ذكر الحشرات في القرآن الحكيم الحكمة و الغاية

الدكتور علي خالد البراقي

  • الحشرات والقرآن الكريم.
  • لمحة سريعة عن حياة الحشرات وأعدادها.
  • العبرة من تسمية سورة النحل بهذا الاسم.
  • فيه شفاء للناس.
  • الوحي يصنع المعجزات.

خلق الله تعالى السموات والأرض وخلق فيها كل شيء من نبات وحيوان وجعل منها أسباب حياة الإنسان الذي هيأ له كل مقومات الحياة وسخَّر له كل شيء، وضرب الله تعالى للإنسان الأمثال مما يحيط به من بيئته ليدفعه للتفكر والتبصر والتعقل ما يوصله بسهولة إلى الإيمان، وجعل له الحواس لنقل كل ذلك إلى الدماغ الذي يجتمع فيه وفي القلب جوهر الإنسان العاقل المفكر. وهداه ليؤمن أخيرا بخالق الكون ليتعظ من نفسه ومما يحيط به في هذا الكون الفسيح المدهش، فيقول تعالى:

وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (الذاريات: 21-23)

ورد في القرآن الحكيم الكتاب المنزَّل لبني نوع الإنسان ذكر كثير من العوالم والكائنات من حيوان ونبات وكائنات دقيقة وأجرام ونجوم وكثير من مكوناتها كالماء والهواء والتراب والجبال وغير ذلك، وسنلقي ضوءاً على بعض الكائنات المذكورة في القرآن وسبب ذكرها وسياق ذلك والقصد من ذكرها. هل كانت هي المقصودة أم نوِّه بذكرها إلى مقصود نحتاج للتفكر لنفهمه. وفي هذه المقالة سنتكلم عن الحشرات المذكورة في القرآن الكريم. قال الله تعالى في محكم كتابه:

وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (الأنعام: 39).

الحشرات، عالم هائل على سطح كوكبنا وأعداد أنواعها بالملايين. يعرف الإنسان أكثر من مليون ونصف نوع حشري، ويقدر عدد الأنواع الكلي بخمسة ملايين نوع وهذا يعني أن الحشرات تكوِّن نحو 90% من مجمل الأنواع الحية على سطح الأرض، تنوعها كبير من حيث الشكل والحجم واللون وطريقة الحياة، وهي كتلة حيوية مهمة على سطح الأرض وتعيش في البيئات كلها تقريباً، لن نتوسع بالشرح عن سلوك الحشرات وإنما نذكرها لنغطي الهدف الذي جاء بعنوان البحث، أي الحشرات المذكورة في القرآن الحكيم، لأن ذلك يحتاج لمقالة بل مقالات منفردة لكل نوع من هذه الحشرات لتستبين الصورة أكثر. سنرقِّم الآيات بعدِّ البسملة الآية الأولى في السور كما هو معتمد لدى الجماعة الإسلامية الأحمدية. لقد ورد في الآية:

ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ،

قد يتبادر إلى الذهن أنها الطيور فقط، لكن هناك كائنات أخرى طيارة ومنها غالبية الحشرات التي لها أجنحة وتقع تحت هذا التعبير، وإن كانت الطيور هي صف خاص من المملكة الحيوانية لها صفات محددة ككسوة جسمها بالريش وغير ذلك. وقد قال الله تعالى هنا إلا أمم أمثالكم ولم يقل أمم مثلكم فلم يعتبر الله تعالى البشر أمة واحدة، فهذه الكائنات هي أمم متفاوتة مختلفة في الشكل الخارجي والبنية الخارجية والداخلية والسلوك وطرائق الحياة واللغة وغيرها مما يمكن أن تتشابه به مع الإنسان، وإن كنا نخصص بحثنا هذا للحشرات التي هي صف مستقل من المملكة الحيوانية ذات نجاح كبير في انتشارها على غالبية مساحة الكرة الأرضية، والتي تنتمي تصنيفياً إلى “فوق صف” سداسيات الأرجل Hexapoda، فقد ذُكرت أنواع منها في القرآن ذكراً مقصوداً بذاتها وسميت سور باسمها، فهناك سورتان سميتا باسم حشرتين هما سورة النحل وسورة النمل، أحياناً يكتب البعض خطأ أن سور القرآن المسماة بأسماء الحشرات ثلاثة ويضم إليها سورة العنكبوت، فالعنكبوت ليس من الحشرات أي ليس من صف سداسيات الأرجل التي تنتمي إليها الحشرات، بل هو من صف العناكب التي هي ثُمانيّة الأرجل، وهو صف آخر قريب الصلة بالحشرات من حيث أنه ينتمي معها إلى قبيلة مفصليات الأرجل Arthropoda .
إن انطباع غالبية الناس أن الحشرات كائنات ضارة مؤذية وقد يكون هذا صحيحًا من جانب؛ إذ قليل من الحشرات ما هو نافع منفعة مباشرة (النحل ودودة القز) للإنسان الذي ينظر لكل شيء بعين المنفعة المباشرة له، ولكن الحشرات كلها ذات أهمية وفائدة كبيرة في الأنظمة البيئة Ecosystems والحياة على سطح الأرض لما تقوم به من دور حيوي كبير الأهمية.
نعلم أن القرآن الكريم يضم مئة وأربع عشرة سورة، سميت سورتان منها فقط بأسماء الحشرات وهي: سورة النحل، ترتيبها في القرآن 16 وعدد آياتها مع البسملة 129 آية، وسورة النمل، ترتيبها 27 وعدد آياتها مع البسملة 94 آية، بينما ذكر الله تعالى في القرآن الحكيم في سور مختلفة ست حشرات أخرى وبذلك يكون عدد الحشرات المذكورة في القرآن الكريم ثمانية هي: البعوضة (البعوض)، والجراد والقُمّل، والنحل، والذباب، والنمل، ودابة الأرض(النمل الأبيض) وأخيراً الفراش(الفراشات). وهذا التسلسل حسب ورودها في القرآن الكريم، وفيما لو ضممناها علمياً كمجموعات فهي: البعوض والذباب والقمل (حشرات صحية)، النمل الأبيض والنحل والنمل العادي (حشرات اجتماعية)، الجراد والفراشات (حشرات اقتصادية (ضارة) زراعية). فيا ترى ماذا يمكن فهمه من تسمية هاتين السورتين باسم حشرتين مهمتين تتصفان بصفات مهمة وفوائد جمة، أهمها أنهما حشرتان اجتماعيتان مجتمعهما على مستوى رفيع من التنظيم الاجتماعي الفطري، يحلم الإنسان أن يكون مجتمعه منظماً على منوال الحياة في مستعمراتها. ففي أي معنى؟ ولماذا؟ وما الغاية من ذكر تلك الحشرات في كتاب الله العزيز؟

أولاً: ما النحل، وماذا كان القصد من تسمية سورة من سور القرآن الكريم باسمه؟
ذكر الله تعالى النحل تلك الحشرة وذكر من منتجاتها العسل الذي فيه شفاء للناس، إذ يقول تعالى:

وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ . (النحل: 69-70).

لقد قُصد من ذكر (النَّحْلِ) اسم النوع بعينه وقال تعالى:

اتَّخِذِي، ثُمَّ كُلِي، فَاسْلُكِي، يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا الخ…

