كتاب يبعث الروح والحياة في كل من يتبعه

كتاب يبعث الروح والحياة في كل من يتبعه

الأستاذ المرحوم مصطفى ثابت

تُثار في الغرب مزاعم كثيرة ضد التحدي القرآني القائل بأنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثله. ويُقال أيضا بأنه ليس بالضرورة من وحي الله تعالى، بل إن محمدًا كان طفرة من بين البشر. إذ يقولون إنه حسب قانون الطفرة يُمكن أن يُؤتى فرد من الأفراد موهبة فائقة أو قدرة خارقة، لا يماثله فيها أحد من البشر.

وعلى هذا.. فإن كان القرآن كتابا فريدا لم يستطع أحد أن يأتي بمثله، فلا يدل هذا بالضرورة على أن ذلك الكتاب من وحي الله تعالى، بل يمكن القول بأن محمدا كان رجلا عبقريا.. وإنه كان طفرة من بين البشر.

اقرأ الرد على هذا البهتان وافحص الدلائل على أن القرآن نزل من عند الله، من خلال كتاب: «القرآن معجزة الإسلام» الذي سننشره عبر حلقات في هذه الزاوية.   «التقوى»

الدليل الرابع على قدسية القرآن

إنه كتاب يبعث الموتى إلى الحياة

هناك الكثير من الكتب التي يؤلفها الناس بغرض التعليم والتثقيف، أو لنشر العلوم والمعرفة، أو للترفيه والتسلية.. أما الكتب التي تأتي من عند الله فإنها تتميز بأنها تبعث الحياة في الناس.

إذا ألقينا نظرة على بني إسرائيل حينما كانوا يعيشون في مصر تحت حكم فرعون.. نرى أنهم فقدوا كرامتهم الإنسانية، وكانوا يعيشون مثل حيوانات الحقل، يعملون كما تعمل البغال والثيران، ويُطعَمون كما يُطعَم الحيوان. ثم بعث الله تعالى إليهم موسى عليه السلام ليخرجهم من الظلمات إلى النور، ويرد إليهم الكرامة الإنسانية التي فقدوها.. أو بمعنى آخر.. لكي يبعث فيهم الحياة التي سُلبت منهم.

واتبع بنو إسرائيل موسى وخرجوا من مصر، ولكنهم كانوا عُصاة.. فلم يطيعوا أمر موسى حين أمرهم أن يدخلوا الأرض المقدسة، فقالوا له اذهب أنت وربك فقاتلا.. إنا ههنا قاعدون. وكانت نكسة اقتضت أن يمكثوا أربعين سنة تائهين في الأرض، إلى أن تعلموا إطاعة القوانين التي أنزلها الله على موسى في التوراة. وحين دخلوا الأرض المقدسة.. استطاعوا أن يبنوا أمة كان لها شأن كبير في عالم ذلك الزمان، حتى إنهم في خلال ثلاثة قرون أقاموا مملكة عظيمة، بلغت أوج مجدها في عهد داود وسليمان عليهما السلام.

غير أنهم بعد ذلك عصوا أوامر كتابهم المقدس.. فأصابتهم الفُرقة والانقسام. وانقسمت مملكتهم إلى مملكة إسرائيل في الشمال، ومملكة يهوذا في الجنوب. ثم سلط الله عليهم أعداءهم.. فقضى الأشوريون على مملكة إسرائيل الشمالية عام 722 قبل الميلاد، ثم قضى نبوخذ نصر ملك بابل على مملكة يهوذا الجنوبية عام 587 ق.م، وحطم عاصمتها أورشليم، ودمر هيكل سليمان وأحرق مقدساته، وأخذ بني إسرائيل ليعيشوا تحت نير العبودية والسُّخرة تحت حكم البابليين في بابل، كما كانوا يعيشون من قبل تحت حكم فرعون في مصر. وهكذا.. عاد بنو إسرائيل إلى براثن الموت الذي كان يسيطر عليهم أثناء وجودهم في مصر.

