآءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَآ أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَآ * إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (طه:73 و74)

إن مثل هذه الجماعة لا ينشئها غير الأنبياء، ولقد أخبرنا رسول الله أن الإسلام سوف يعود كما بدأ.. غريبا على الأمة، فقال: ”بدأ الإسلام غريبا على أمتي، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى يومئذ للغرباء“. إن أولئك الغرباء سوف تضطهدهم الفرق الإسلامية الأخرى، ويخرجونهم من بينهم، ويعتبرونهم صابئين خارجين عن الإسلام، وسوف يمنعونهم من أن يسموا أنفسهم مسلمين، تماما كما كانت قريش تقول عن المسلمين الأوائل إنهم صابئون.

إن القرآن ليس كالكتب المقدسة الأخرى التي انتهى زمانها ولم يَعِد الله بحفظها فضاع أثرها على أتباعها. وإنما القرآن كتاب حي، والإسلام دين حي، ومهما انحط شأن المسلمين، فلن تنتهي هذه الدنيا قبل أن يرتفع شأن الإسلام مرة أخرى، ولن تقوم القيامة قبل أن تعود شمس الإسلام لتنير العالم مرة أخرى. لقد وعد الله تعالى أن يبعث الإسلام بعثا جديدا، ويجعل له الغلبة على الدين كله، فقال:

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ (الصف:31)

والإظهار على الدين كله ليس معناه التبيين والتعريف، ولكن معناه الغلبة والانتصار واليد العليا. يُقال ظهر الجيش على عدوه.. أي حقق الانتصار والغلبة وصارت له اليد العليا.

كذلك فقد وعد الله أن يحقق للآخرين من الأمة كل الوعود التي تحققت للأولين. فقال الله تعالى عن المؤمنين من المقربين:

أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * في جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخِرِينَ (الواقعة:12- 15)

وقال عن المؤمنين من أصحاب اليمين:

لأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِّنَ الأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ منَ الآخِرِينَ (الواقعة:39-41)

وتشير هذه الآيات الكريمة إلى أن الله تعالى سوف يجعل في الآخِرين من الأمة.. المقربين والأبرار من أصحاب اليمين مثلما كان في الأولين. وتصديقا لذلك قال الرسول :

“الخير فِيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة”. وفي حديث آخر قال: “كيف تهلك أمة أنا في أولها والمسيح ابن مريم في آخرها”؟

ولما كان الله تعالى قد قضى أن يكون الخير في هذه الأمة إلى يوم القيامة.. كما أكد على ذلك رسول الله، ولما كانت هذه الأمة تشابه أمة بني إسرائيل كما يتشابه النعل بالنعل.. كما بيَّن ذلك رسول الله، فإنه من المنطقي أن يكون في الآخرين من الأمة الإسلامية مسيح يشابه المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، الذي بعثه الله تعالى في الآخرين من أمة بني إسرائيل. غير أن المسيح الذي يبعثه الله تعالى في هذه الأمة لا بد أن يكون من هذه الأمة وليس من أمة بني إسرائيل، وإنما يُطلق عليه اسم المسيح عيسى ابن مريم للمشابهة، كما سبق أن بينا ذلك في الفصل الثالث من هذا الكتاب.

نعم.. إن أنبياء الله تعالى هم إخوة، والإيمان بهم جميعا فرض أوجبه الله عز وجل على المسلمين، ولكن هذا لا يعني أن تتحقق وعود الله لهذه الأمة على يد نبي من أمة بني إسرائيل. فكيف يكون الخير في هذه الأمة إلى يوم القيامة ويبعث الله فيها نبيا ينتمي إلى أمة أخرى؟ وكيف تكون هذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس، حسبما ذكر الله تعالى في كتابه العزيز، ثم يبعث الله فيها نبيا من أمة أخرى، كما لو كانت الأمة بأسرها لا تصلح لأن يختار الله من بين أفرادها رجلا يشابه المسيح عيسى ابن مريم.

لا.. إن هذه الأمة هي خير الأمم، وسوف يظل الخير فيها إلى يوم القيامة، وسوف يظل كتابها القرآن الكريم، وسُنَّة رسولها العظيم، وسيلة الهداية والنجاة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وكل الأحاديث التي تشير إلى بعث المسيح عيسى ابن مريم في الآخرين من هذه الأمة.. إنما تشير إلى بعثة رجل من المؤمنين المخلصين من أمة رسول الله، يفنَى في طاعة الله، وفي اتباع سُنَّة رسول الله، حتى يكون الله بصره الذي يبصر به، وسمعه الذي يسمع به، ويده التي يبطش بها، وقدمه التي يسعى بها، ويصطبغ بصبغة الله، ويطهره الله من عنده فيجعله من المطهرين، ويؤتيه علوم القرآن، ويسبغ عليه من معارف الفرقان، ويؤيده بروح من عنده، ويمكنه من بعث الإسلام بعثا جديدا، فينفخ روح الحياة والإيمان.. ليس في المسلمين فحسب.. بل في أتباع الأنبياء من جميع الأديان الأخرى، فيدخل الناس في دين الله أفواجا، ويعود نور الإسلام إلى البزوغ مرة أخرى، وتسطع شمس الإسلام على جميع أنحاء المسكونة.

إن جماعة هذا المسيح الموعود لهذه الأمة هي التي سوف تحمل المشعل كما حملته من قبل جماعة المؤمنين التي أنشأها رسول الله . وهذه هي الجماعة الناجية، وهي الجماعة التي من المحتم أن تتعرض لكل الشدائد والمصاعب والآلام والاضطهاد الذي تتعرض له جماعة الأنبياء.