النحل تصنيفيا هو مجتمع أنثوي (ملكة أنثى حقيقية، وشغالة أنثى شبه عقيمة) ووجود الذكور في طائفة نحل العسل المقصود في السورة حالة طارئة، لأن من النحل أكثر من 20 ألف نوع غالبيتها تعيش حياة انفرادية ولا وجود للذكور في أعشاشها بل الإناث فقط، تموت الذكور بعد تلقيح الإناث التي تبني العش وتربي النسل وتجمع الغذاء، فلا وجود للذكور أبداً في المستعمرة، تظهر الذكور والإناث الخصبة مؤخراً مع نهاية فصل النشاط وتكون مهمتها فقط تلقيح إناث المستقبل ومن ثم تموت، فسبحان الله خالق هذا النظام المحكم في هذه الحشرات. طرائق حياة هذه الأنواع متنوعة ومعقدة جداً، وكذلك فائدة ما يخرج من بطون النحل فقال تعالى: يخرج من بطونها وفي هذا علينا التفكر بدقة في هذا الأمر، لماذا ذكر الله تعالى النحل وقال يخرج من بطونها ولم يقل من بطونه انسجاماً مع اللغة؟ وقد دعانا سبحانه وتعالى للتفكر في المنتجات العديدة للنحل فهي ليست فقط العسل بل ست منتجات تُعدُّ صيدلية كاملة.
قال سيدنا المصلح الموعود في سياق تفسير سورة النحل ما مجمله: (جاء ذكر النحل في السورة التي تحمل اسم سورة النحل، وهي من السور المكية التي تعالج موضوعات العقيدة الكبرى، الألوهية والوحي والبعث والنشور، كما تتحدث عن دلائل القدرة والوحدانية في ذلك العالم الفسيح في السموات والأرض والبحار والجبال والسهول والوديان والماء والنبات والفُلك التي تجري في البحر. ولقد سميت بسورة النحل لاشتمالها على تلك العبرة البليغة التي تشير إلى عجيب صنع الخالق وتدل على الألوهية بهذا الصنع العجيب. وذكر الوحي إلى النحل والمراد من الوحي هنا هو الإلهام والهداية أي ألهم الله تعالى النحلة طريقة حياتها المدهشة…).
النحلة مدهشة بارعة حقاً في كل سلوكها كاختيار مساكنها وتنظيفها والمحافظة عليها وجمع الغذاء وتربية النسل والدفاع عن المسكن. هذه الحشرة الصغيرة التي لا يتعدى وزنها المئة ملغ ووزن دماغها عن 1-2 ملغ فقط. وما يتراءى سوءاً من النحلة هو حقا للدفاع عن مسكنها، ولكن حتى هذا وجد الإنسان المتفكر طريقاً لاستثمار سم النحل في علاج أشد الأمراض المستعصية على الشفاء بالأدوية وغيرها. والناس يعملون الخير بالعقل وبالوحي يعمل النحل العسل ومنتجات أخرى ستة! هل يتخيل امرؤ أن النحل هذه الحشرة الصغيرة تجمع ستة منتجات متنوعة كلها غذاء ودواء مهول! إنها صانعة دواء هكذا يفعل الوحي، يأتي بالدواء الرباني، بالدواء السماوي، ليشفي أمراض الناس وانحرافاتهم، كل كائن أوحي له لكن الزلاقط (الزنابير) كيف كان الوحي لها وهي قريبة النحلة؟ والدبابير والذباب وغيرها من الحشرات الضارة الأخرى، فيقول المصلح الموعود : (تبارك الله كيف عمل بالوحي محمداً وكيف عمل بالوحي من النحل كائناً متميزاً) حقاً تبارك الله في علاه. لو اتّبع الإنسان هداية الوحي وأطاعه لأفلح فلاحاً عظيماً مع نعمة العقل التي منحها الله له.
النحل كائن مدهش ببناء أقراص شمع فيها عيون سداسية دقيقة التصميم وعلى جانبي القرص في هندسة دقيقة حيرت المهندسين، هذا وحي الله فلا عجب! النحلة مدافعة شرسة عن مسكنها، بناء بيوتها السداسية العجيبة، المساكن التي تأوي إليها ثلاث أماكن هي الجبال والشجر والبيوت التي يبنيها الناس، وجاء ترتيبها تبعاً لتعاقبها الزمني، فالنحل سكن الجبال وتجاويف الشجر لاحقاً ثم فيما أعده الإنسان من مساكن متنوعة للنحل قديمها وحديثها.
فهنا سميت السورة بالنحل نوع الحشرة التي يوحى إليها للفت النظر إلى أنه كيف يجعل الله تعالى بالوحي كائناً متميزاً ملائكياً مفيداً مطيعاً ترعاه بطاعته عناية الله وتجعله متفوقاً على بني جنسه وأقرانه. والله أعلم.
(يُتبع)