ويُقال إن عزرا النبي أعاد كتابة التوراة بعد أن فقدها بنو إسرائيل، وبتوجيه من النبي دانيال وغيره من الأنبياء.. عاد بنو إسرائيل مرة أخرى إلى إطاعة أوامر الله، وبذلك دبت فيهم الحياة مرة أخرى. وفي عهد الملك كورش ملك مادي وفارس، سمح الملك لقبيلتين من قبائل بني إسرائيل أن يعودوا إلى فلسطين، وأذن لهم بإعادة بناء الهيكل الذي أحرقه ودمره ملك بابل، وكان ذلك مكافأة لهم على مساعدتهم الفُرس في حربهم وانتصارهم على البابليين.

غير أن بني إسرائيل الذين رجعوا إلى فلسطين عادوا مرة أخرى إلى المعصية، فسلط الله عليهم أمم الأرض.. فتداعت عليهم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها، فاستعمرهم اليونان.. ثم احتل بلادهم الرومان.. ولم تقم لهم قائمة إلى أن بعث الله تعالى المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام. فلما رفضوا أن يؤمنوا بالمسيح الموعود الذي كانوا في انتظاره، عاقبهم الله تعالى.. ففقدوا فلسطين للمرة الثانية بعد أن طردهم منها الرومان عام 73 بعد الميلاد. وبذلك تفرق اليهود في الأرض، وراحوا في طي النسيان.. إذ لم تجمعهم دولة ولم يعُد لهم شأن يُذكر، حتى عصرنا الحالي في عام 1948.

أما القلة التي آمنت بالمسيح عليه السلام، والتي كانت مستضعفة ومضطهدة من اليهود أو من الرومان على السواء، فقد دبت فيها الحياة.. واستطاعت في خلال ثلاثة قرون أن تؤثر على الدولة الرومانية نفسها، حين دخل الامبراطور قسطنطين في المسيحية، وأمر أن تكون المسيحية هي الدين الرسمي للإمبراطورية.

وإذا ألقينا نظرة على العرب قبل بعثة رسول الله ، وجدنا أنهم كانوا أمة ممزقة متنازعة، بل إن لفظ الأمة ما كان يصلح أن ينطبق عليهم، إذ لم يكن لديهم شيء من مقومات الأمة. فلم يكونوا سوى مجموعة من القبائل المتناحرة المتنافرة، وكانوا معروفين بين الأمم بأنهم الأميون، لجهلهم وتخلفهم وحماقاتهم.

كان العالم في ذلك الحين ينقسم إلى دولتين عظيمتين.. إحداهما في الشرق.. هي الإمبراطورية الفارسية، والأخرى في الغرب.. وهي الإمبراطورية الرومانية. وكان كل من هاتين الإمبراطوريتين تنظر بعين الاحتقار والتدني إلى العرب.. الذين كانوا في حالة من التأخر.. علميا.. وثقافيا.. وحضاريا.. وأخلاقيا.. وعسكريا. حتى إن جيوش المسلمين حينما كانت تحارب الإمبراطورية الفارسية ردا لعدوانها على الدولة الإسلامية بعد تأسيسها، كان جنود الجيش الفارسي يأنفون من محاربة العرب، فكانوا يقولون لجنود العرب استهزاءً واستخفافا بهم: فليأخذ كل منكم دينارا ولتعودوا إلى بلادكم بدلا من أن نسفك دماءكم.

فماذا حدث لهذه القبائل المبعثرة المتفرقة التي لم يكن لها شأن بين الأحياء في ذلك الزمن.. بعد أن بُعِثَ فيهم رسول الله؟

لقد نزل إليهم كتاب من الله تعالى يقول لهم:

اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (الأنفال:25)

قبائل كانت ممزقة متنافرة.. فجاءهم رسول من الله بكتاب يقول لهم:

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا (آل عمران:104)

أمة كانت غارقة في الجهل والأمية فنـزل إليهم كتاب يقول:

وَاتَّقُوا اللَّـهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّـهُ (البقرة:283)