إن جماعة الأنبياء لا بد أن تلقى التعذيب والاضطهاد، ولا بد لها من تقديم التضحيات، ولا بد لها من تحمّل أنواع المرارة وصنوف الآلام. وهي في كل مرحلة من مراحل الابتلاء التي تمر بها تتمسك دائما وأبدا بأهداب الصبر، ولا تحيد قيد أنملة عن حدود التقوى. إنها لا تنتقم من أولئك الذين يضطهدونها، بل تدعو لهم بالخير والهداية. ولا تكيل الصاع صاعين لمن يُنـزلون بها صنوف الآلام والتعذيب، بل تزيد من سعيها لإيصال الحقيقة إليهم، وتبليغهم بالحق الذي يجهلونه. لذلك.. فإن الابتلاء الذي تتعرض له لا يصيبها بنكسة ولا بضعف، بل يزيدها قوة وحماسا وتقدّما.

إن الأنبياء الذين يبعثهم الله تعالى لهداية الناس، يسعون بكل طاقاتهم، ويبذلون ما في وسعهم من العمل، ويجاهدون بكل ما آتاهم الله تعالى من قُوى، لكي يُنشئوا تلك الجماعة المباركة التي سوف تحمل مشعل الهدى والإيمان من بعدهم. إنهم يربّون أفراد جماعتهم على التقوى والإيمان، ويقيمونها على البر والإحسان، ويغذونها بلبن التضحية والإيثار، ويسقونها رحيق الصدق والإخلاص.

هذه هي مهمة الأنبياء.. إنهم ينشئون جماعة من المؤمنين تكون على قدم الصدق من ربها ذي المجد والآلاء، لتضرب أروع الأمثال في التضحية والفداء، وتتقبل كل أنواع الآلام والشدائد والابتلاء، وتبذل في سبيل ربها الأرواح والأنفس والدماء، وتبلغ في الإيمان والإخلاص كل قمة وعلاء. وحين يُناديها منادي السماء، تلبي من فورها صوت النداء، وتقول سمعنا وأطعنا بغير مراء. لا تخيفها صولة الأعداء، ولا تهاب العواصف الهوجاء، ولا تفتر همتها لطول الليلة الليلاء، ولا تحيد عن الحق إذا طال البلاء، ولا يفُتّ في عزمها انتقاد الجهلاء، ولا تُثنيها سخرية السفهاء، ولا ينال منها التهكم والاستهزاء، ولا يؤثر فيها الشتم والسب والهجاء، ولا تسيئوها حملات الزور والبهتان والافتراء، ولا تئن من ثقل حمل الأمانة والأعباء. بل تمشي قُدما بكل وفاء، متخلية عن الثوائر النفسية وعن الأهواء، راجية من الله حُسن الرجاء، ومتقلبة في أفضال الله وفي النعماء. باذلة في سبيله كل عطاء، وشاكرة لفضله في الخير والسرّاء، وصابرة لقضائه في السوء والضرّاء. لا ترجو من سواه أي أجر أو جزاء، ولا تدين لغيره بحمد أو ثناء. تسعى إليه سعي الطلباء، وترفع إليه وحده أكُفّ الضراعة والدعاء. تنساب إليه كما ينساب غدير الماء، وتهرع إليه في كل شدة ورخاء. تتخذ من ذكره مشربا عذب السقاء، وتنال من وصاله طعاما نمير الغذاء، وتكتسي بتقواه حُلّة من جميل الكساء.

هذه هي جماعة الرسل والأنبياء، جسد واحد متعدد الأعضاء. لا يُفرّقها اختلاف الآراء، ولا يُشتتها تنافس الزعماء، بل يؤلف بين قلوب أتباعها صاحب الصفات جميل الأسماء، ويجمع بين أفرادها مُبدع الكون خالق السماء، ويُوَحّد كلمتها من مد الأرض وفطر الغبراء، وهو الذي يحفظها دوما على طريق الحق والنور والضياء. تجتمع فيها القلوب في ألفة وإخاء، وتتطهر بها النفوس من الخلافات والشحناء، وتزول من الصدور دواعي الغل والبغضاء. يهوي إليها كرام الناس من الفضلاء، ويحيد عنها العُمي والصمّ من الخبثاء. يُخالفها أهل السوء من الدهماء، ويُعارضها أهل الشر من التعساء. يرجون لها السوء والاندحار والفناء، ويكتب الله لها النصر والعزة والبقاء. يبغضها أهل الظلم والظلماء، ويهواها أهل الخير من النبلاء، ويؤيدها أهل الحق من الشرفاء. ينخرط في سلكها العباد الأتقياء، وتجمع في صفوفها النخبة من النجباء، ويَشرُفُ بها من كان يخشى اللهَ من العلماء.

هؤلاء هم زُمرة الصلحاء، فاجعلنا يا رب دوما من هؤلاء السعداء، واجعلنا لهم في الجنة من الرفقاء، واكتبنا مع الصديقين والصالحين والشهداء. واغفر اللهم لكاتب هذا الإملاء، واجزه من لدنك في الدنيا والآخرة خير الجزاء، وعافه في دار الفناء، وقربه إليك في دار البقاء، وأجُرْه بجودك وكرمك يا أكرم الكرماء، وارحمه بفضلك ورحمتك يا أرحم الرحماء، يا محبوبنا.. يا ربنا.. يا ذا الخير والمجد والآلاء.

Share via
تابعونا على الفايس بوك