قوم كانوا يعيشون في ضنك وفقر وحرمان.. حتى إن رسول الله كان ينام على فراش يؤثر في جنبه، وكان كثيرا ما يبيت هو والعديد من المسلمين بغير طعام، فجاءهم كتاب يَعدهم بالغنى من فضل الله ويقول لهم:

وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ (التوبة:29)

أقوام كـانوا يتـناصرون استجابة للعصبية والقبيلة لا دفاعا عن العدل والحق، ومع ذلك فقد كانوا ينهزمون أمام أعدائهم، حتى إنهم لم يستطيعوا أن يدافعوا عن المسجد الحرام حين جاءت الجيوش لهدمه في عام الفيل، فبعث الله إليهم بكتاب يقول لهم:

إِن تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتَ أَقْدَامَكُمْ (محمد:7)

فماذا كان تأثير ذلك الكتاب عليهم؟

إن الأمة التي كانت في حالة الموت بين أحياء ذلك العصر دبت فيها الحياة.. لقد استجابوا لله وللرسول حين دعاهم لما فيه حياتهم، فعادت إليهم الحياة. لقد كانوا يعبدون الأصنام والتماثيل والحجارة، فكانوا أمواتا بغير حياة مثل الأصنام التي كانوا يعبدونها، فلما عبدوا الله الحي القيوم بإخلاص.. بعث الله فيهم الحياة.

لقد كانوا في فُرقة وشتات وخلاف، فلما اعتصموا بحبل الله زالت منهم الفُرقة، وفارقهم الشتات، واجتمعت كلمتهم بغير خلاف، فكان اتحادهم قوة جعل لهم شأنا عظيما بين أمم عصرهم.

كانوا أمة أمية تعيش في جهل وتأخر، فلما تمسكوا بكتاب الله واتقوا ربهم آتاهم الله علوم الدنيا والدين، حتى إنهم كانوا وحدهم حملة مشاعل العلم والحضارة في العالم الذي كانوا يعيشون فيه، بينما كانت أوربا تغط في عصور الظلام. بل إن أوربا ما كانت لتنهض بعد ذلك فيما عُرف بعصر النهضة.. لولا العلوم والفنون التي قاموا بترجمتها من العلوم التي كان الفضل في اكتشافها وتدوينها لعلماء المسلمين.

كانت أمة العرب من أفقر الأمم.. فوعدهم الله تعالى في كتابه العزيز أن يغنيهم من فضله، وفي غضون ثلاثة قرون بعد أن جاءهم كتاب الله، وهي فترة تعتبر لحظة في عمر الشعوب، إذا بهم يصيرون من أغنى الأمم، فاتسعت دولتهم، وترامت أطرافها.. حتى إن خليفة المسلمين كان يقف في شرفة قصره ويخاطب السحابة التي تمر فوقه قائلا: “إذهبي حيث شئت.. فسيأتيني خراجك”.

كانت قبائل العرب تتعاون على الظلم والعدوان، وتتناصر للعصبية والقبيلة، بينما كانوا ينهزمون دائما أمام أعدائهم، ولا يستطيعون الدفاع عن مقدساتهم. فلما آمنوا بكتاب الله الذي وعدهم بالنصر إذا نصروا ربهم، رأى العالم كله هذه القبائل المؤمنة تنتصر على أعظم وأقوى قوتين عالميتين في ذاك الوقت.. الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية الرومانية. وتحقق لهم وعد رسول الله الذي وعدهم به حينما كانوا لا يزالون قلة مستضعفة.. يخافون أن يتخطفهم الناس.. لما جاءت جيوش الكفر تحيط بالمدينة لتقضي على الدين الجديد، فحفر المسلمون خندقا حول المدينة لحمايتها من الجيوش المهاجمة، فاعترض طريق الحفر حجر لم يستطيعوا أن يحطموه، فأبلغوا رسول الله الذي أخذ معولا وضرب به الحجر فتطاير منه الشرر، ثم أبلغهم الرسول.. بعد أن حطم الحجر.. أن الله تعالى أراه من خلال ذلك الشرر أن أمته سوف تنتصر على الفرس والروم، وسوف ينفقون كنوزهما في سبيل الله. وتحقق لهم وعد الله بالأمن والعزة والطيبات من الرزق، كما يقول سبحانه:

وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ في الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (الأنفال:27)

إن هذه الأمور جميعها ليست حكايات من نسج الخيال، ولا هي قصص يكتب عنها من لم يرها ولم يعش أحداثها، كما كتب لوقا إلى صديقه العزيز ثاوفيلس، وإنما هي حقائق.. شهد لها التاريخ، وسجلها أولئك الذين رأوها بأعينهم، وحضروا مشاهدها بأنفسهم، سواء كانوا من المؤمنين بكتاب الله، أو من غير المؤمنين من مؤرخي ذلك الزمن.

أين ذلك الكتاب الذي يكتبه إنسان يَعِد فيه أمة ميتة بالحياة، فإذا بها تعود إلى الحياة؟

أين ذلك الكتاب الذي يؤلفه إنسان يعد فيه أمة متفرقة مشتتة بالوحدة والقوة، فإذا بها تتحد وتقوى؟

أين ذلك الكتاب الذي يخطه إنسان يعد فيه أمة جاهلة وأمية بالعلم والعرفان، فإذا بها تصير منارا للعلم بين الأمم؟

أين ذلك الكتاب الذي يُدَونه إنسان يعد فيه أمة فقيرة بالفضل والغنى، فإذا بها تصير أغنى أمم الأرض؟

أين ذلك الكتاب الذي يسطره إنسان يعد فيه أمة منهزمة بالنصر، فإذا بها تنتصر على أقوى الإمبراطوريات؟

إنه كتاب الله وحده الذي يحقق كل هذا. إنه كتاب الله الذي يبعث الحياة في الأمم. ولذلك فقد سماه الله روحا، لأنه يبعث الروح والحياة في كل من يتبعه. يقول تعالى:

  وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ (الشورى:53-54)

ولما كان القرآن روحا فقد نزل به الروح الأمين.. أي الروح القدس الذي يهب الحياة بأمر الله. يقول تعالى:

  وَإِنَّهُ لَتَنـزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين على قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (الشعراء:193-195)

غير أن المتشككين لا يزالون يشكون، ويتساءلون أحق هو؟

وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ (يونس:54)

ثم يسألون مرة أخرى عن هذا الكتاب.. عن الروح الذي يهب الحياة.. إن كان بالفعل من أمر الله أو إنه لا يعدو أن يكون من عند البشر:

  وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي (الإسراء:86)

نعم.. إن هذا الكتاب.. هذا الروح.. هو من أمر الله، وليس من أمر البشر. إنه يهب الحياة.. تماما مثل روح القدس الذي يبعثه الله يحمل البشرى والحياة إلى الصديقين والأبرار والصالحين. فإن الله يؤيد عباده الصالحين بروحه القدس الذي ينبعث من لدنه، كما يقول تعالى:

  أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْه (المجادلة:23)

وهو ينفخ هذا الروح في عباده الأبرار.. كما ذكر سبحانه عن آدم عليه السلام:

  فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (الحجر:30)

وكما ذكر عن مريم ابنة عمران:

وَالَّتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا (الأنبياء:92) فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (مريم:17)

وكما ذكر عن سائر الأنبياء:

  يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاَقِ (غافر:16)

فهل رأى الناس كتابا يبعث الحياة في الأمم كما تفعل الكتب المقدسة؟ إن رسل الله وكتبه المقدسة هم الذين يبعثون الحياة في الناس ويعيدون الأمم إلى الحياة. ولم يحدث بتاتا أن نزل كتاب من عند الله على أمة من الأمم إلا وبعث الله تلك الأمة من بين الأموات ونفخ فيها الحياة. وهذا من أقوى الأدلة على أن القرآن حق من عند الله، نزل من الله الحي القيوم، وبعث الحياة في أمة كانت من قبل في عداد الأموات.

Share via
تابعونا على الفايس بوك